كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 14, 2020 - 163 Views

العادات المتوارثة من أساطير العالم القديم

Rate this item
(0 votes)

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية 

فى واقع الأمر إن الإنسان منذ نشأته الأولى وهو يعيش تحت وطأة الصراع فمنذ البدء انشغلت مخيلة الإنسان القديم بأفكار حول الطبيعة من حولة وبرع فى صناعة الرموز واختيارها من بين ما هو مادى وغير مادى فالظواهر الكونية التي عجز الإنسان الأول عن فهمها حولها إلى أسطورة مليئة بالرموز التي صاغها من بنات أفكاره تارة و من الواقع المحسوس تارةً آخري وبذلك أستطاع أن يهرب من الحتم الطبيعي الذى يعيش فى صراع دائم معه ولا يجد له تفسير وحوره إلى أفكار ميتافيزيقية أي ما ورائية حتى يهدأ ويتكيف مع هذه الطبيعة ,وهذا العالم الخيالي لم يكن خيالاً فردياً محضاً بل شرطاً أساسياً أن يكون متفق علية داخل العقل الجمعي الذى صاغ هذه الرموز و جعل منها أساطير تكتسب طابع التقديس داخل الجماعة التي تؤمن بها ويمكن ان تكون بالنسبة لآخرون مجرد تعاويذ أو خرافات ليس لها أساس من الصحة و ربما يكون هؤلاء الآخرون لديهم طقوساً يعجز عن فهما إنسا آخرون وذلك لا يمنع ان للأساطير عمق فلسفي يميزها عن أي قص شعبي أتخذ عناصره العجائبية من الأساطير القديمة والتي بطبيعة الحال لم يتبقى منها غير النصوص والشعائر الخاصة بها والتي كانت ذا طابع دينى له ممارساته والتي توقفت عن اداء وظيفتها فتفتت عناصرها وتصورنا إنها حكايات وحواديت شعبية وهكذا تحتفظ الأساطير بخصوصيتها الطقسية والرمزية داخل المجتمع الثقافي التي نشأت فيه وكما يقول العالم البنيوي ليفي شتراوس الأساطير تُفسر من الداخل لا من الخارج ,داخل إطارها الثقافي حتى نحصل على المعنى . فهو كان معنياً بدراسة الأساطير عن طريق تحليل بنية النص وبيان العناصر المتشابهة بين العديد من أساطير العالم فهو كان يسعى لتأكيد نظرية وحدة العقل البشرى وأكد فى دراساته ان عقل الإنسان القديم لم يكن همجي أو بدائي بل هو متشابه تماما مع عقل الإنسان الحديث مع وجود بعض الاختلافات الثقافية والزمنية والاجتماعية والسياسية التي ينشأ فيها أي إنسان ,ومن هنا نجد أن أغلب شعوب العالم كما قال جيمس فريزر تحرص على رواية قصة الخلق وذلك لربط الذات بموضوعتيها بمعنى أن الإنسان دائماً فى حالة بحث عن قوى تفوق قدراته الحسية فيلجأ إلى ذات آخري وهى الذات العليا فهي التي تحدد مصيره لأنه لا يشعر بالكامل فيبحث عن ذات كاملة لها القوة والسلطان فيحتمى بها ,ومع تعدد الأساطير الخاصة بقصة الخلق الأولى , تقول د. نبيلة إبراهيم ان مثل هذا الحرص ينطوي على غرض نفسى وربما لا شعوري وهو رغبة الإنسان الشعبي فى الهروب من نطاق الزمن فيعود بذاكرته الشفاهية إلى الخلق الأول حتى يبرر وجوده وأيضاً موته , ومن هنا نجد ان من أقدم الأساطير التي صاغها الفكر الأنسان هي أساطير حول الخلق ونذكر هنا أكثر الأساطير شهرة وهى الأسطورة المصرية القديمة إيزيس وأوزيريس تلك الأسطورة التي صاغها المصري القديم واستمرت معه مؤسسة لعقيدته الدينية لآلاف السنين وتلك الأسطورة ترتبط بشكل مباشر بقصة الخلق الأولى حيث تعطى تفسيراً عن الـنشأة الأولى للعالم النابعة من المحيط نون محيط المياه الآزلى ثم توالت عمليات الخلق إلى ان تصل الأسطورة بنا إلى صراع أزلي آخر وهو صراع الخير والشر فهذا الصراع يمثل موتيف ورمز حي نعيشه فى كل مراحل حياتنا فهو صراع إنساني بين قوتين حولهما المصري القديم إلى صراع بين حورس رمز الخير و ست رمز الشر وأحتدم الصراع بينهما إلى ان انتهى بانتصار الخير على الشر ولكن فكر المصري القديم قرر الاحتفاظ بالشر ولم يقضى علية وأكتفى بهزيمته فقط وذلك ليحارب الشرور و الكائنات التي يمكن ان تعكر صفو الخير فالمصري القديم أدرك منذ القدم ان الشر يحارب الشر ويقضى علية , وبهذه الأسطورة تكونت قراءات عديدة فانتصار حورس يعنى توحيد المملكتين فى مصر العليا والسفلى سياسياً ,اجتماعياً يرمز إلى إعادة الحياة لأوزيريس فى العالم السفلى بعد ان أنتصر حورس على ست فعاد أوزيريس للحياة وأصبح يرمز إلى الفيضان الذى يأتي بعده الوفرة و الخير والنماء , فبذلك تتوافر لدينا مجموعتين من الرموز واحدة للخير و آخري للشر فعندما فقد حورس عينه أثناء صراعه مع الشر أرسلت له السماء عن طريق تحوت عيناً آخري ومرت هذه العين بمراحل حتى عادت إلى بريقها الأول ورمز المصري للعينين بالشمس والقمر ولدينا رمزاً آخر وهو الثعبان أو الحية فهي فى الأسطورة تحمل الرمزيتين الخير والشر فهي الثعبان الضخم الذى لابد وان يهزمه رع كل يوم حتى تشرق شمسه فى الصباح وهى ايضاً الكوبرا الحامية التي يضعها الملك فى مقدمة التاج لتحمية من الشرور فهي التي تتصدر مركبة رع لتحارب كل الكائنات الشريرة , فرمزية العين والحية لهما أهمية ووجود فى تراث الشعوب .

