كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 16, 2020 - 526 Views

الأحذية فى مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

تظل الحضارة المصرية الخالدة منبع ملئ بالأسرار تُعلن كل يوم عن سر جديد من أسرارها قررت أن تبوح به للعالم كله وذلك فى هيئة إكتشاف أثرى أو إعادة النظر فى الاكتشافات السابقه وذلك بالتعديل أو الأضافة عن طريق أستخدام أحدث الأجهزة التكنولوجية لتكشف لنا أسرار التطور و العبقرية التي تفردت بها الحضارة المصرية القديمة  فالمصرى القديم برع في استخدام الرموز وتحويلها إلى أيقونات لها العديد من المعاني و الدلالات و كل هذه الرموز في الأغلب مستمدة من الطبيعة التي قدسها المصري واستخلص منها رموزه .

ومن ثم استطاع الفنان المصري القديم أن يدمج بين الفن والطبيعة والدين والدليل على ذلك النقوش على جدران المعابد و المقابر وأيضًا البرديات ومن أهمها بردية "آنى" وهى جزء من كتاب الموتى (الخروج فى النهار) وهو بمثابة عمدة الكتب الذي يجمع بين دفتيه العقيدة المصرية القديمة بكل تصوراتها والقيم والتعاليم التي قدسها المصري حتى يفوز بالأبدية و الخلود فى العالم الآخر وبالأضافة إلى التصورات العقائدية .

جسد الفنان المصرى ووثق مظهر الرجال و النساء بداية من شعر الرأس مرورًا بالأزياء و الحُلي وصولًا إلى القدم , حيث إنّ المصري اعتنى بمظهره ومن أهم هذه المظاهر الأحذية فالمصري سباق في صناعة الأحذية وأيضًا فى ارتدائها ولم تكُن أحذية بمفهومنها الحديث ولكن يمكن القول إنها تميل من حيث الشكل إلى الصنادل , فالمصرى القديم أول من صنع وارتدى الحذاء وكان أغلب من  هم على سطح الأرض داخل الكهوف , وذلك منذ  فترات ماقبل الأسرات !!! والدليل المادي على ذلك صلاية الملك نعرمر (مينا) موحد القطريين وهذه الصلاية محفوظه في المُتحف المصري .

وهذه الصلاية عباره عن وجهيين الوجه الأول منها يظهر لنا رمزية هامة جدًا الملك مينا وهو يُصارع أعدائه وخلفه يقف (حامل الصندل الملكي) وهى وظيفة رفيعة الشأن لا يُسمح لأحد العامة أن يُرافق الملك في هذه المناسبة إلا و إن كان في مكانة ورتبة عالية ونرى في هذه الصلاية حامل الصندل الملكي يحمل في يده الصندل و فى اليد الأخرى طست من الماء خاص بتطهير الحذاء وذلك بعد أن ينتهى الملك من الطقس الذي يقوم به حيث من المرجح أن هذا الوجه من الصلايه يُعبر عن احتفال الملك مينا بعيد الحب سد والاحتفال بتجديد ملكه ونجد أيضًا على الوجه الثاني من الصلاية الملك يقف وأمامه الأعداء مهزومين بعد أن انتصر عليهم ,ويسير الملك في موكب النصر متجه إلى معبد مدينة بوتو المقدسة ,ويرتدى التاج الأحمر تاج الدلتا خلفه حامل الصندل الملكي ومعه طست الماء ويصوره الفنان مرة أخرى تأكيدًا على رمزية الحذاء أنه مُخصص للملك , وأيضًا يُجسد وظيفة حامل الصندل لأهميتها .

