كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 02, 2020 - 125 Views

الكورونا ما بين العزل والإيواء (الصحيفة وبيت الأرقم )

Rate this item
(0 votes)

    كتبت : شيرين رحيم

شؤون هيئة تدريس جامعة دمنهور ،باحثة ماجستير كلية الأداب جامعة دمنهور

 لا تزال رحى المعركة بين الخير والشر فى هذا العالم الإنسانى منذ الأزل لا تعرف يوما هوادة ولا تطمئن إلى سكينة هى صراع دائم بدء منذ الخليقة بين البشر وتطور على مر العصور فتجسد فى صور مختلفة تزعمتها الطبيعة أحيانا وتصدرها العنصر البشرى أحيانا أخرى وبعضا كان الإلتقاء فى صور مختلفة من إبتلاء رب الكون أو أخطاء البشر وهو ما نتج عنه مظاهر كثير عرفت بالأزمات والنكبات والكوارث والإبتلاءات والأوبئة وغيرها من عناوين ومسميات لصراع البقاء بل صراع العودة للنقاء للنفس كما صورها وميزها وحباها الله لتعمر أرضه

لقد ألف المصريون منذ الوف السنيين من بعثة محمد عليه الصلاة والسلام أن يزودوا الميت بزاد الآخرة ويضعون فى أكفانه كتاب الموتى بأحكامه ونذره ويصورون على معابدهم صور الميزان والحساب والتوبة والعقاب ,وكانت نفوس العرب وهم أهل تجارة – أكثر قدرا للواقع المحسوس وأعظم ميلا للحياة ولانهم أهل لهو وخمر كانوا أشد إنكارا لجزاء الاخرة وإعتبروا أن ما يلقاه الإنسان من خير وشر فى الحياة هو جزاء عملهفلا جزاء بعد الحياة,حتى أننا لنرى أن أكثر ما نزل من الوحى نذيرا وبشيرا هو ما نزل بمكة فى بدايات الرسالة لينبههم إلى عبادة الله الواحد القهار

  ولما كان الإسلام هو سبيل الخلاص الروحى رُغم ما تحمله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابهمن ألوان الأذى وآلام النفس والجسد وأصناف العقاب فى الرتحال عن الوطن والأهل والولد ؛وتحمل الحصار والحروب وأصناف الإيذاء التى جعلوا منها حرب ضروس علها تكون ملجأهم وملاذهم من الثواب والعقاب وحديث الآخرة الذى فروا منه وسلكوا فى ذلك كل السبل فتباينت صور إنتقامهم من المسلمين والدعوة وتقمصت أدوار الترغيب والتهديد وتصدت قريش بكل ماتملكه من قوة كبلد آمن خصها الله تعالى بمكانة مميزة أن جعل فيها بيته الحرام وبزغ فيها نجوم بشرية فى القوة والثراء والتجارة والعزوة والشعر والكرم والبيان

ولعل صحيفة المقاطعة التى أعدتها قريش وعزلت بها محمد وأهله وصحبه فى إحدى شعب من شعاب الجبل بمكة صورة جلية للابتلاء حين منعت  دونما رحمة ولا إنسانية عنهم كل أصناف الحياة ومظاهرها وأظهرت ما فى قلب قريش من وحشية وقسوة كالجسد حين يلفظ عضوا من أعضاءه ويمنع عنه الحياة وتحمل المسلمون الإبتلاء ثلاث سنوات لا يبتاعون ولا يبيعون ولا يتناكحون ولا يخرجون من الشعب حتى كادوا يموتون جوعا لولا بعض المحاولات السرية التى بزغت من قلب الصخر تحمل لهم الطعام والوبر حتى لا يهلكوا جوعا فكان منهم هشام بن عمرو  يذهب إليهم سرا بالبعير محملا بالطعام فى جوف الليل ثم ما كان منه حين جاهر  زهير بن أبى أمية وكانت أمه من بنى عبدالمطلب قائلا ومستنكرا منه تلك المقاطعة  ومتسائلا" أولو كان بنى عبد المطلب أخوال ابى الحكم بن هشام ثم دعوته لمثل ما دعاك اليه ما أجابك " ونتج عن ذلك أن تعاهد الرجلان مستعينيين بغيرهم على نقض المعاهدة ,وخرج زهير الى الكعبة طائفا ومناديا فى قريش يندد بمقاطعتها لبنيها وداعيا لشق الصحيفة فصاح أبو جهل ُمقسما ألا تشق إلا أن القوم إستكانوا لرأى زهير وأسرع المطعم بن عدى ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا من فاتحتها "بإسمك اللهم"لتنتهى صفحة من صفحات الإبتلاء للمسلمين وليبقى الفريقين كل منهما على حاله متحفزا ليوم  يستعلى فيه على صاحبه ،