ومن أهم الطقوس الاحتفالية التي وظفت هذا الصراع بين قوتين الخير و الشر هو طقس السبوع كما كان ويزال تحتفل به وتمارسه الجماعة الشعبية وهذا طقس أسطوري بكل تفاصيله إذ تجتمع فيه الرموز و اللغة و الأداء لتسهم جميعاً فى تكرار حدث موغل فى القدم وهو إبعاد القوى الشيطانية  فالطفل رمز الميلاد الجديد وإذا كانت الحبوب تغربل كي تنقى  فإن الطفل يكتسب هذه الخاصية عندما يغربل معها ,رمز الماء يدل على الخصب و النماء وكان الماء الذى يوقع فى القلة او الإبريق وماء حموم الطفل اختزال لهذا الماء الآزلى الذى خرجت منه الحياه ذات يوم.

وتكتمل رمزية الوفرة بالملح الذى تصرح الأغنية بوظيفته

وتقول يا ملح دارنا كتر عيالنا ,فهو يحقق هذه الوفرة بطرق غير مباشرة لأنه يصيب العين الشريرة فى عينها الحاسدة اما عن دق الهون  فالقوى الشيطانية كما يقول جيمس فريزر تفزع من صليل النحاس وتهرب

فالرموز هنا حزمتين  الأولى تضم رموز الوفرة والنماء والغربال وحزمة تضم ما يفسد على القوة الشريرة فعلها و هي الملح ودق الهون و البخور

وعلى هذا النحو حول الإنسان الشعبي أسطورة الصراع بين الشخوص الشيطانية و الشخوص الإلهية إلى نمط خاص من القص ينغلق على الصراع الحسي بين قوتي الخير والشر و الفرق بين الأساطير القديمة وبين الحكايات الخرافية هو ان الأسطورة مكانها المعبد  اما الحكايات تتداول فى الحياة  وإذا كان فى الأسطورة الإله يمثل الخير فهو فى الحكاية الشعبية يمثل فى البطل.

فكل الاحتفالات الخاصة بدورة حياة الإنسان ماهي إلا عادات طقسية لا تخلو من التأثر الموغل فى القدم النابع من أساطير العالم القديم .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.