كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 17, 2022 - 459 Views

الأمومــة عند الطبقات الشعبية في مصر المملوكية

Rate this item
(0 votes)

د/ إيمان صلاح عطاطة

كان للأم دور كبير في حياة الأسرة المصرية في العصر المملوكي، حيث إن تربية الأبناء وتنشئتهم فكانت في غالب الأحيان تقع على كاهل الأم التى تعتني بصغارها ودليل ذلك تكرار الإشارة بعبارة "نشأ في كنف أمه أو أمها"، وكانت الجدة تساعد ابنتها في تربية أحفادها خاصة إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على الاستعانة بالمربيات، أو بعد وفاة الأم والأب فتراعى الجدة أحفادها، وفي حالة وفاة الأب ترعى الأم أبناءها في كثير من الأحيان بمفردها.

فالأم هي عماد الأسرة والأساس في تربية الأبناء فهي الأقرب لهم وهي الألطف بهم, ويبدأ تأثير الأم في الأبناء منذ مرحلة الحمل فصحة الأبناء وسلامة أنفسهم تكون من صحة بدن الأم وسلامة نفسها، كما أن الأم في مراحل الطفل الأولى وخلال فترة الرضاعة يكون الاعتماد عليها في تغذية الطفل تغذية صحية بل إن كثيرا من الأمراض التي كانت تلم بالطفل في هذه المرحلة كان يتم علاجها عن طريق أدوية للأم، ويكون عليها أيضًا في هذه المرحلة ما يضمن سلامة الطفل صحيًا بالاهتمام بتنظيفه عن طريق الاستحمام والاعتناء بملابسه واختيار الأوقات المناسبة لذلك مثل أوقات الظهيرة أو ليلا ويكون بالماء الدافيء العذب حتى لا يمرض، وقد جعل الأطباء النظافة شيئًا ضروريًا للطفل فيجب العناية بفراشة وملابسه وجسمه، وعندما يشتد عود الطفل تساعده الأم على الحركة وعلى الجلوس والمشي من خلال كرسي مركب على عجل أو من خلال الاستناد إلى حائط حتى تقوى أعضاؤه ويستطيع الاعتماد على نفسه، وكانت الأطفال تربى في أَسِرة تسمى المهد تقوم الأم بشرائها من سوق الخراطين.

        وفي ذات السياق قد ارتبطت لغة الطفل بالأم لأنها هي التي تكون ملازمة له دائما فترة العامين الأولين من عمره، وفي خلال تلك الفترة يبدأ الطفل في تعلم بعض مفردات اللغة من الأم بصفة خاصة، وإذا أرادت الأم أن تخوفه وتسكته عن الصياح تقول له "اسكت لايأكلك البعبع".

 فيقول أحدهم متذكرا ما كانت تقوم به والدته معه في صغره من لغة يفهمها فيقول:

طالما دلعتنى حال تربيتي حتى           طلعت كما كانت تربيني

أقول نمنم تجي بالأكل تطعمنى          وأقول أنبوه تجي بالماء فتسقيني

كما وصف آخر صغيرا فقال:

يفرح بالدح ويحب النح                   ويكره من يقول بح

ويشخ في تحته من بخته                 ويضحك عند رؤية بزه

وقيل أيضا:

وسقتنى أمي في رضاعها بزها           وأكلت إذا طلع السنين بليلا

ورأيت لما طاهروني زفة                 قد داروا فيها الزراف وفيلا

ويعض عليه إذا قال كذه ولا يرحم صغيرًا ولا يحترم كبيرًا، ومن الملاحظ أن لغة الطفل في العصر المملوكي لم تختلف كثيرا عن لغة الطفل في الوقت الحالي، فهي من الموروثات الشعبية.

ولأن الأطفال دائما ملازمون لأمهاتهم خاصة فترة ما قبل الكتاب بل إن الأم هي أول ما يبحث عنه الطفل إذا كان خارج المنزل وعاد إليه ولا يستريح حتى يجدها،ونتيجة لتعلق الأبناء بأمهاتهم في هذا المرحلة فكان المجتمع يراعي عدم فصل الأم عن أطفالها، بل يظل الأطفال في حضانة أمهاتهم حتى الجواري لم يكن يفرق بين الجارية وولدها، فيشتري الرجل الجارية وولدها فيهدي الجارية لزوجته ويهدي الولد لابنه، ولكن وجد بعض العوام من يفرق بين الأم وأولادها ويبيع الجارية دون أبنائها.

وطبقًا للشريعة الإسلامية إذا تم تطليق الأم فإن القضاء كان يحكم للأم بحضانة الأولاد ويقرر على الأب نفقة لأولاده، حتى في بعض الحالات كان القاضي يحكم للأم بحضانة أطفالها رغم أنها تزوجت بآخر. وكان عليها أن تضحي في سبيل أن تحتفظ بحضانة طفلها بعد الطلاق وأهم شروط هذه التضحية هي أن تمكث في البيت لا تخرج طوال شهور العدة وإذا خرجت كانت تحرم من حضانة الطفل وتعطي حضانته إلى الأب بدعوى أن الأم غير سوية السلوك.