وكانت جولة بيت الأرقم بن أبى الأرقم صورة جديدة من صور النضال بالدعوة وقتها أخلص المسلمون النية وصدقوا عهدهم لله ورسوله وأصبح الدين أحب إليهم من الدنيا بمتاعها ،ومن الارض والوطن ووإختزل الوطن عندهم فى بيت بسيط أصبح المأوى والحضن يجتمعوا فيه مع الحبيب يتدارسوا ويهتدوا وينعزلوا عن الدنيا بملاذاتها وفتنها وهم على يقين أن  جلستهم الهزيلة هى نواة ستنتشر لتصبح بيوتا ومجتمعات وعالم وأوطان وبلاد ربما لم يكن يعرفوها ولم يسمعوا عنها ,ولكنهم خاضوا التجربة وتحملوها بكل ظروفها وضغوطها فإنعزلوا وهربوا بعقيدتهم  محتملين كل الظروف  يناضلون فى حرب عدوهم قاسي وشرس ليس له هوادة وهانت عليه كل شئ وإستحل كل الأعمال لمقاومتهم وتنوع وتفنن فى صور العقاب والعداء ولكنهم تجلدوا وحُبسوا بين جدران البيت الذى أصبح فيما بعد نقطة إنطلاق أمر الله ؛فكان يجتمع فيه القوى والضعيف والغنى والفقير لا رباط بينهم سوى كلمة الله  والشدة التى فرضت عليهم وتحملوا الحصار والسرية  طريقا للجهر والنور .

والكورونا ذلك الفيروس الهلامى غير المرئى الذى هاجم الدنيا ما بين ليلة وضحاها وهى فى أبهى عصور علمها وفى أحدث مقدرات العلم والتكنولوجيا ووضعتنا جميعا بين شقى الرحى مابين الحصار وما بين الحظر وفشل العلم فى مواجهته وفشل البشر فى الالتزام وتساوى العالم والجاهل والقوى مع الضعيف وتساوت الدول المتقدمة مع النامية , ولم تشفع أسلحة العلم وتجلى لنا إنذار عودة من الله رسالة منه لها مدلولات كثيرة فلنتبع نهج الأولين ولنعد العدة بصبر وتحمل

وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم معصوما إلا أن الله عزوجل إبتلاه وما كان الله بعاجز أن يبيد قريش كما فعل بعاد وثمود ، وما إنتقى  الله الإنسان من بين خلقه ليعمر الأرض ويعلى تعاليمه فييبيده وينتقم منه وهو الضعيف الذى لا ملجأ ولا ملاذ له إلا الله وما كان ربك بمعذبهم وهم يستغفرون، فرسالته عزوجل كانت أمنا وسلاما ودروسا لكل زمان ومكان حتى قيام الساعة

فالكورونا نوع من الجهاد جهاد فى باطنه تعاليم الدين الإسلامى الذى يحثنا على النظافة وفى ظاهره وباء وإبتلاء سلاحه الإلتزام والتكامل وتضافر الجهود ولكم فى رسول الله أسوة حسنة  فى التحمل فى الحصار فى المقاطعة وفى أديان الله جميعا دروس كثيرة مهما بلغ العلم من تقدم وسباق ماهو الا تنفيذ لحكمة الله وأمره ,لم يضج المسلمون من الحصار وتحملو الجوع والحرمان ولم يفروا من التزام البيوت خوفا على دينهم ، لقد باعوا الدنيا رغبة وحرصا على الأخرة وتحول فكر القرية اللاهية الصاخبة المتعلقة بملذات الحياة إلى دولة حضارة وتاريخ وإقامة أمم ووصلت لمشارق الأرض ومغاربها منتصرة على كل ما واجهها من مصاعب أخطار،وأسس هؤلاء العرب عالم جديدا قوامه دين الله ووضع حضارة إستمدت منها الدول تقدمها ورقيها وأصبحوا دعائم للتقدم إستغلها الغرب فوصل الى أرقى درجات العلم والرقى ، رغم دقة التكنولوجيا وبراعتها فى كل شئ الا انها عجزت عن العبادة لقد وقفت حائرة عاجزة امام مناسك الاديان مشلولة ومكسورة اقصى ما تملكه أن تنقل إبتهالاتنا وأدعيتنا الى الله على صفحاتها وفى قنواتها لقدا بدأ الإسلام غريبا وعاد غريبا لقد أعادنا فيروس كرونا الى الجهاد لإعلاء كلمة الله ولكن الجهاد اليوم مع النفس لقد أظهر الله أمره وبقى علينا أن نظهر أمرنا وننقى نفوسنا ونتقرب الى البارئ نستغفره وندعوه وننحنى شكرا لكل نعمة فليكن كل بيت فينا بيت الارقم تخرج منه شرارة ضياء فيجتمع نورا للكون ، وحصار مكة ليس فى شعب ولكنه حصار للعالم فى علمه وحصار للنفس لتهذيبها وصبرها فلتكن بيوتنا ومؤسساتنا شعبة من شعب مكة لا تزيدنا إلا إصرارا وصمودا ونجاح

 فلا يهزم مقاتل ملأ قلبه الإيمان وإلتزم بكل المسببات فالنصر له حليفا مهما عظمت التحديات وإستشرت التحديات

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.