كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 16, 2022 - 99 Views

الجلابية في التراث المصري

Rate this item
(1 Vote)

بقلم د. محمد إبراهيم

أستاذ مساعد – كلية الآداب – جامعة بنى سويف  

يعتبر الزي جزءا لايتجزأ من تراث أي بلد يسكنها الناس والذي يعبر عن الكثير من تاريخ وعادات وتقاليد الشعوب , كما يعكس صورة المجتمع والحياة في كل عصر, ومن المعروف ان تطور الملابس يمر تدريجيا ويستغرق وقتا طويلا ليتحول من البساطة إلي الأكثر تعقيدا مع التأثر بالعصر السابق عليه, علي الجانب الآخر تعكس الملابس الهوية القومية لأهل البلد والمعبرة عن حضارتها وتراثها .

وتعد الجلابية من أكثر أجزاء الملابس التي تحمل تراثا كبيرا في ذاكرة المصريين, فلاتزال هي الزي الشعبي واحيانا الرسمي  لأبناء القري والفلاحين في مصر مع ماتحمله من تأثيرات حضارية تمتد لعصور كثيرة مرت علي مصر .

والجلابية أو الجلباب من أسماء الملابس التي ذكرت في القرآن الكريم , قال تعالي :

( ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلايؤذين)وهو حث مباشر للنساء – في ذلك الوقت – لطريقة ارتداء الحرائر من النساء للجلابية.أما عن وصف الجلابية فهي عبارة عن قطعة قماش كبيرة تصل إلي 3 أو4 امتار تفصل علي مقاس الجسم وتكون واسعة معظم الوقت, لستر الجسد من العنق حتي القدمين , فتعطي راحة للجسم في الحركة قياما وجلوسا .

وتعد الجلابية موروثا مصريا من التراث المصري القديم ( الفرعوني )مع تاثيرات عربية عرفها المصريين من الحضارات اللاحقة خاصة التراث العربي والإسلامي, وفي هذا الصدد لبعض المؤرخين آراء وتفسيرات كثيرة , لكن المؤكد أن الجلابية المصرية تختلف في تصميمها وشكلها عن الجلابية العربية والهندية والسودانية والمغربية , إذ ان لكل بيئة وكل شعب طابع خاص ميزه عن غيره في ارتداء أنواع واشكال الملبس .فبعض الشعوب عرفت عندها الجلابية بأسماء اخري كا الدشداشة والكندورة والجلابة المغربية  كذلك استخدم بعض الشعوب عدة منسوجات لصنعها تتناسب مع المسوي الحضاري والمستوي المادي لهم , كذلك توعت الوان الجلابية لتعكس ذوق وثقافة كل شعب بل كل فئة من فئات المجتمع نفسه, فجلابية الفلاح وجلابية عالم الدين وجلابية العامل وجلابية العمدة وغيرهم وغيرهم تختلف عن غيرها شكلا وخامة  . 

أرتبطت الجلابية دائما بالفلاحين في المجتمع الريفي لما تتيحه لهم من سهولة الحركة والعمل في الأرض , وكانت دائما تتميز جلابية الغيط بأن لونها ازرق لتتحمل الأوساخ والمياة , وهي بذلك تعد زي عمل رسمي لهم يستطيعون من خلالها تشمير أكمامها أو رفعها وربط منتصفها بشال أو حبل , كما كانت وسيلة من وسائل حمل بعض الأشياء في حجرها الواسع من غلة أوثمار وزروع. علي أن الأمر لم يقف عند ذلك فقد اتخذ البعض منها نوعا لحضور المناسبات المهمة والاحتفالات, وبطبيعة الحال اختلف شكلها عن جلابية العمل في تصميمها وخامات نسيجها وزخرفتها الخارجية , فكان هذا النوع يصنع من الصوف أو الكشمير أو الحرير مع تطريز فتحة العنق وأطراف الأكمام بقطان من نسيج آخر ولون آخر, مع عمل جيوب جانبية وجيب علي جانب الصدر واحيانا جيب داخلي , وتتميز الجلابية البلدي المصرية عن غيرها من الجلاليب الآخري ( الإفرنجية ) بأن فتحة العنق دائرية أي بدون ياقة عالية تحيط بالعنق,كذلك اتساع محيطها من اسفل لتتيح حرية الحركة والجلوس وتسمح للجسد أن يدخل إليه أكبر قدر من الهواء, علي الجانب الآخر تميزت الجلابية – البلدي – باتساع أكمامها الذي يصل في بعض الأحيان إلي 27 او 35 سم وهي بذلك عكس الجلابية السعودية التي تتميز بوجود اساور للكم تزرر .