ومن أشهر الشخصيات التي حملت لقب حامل الصندل الملكي الوزير( وني) الأسرة الخامسة دولة قديمة

حيث كان الرفيق الوحيد للملك ويحمل عدة ألقاب منها : النبيل , حاكم الصعيد , المسؤل عن خزانة الدولة

ونلاحظ أن حامل الصندل أتخد مكانة أسمى من صانع الصندل , حيث أن حرفة صناعة الأحذية وثيقة الارتباط بالمعابد وسنتناول بشئ من التفصيل أين وكيف صُنعت الأحذية فى مصر القديمة وما الأدوات التي استخدمها المصري والذي وثقها أيضٍا الفنان المصري على الجدران .

صناعة الأحذية الجلدية

كان المقر الرئيسي لصناعة الأحذية هو طيبة حيث تُعتبر مركز صناعة الجلود في مصر انذاك وتم تعيين منطقة دير المدينه بالبر الغربي مركزًا لتقطيع الجلود، وكان مصدر الجلود المستخدمة جلد الذبائح من الثيران , العجول , الغزلان, الماعز، وتوضح لنا العديد من النصوص والخطابات الملكية التي عُثر عليها منقوشة على البردي خطاب موجه من الملك سنوسرت الثانى إلى العمال أن يعطون جلد الذبائح إلى صانع الجلود.

ومن هنا ننتقل إلى الحديث عن الحرفي (صانع الأحذية و الصنادل) الجلدية على وجه التحديد.

صانع الأحذية  

الحرفي الذى صنع أحذية الملوك والعامة كان يتمتع بمكانة اجتماعية تكاد تكون متوسطه وليست دونية على الأطلاق إلا في بعض الأوقات التي كانت مصر تمُر فيها بظروف سياسية وأقتصادية صعبة

وكانت صناعة الأحذية والورش جزء لا يتجزء من المعابد حيث تتم هذه الصناعات داخل المعبد وكان في عهد الملك أمنحتب الثانى يقوم بتعيين كهنه مطهرون ومشرفون على مصانع الأحذية فى معبد آمون  ومن أهم النقوش التي تُصور لنا صناعة الأحذيه الجلدية تفصيلًا هى مقبرة رخميرع , حيث كان رخميرع المشرف على الصندل فى معبد آمون .

كيف صُنعت الأحذية الجلدية كما صورتها لنا نقوش مقبرة رخميرع؟

بعد نزع الجلد من الذبيحة يتم أخذ الجلود ليتم عمل دباغه لها عن طريق نقعها ثم قشطها بشفرة حادة

لتنظيف الجلد من الفرو والشعر ,بعد ذلك يتم تقطيع الجلود إلى قطع يتم من خلالها صناعة الصندل

الأدوات المستخدمة :

  • الخرام
  • سكين نصف دائري
  • مشط
  • إبرة
  • قرن لتوسيع الثقوب
  • شفرة معدنية حادة
  • مشط لخز الثقوب
  • حجر أخضر للتنعيم (الصنفره)

وكما ذكرنا أنّ صناعة الأحذية ترتبط بمؤسسات كُبرى مثل المعابد والقصور (ورش عمل معبد آمون)

في الكرنك ,ذلك يدل على المكانة الأقتصادية التي تمُثلها صناعة الأحذية فهذه الصناعة كانت تُمثل قوة أقتصادية تعتمد عليها مصر من حيث تحصيل الضرائب وغيرها من الأمور الإداريه في الدولة فهذه الصناعه لم تقتصر على تصنيع أحذية البلاط الملكي فقط بل كانت تشمل كل طبقات المجتمع من رجال ونساء وأطفال ونجد الكثير من هذه الشواهد فى المتاحف ولكن النقوش لم تجسد إلا الملك الفرعون  الذى يرتدى الصندل الملكي وذلك فى سياقات عديدة .