ومن الاحتفالات السعيدة التي حرصت نساء الطبقات الشعبية عليها، الاحتفال بنجاح أبنائها في حفظ وختم القرآن الكريم، فعندما يبلغ الطفل الثالثة أو الخامسة من عمره كانت الأم ترسل ابنها إلى الكتاب فيقوم على تدريسه شيخ ومعلمة للبنات لتحفيظ القرآن الكريم، فعندما يتم حفظه وختمه على أكمل وجه فتحتفل أمه به احتفالا كبيرا – حسب ظروف ومستوى كل أم-، فتزين الأم ابنها وتلبسه الثياب الحسن كأنه عروس تجلى ويركب من عند المكتب الذى حفظ به القرآن الكريم على فرس أو بغلة مزينة، ويمشي بعضهم بين يديه المغنية وطائفتها مكشوفة على ما يعهد من حالها مع ضرب الطار والشبابية والغناء، إلى أن يوصلوه إلى بيته وعندئذ يدخل المؤدب مع صاحب المكتب ويعطى اللوح لأم الطفل أو لأخته أو لخالته أو لعمته أو لجارته حتى تنقط كل واحدة منهن من الفضة ما أمكنها، وتقام الولائم في تلك المناسبة وتسمى وليمة الحذاقة، وهي الإطعام عند ختم القرآن الكريم، وكان لمؤدبي الأطفال مكانة كبيرة وتأثير واضح على الأبناء لدرجة أن الأم تلجأ إليهم لشكوى أبنائها إذا أخلو الأدب في المنزل.

وكان للأم دور في الترفيه عن أبنائها، فكانت بعض الأمهات في كثير من الأحيان يصحبن أطفالهن للنزهة خارج المنزل إلى المتنزهات التي انتشرت في القاهرة مثل بركة الحبش وأرض الطبالة والشواطيء والأسواق كذلك إلى المقابر والقرافات في الليالي المقمرة والمواسم والأعياد ومعهم الطعام حيث يقمن الولائم مع أسرهن هناك.

وكانت الأم تحافظ على المال لمساعدة أبنائها في بناء مستقبلهم وعمل تجارة خاصة بهم، فكانت الأم تقف إلى جوار ابنها ماديا وتساعده في تحمل تكاليف الحياة وتوفر له ما يكفيه، كما كانت أحيانا تسانده في عمله الخاص، كما كانت تشجعهم ليرتقوا من وضعهم الاجتماعي. وكانت بعض الأمهات في الأرياف والقرى تشجع أبناءها للسفر إلى القاهرة للتعلم وتعطيه ما يعينه على الحياة فيها فترة تعلمه.

وفي ذات السياق لم تترك الأم حق ابنها حتى في شدة ألمها وحزنها على فقدانه، ففي سنة (920هـ/1514م) قام خياطا اسمه "نجا بن تمساح" بالتحرش بصبي صغير عمره عشر سنوات في بيت في الجزيرة الوسطى فاستغاث الصبي فذبحه الخياط ورماه في بئر فلما شاع أمره أمسكته أم الصبي وعرضته على السلطان الأشرف قانصوه الغوري فاعترف بقتل الصبي فأمر السلطان بشنقه في نفس المكان الذي قتله فيه الصبي.

      وكانت الأم نجدها تغفر لابنها في حالات كثيرة كل هفوة وتداري أمره وربما تكذب على الأب لتخلص ابنها من عقاب أبيه، وقد يصل الحب في بعض الأحيان إلى منتهاه فنجد أن الأم قد تنتحر حزنا على موت ابنها وفراقها إياه حيث منعت من أن تخرج وراء جنازته فألقت بنفسها عليه من أعلى الدار.

ويشير أحد المعاصرين إلى مدى احترام الأبناء وحبهم لأمهاتهم نتيجة للتربية الجادة، ودليلا على ذلك رفض "ابن عفانة" تفريق أردب القمح علي الفقراء في عاشوراء وقال "الذي أعطيه للفقراء أعطيه لأمي، أمي أحق من الفقراء". وهناك من يفتخر بأمه وينسب نفسه إليها بدل من نسب أبيه فعُرف أحدهم بـ "ابن الوفيه" ، وغيره عُرف بـ "ابن المرضعة" نسبة إلى مهنة أمه .

 وقال أحدهم في أمه:

                لموت أمى الأحزان تحنيني               فطالما لحستنى تحنيني

                وطالما دلعتن حال تربيتي                حتى طلعت كما كانت تربيني

        أقول نمنم تجئ بالأكل تطعمنى          أقول انبوه تجيء بالماء تسقيني

       على الصعيد الآخر كان بعض الأبناء يعاملوا أمهاتهم بجحود، فإذا تزوج الفلاح من أهل القاهرة كان يخجل من رؤية أهله حتى إذا جاءت إليه أمه يتجاهلها حتى لا يعرف أصله أمام زوجته القاهرية، وهددها بالضرب إذا عرف أحد أنها أمه.

قائمة المصادر والمراجع

الأبشيهي: المستطرف من كل فن مستظرف، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، بيروت، 2013م

ابن الحاج: المدخل، مكتبة دار التراث، القاهرة، (د.ت)

ابن سودون: نزهة النفوس ومضحك العبوس، تحقيق منال محرم عبد المجيد، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2003م

الشربيني: هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف، ط2، المطبعة الأميرية، بولاق، 1308هـ

المقريزي: المقفي الكبير، تحقيق محمد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991م

إيمان صلاح عطاطة: نساء العامة في مصر خلال العصر المملوكي، دار زهراء الشرق ، القاهرة ، 2020م

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.