لم يقتصر ارتداء الجلابية علي فئة الفلاحين بل امتد إلي كل طبقات المجتمع المصري منذ القدم  وحتي الان , فلبسها أفراد عاديون ولبسها حكام وزعماء وفنانين وأدباء منهم:

( جمال عبد الناصر – أنور السادات –أحمد فؤاد نجم – شكوكو- عبد الحليم حافظ – محمد عبد المطلب –  والفنان محمد رضا وغيرهم وغيرهم ).

ارتبطت الجلابية في التراث الشعبي ببعض السلوكيات والمصطلحات الشعبية لأبناء المجتمع المصري , فاالبعض يعبر عن سرعة الجري او الهروب بـ ( أخد ديل الجلابية في سنانة وقال يافكيك !!! كما وصفها البعض بانها ( تكييف الغلابة )كما كان نزع الجلابية وقلعها إشارة واستعداد من الشخص للدخول في عراك أو خناقة , كذلك كان بعض الفرانين والخبازين عندما يتشاحن مع صاحب الفرن يقوم بارتداء الجلابية لمغادرة العمل, فيحلف عليه المعلم بخلع الجلابية وماتحتها !!! للعودة للعمل مرة أخري,كذلك تعمد مبيض النحاس أن يشمر جلبابه وربط منتصفه بحبل ليتيح له حرية الحركة  اثناء عمله بقدميه في تبيض النحاس ,  كذلك كثيرا مايطلق علي الشخص الذي انهي عمله او احيل الي المعاش بأنه ( لبس الجلابية ) كناية عن التفرغ والراحة ,علي الجانب الاخر تفننت – عن عمد – بعض الفلاحات في الكشف عن أنوثتها بتشمير الجلابية ورفع أسفلها لإظهار ساقيها أثناء ملء جرار وزلع الماء من الترع أو أثناء تزغيط بعض الطيور( البط أو الوز) داخل المنزل, كذلك لجأ البعض إلي إمساك طرف الجلابية او احد جوانبها أثناء السير بحمل او مشال علي الراس , فرغم أن الجلابية النسائية الأصل فيها تغطية الجسد, إلا أن بعضهن كان يستخدمنها ببراعة في إظهار تفاصيل الجسد خاصة عند السير امام الرجال أو أثناء الرقص أمامهم.

حملت الأمثال الشعبية بعض المفردات التي صورت الجلابية ومايصاحبها منها ( إيه جد عليك يامرا غير المجرجر من ورا) وهو تصوير بالغ الأهمية لما ينتاب المرأة الحامل بعد حملها من انتفاخ بطنها إلي الأمام وعلو الجلابية من الأمام وارتخاء ديل الجلابية من الخلف, والمثل يشيرإلي أن هذه الحامل لم يتغير حالها سوي في ظهور هذا الذيل للجلباب , علي الجانب الآخرعبر الغناء عن الجلابية في الكثير من  الأغنيات في الأفلام والمسلسلات , أشهرها ماغنته الفنانة شادية لعمر الجيزاوي ( من بعد طاقية وجلابية .. شرفت يافندي الأفندية ) تعبيرا عن التحول من الزي الشعبي إلي الزي الأفرنجي ,

إن قضية الزي الرسمي وارتباط البيئة والمكانة الاجتماعية بنوع محدد من الزي من القضايا المهمة التي تثار من وقت إلي آخر, خاصة مع اعتبار أن الملبس عنوانا خارجيا لتحديد قيمة أو هوية او ثقافة الشخص في الوقت الحاضر,لكن المثير للدهشة أن الجلابية علي وجه الخصوص صارت زيا رسميا وشعبيا باختلاف المكان , مع طغيان انتشار الملابس الغربية بين الرجال والنساء, لأن الأصل في الملبس دائما وابدا الستر والراحة !!!!!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.