الملكة نفرتيتى وأبنتها أرتدنَّ الصندل الملكى

من الملفت للانتباه أنه من النادر أن نرى الملكات أو زوجات الملوك يرتدين أحذية مع العلم أن هناك أحذية صُنعت للنساء ولكن الشواهد والنقوش الجدارية نادرًا ما تصور النساء يلبسن أحذيه أو صنادل في أقدامهن , إلا فى حاله أراها قلما نشاهدها وهى الملكه نفرتيتى من الأسرة الثامنة عشر دولة حديثة، صورها الفنان الآتونى دائمًا وهى ترتدى الصندل مثلها مثل إخناتون زوجها وذلك دليل على إنها لم تكن فقط زوجه ملكية بل كانت شريكة في الحكم.

لم يقتصر الأمر على نفرتيتى فقط بل تأتى في تلك الرتبة الملكية ابنتها (عنخ إسن آمون ) زوجة الملك توت عنخ آمون صورت فى العديد من المناظر مع زوجها الملك الشاب توت عنخ آمون وهى ترتدى صندل ملكى ونرى شاهد أثري على ذلك تجسيدها هى والملك توت عنخ آمون على كرسي العرش الخاص بالملك توت عنخ آمون حيث صور الفنان المصري متأثرًا بالفن الآتونى الملك وهو يجلس مسترخي وأمامه زوجته في يدها إناء عطور و بالايد الأخرى تُصلح وضع عقد الرقبة الخاص بالملك وخلفهما قرص الشمس بإشاعته المنتهيه بيد بشريه .وكان من ضمن المجموعات التى وجدت فى مقتنيات توت عنخ آمون أحذية من الجلد.

زينت بزخارف وألوان غاية فى الروعة والجمال وأيضًا الاتقان فعلى سبيل المثال يوجد صندل من الجلد له تصميم وتشكيل جمالي مميز حيث قام الفنان المصري بعمل لوحة فنية مستوحاة من الطبيعة على صندل الملك ,نجد مقدمة الصندل ساق بردى ويحيطها أزهار اللوتس المتفتحة ويوجد جانبي زهرة اللوتس التي فى المنتصف بطتان حيث جسد الفنان مشهد البحيرة و الطبيعة المحيطة بها على صندل الملك وذلك بالإضافة إلى الألوان المستخدمة والتى لازالت على حالتها منذ الآف السنين.

الصندل الملكي أداة لسحق الأعداء

(فليشاهدوا قواك, فليجددوا من عظمتك ,هل تستطيع أن تحطم ؟ هل تستطيع أن تدحر أعدائك الذكور والأناث؟ هل تستطيع أن تضعهم أسفل نعليك ؟) (أحد نصوص التوابيت دولة حديثة) .

لدينا من مقتنايات توت عنخ آمون نموذج من الأحذية يرمز إلى القوه وسحق الأعداء حيث رُسم الاعداء على قدم الصندل دليل على سحق الملك لهم وإن مكان أعداء مصر أسفل قدميه، وهناك جدارية رُسم عليها نعل الصندل وفي الأسفل صور الفنان المصرى الآسرى الأعداء مقيدين أسفل النعل وفى ذلك رمزية قوية على الأنتصار وقهر الأعداء.

ويأتى فى فترة  ربما تكون متأخرة الأحذية المصنوعة من الألياف النباتيه ولكن لم تمدنا النقوش والجداريات على أى توثيق لصناعتها رغم أنها صُنعت بمهارة وحرفية عالية وكانت تُصنع من ألياف البردى وسعف النخيل بالإضافة إلى بعض الأخشاب التي ضُغطت لتُعطى الصندل متانة وصلابة.

ارتدى كبار الكهنة الصنادل وذلك أثناء طقس فتح الفم وذلك بعد تطهيره بالماء المقدس، فنجد أن الحذاء عند المصري القديم لم يكُن شكل من أشكال الزينة أو مجرد حذاء يؤدي وظيفة في الاستعمال اليومي فقط بل تعدى ذلك ليصل إلى درجة أعلى فكان له رمزية اجتماعية طبقية ورمزية أقتصادية ورمزية دينيه وأيضًا رمزية سياسية تجلت في مقتنايات وأحذية الملك الشاب توت عنخ آمون .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.