كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 10, 2020 - 306 Views

الشلوخ الأفريقى ثراث قيد الإندثار

Rate this item
(0 votes)

كتبت د. سهام عبد الباقى محمد 
           ا
لباحثة فى الأنثروبولوجيا الثقافية كلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة

كلمة شلخ فى اللغة هو اسم، ومصدره كلمة شَلَخَ ، وتعنى إحداث قطع بالشيء، ويقال شَلَخَه بالسيف أى قطعه بالسيف (1) وأما الشلوخ :  فهو جمع شلخ وهي خطوط وشطبات سطحية بالموس على الوجه بطوله أو بعرضه في شكل ثابت متفق عليه قبلياً وعندما يبرأ الجرح يبقى أثر الندب بالوجه، وهي منتشرة بين القبائل الأفريقية وقد كان الشلوخ الأفريقية من الأمور التى جذبت أنظار علماء الأنثروبولووجيا خلال القرنين السابع ،والثامن عشر الميلادي لدراسة دلالاتها المختلفة لدى أبناء المجتمعات الأفريقية .

الدلالة الإجتماعية للشلوخ :

يمثل الشلوخ  كتراث أفريقى قديم ثقافة كاملة لمفهوم القبلية في أفريقيا ويعتقد بأن هذه العادة مرتبطة بتاريخ الرق القديم إذ يعتبر الشلوخ  بعدم إمكانية إزالته بمثابة إثبات إنتماء حى لا يقبل خرقه بمعنى أنه إذا وقع أحد أفراد القبيلة في الأسر يتعرف عليه الآخرين فوراً ويهبون لنجدته وهو من علامات النسب والرجولة وعلامة مميزة لأفراد القبيلة تعبر عن اعتزازهم بإنتسابهم لقبيلتهم فهى تحمل معنى الفخار والإعتزاز لذا  وجب على كل فرد ينتمي إلى القبيلة أن يقوم به وإلا فقد انتمائة القبلي (2).

والشلوخ بمعناه الإجتماعي لدى قبائل أفريقيا الوسطى هو طقس العبور من الطفولة إلى الرشد ،والإنتماء إلى جماعة. وتتمحور تلك الممارسة فى إخراج الدّم من الجسد فأفراد القبيلة يشعرون براحة روحية حينما يشاهدون الدماء، لأنها رمز الروح والطاقة الحيوية، وتتم العملية دون استعمال مواد مخدّرة تسكن تلك الآلام، فالألم هو الغاية المنشودة التي تتحوّل في لحظة معيّنة إلى لذّة الإنتصار على هذا الألم، والنشوة بإظهار الشجاعة والقوّة والرجولة أمام الآخر وخاصة الجنس المقابل. كما اتخذ الشلوخ لدى قبيلة النوير، المستقرة في ولايات أعالي النيل، شكل العادات والتقاليد، يتوج بها المراهقون في مرحلة الشباب، ويتم الشلخ على شكل خطوط على الجبهة، تصل إلى 6 أو 7 خطوط  واقتلاع 6 من أسنانهم ويتم الشلخ في مجموعات، ويتم عزل المشلخين ويمنعون من  الذهاب للمراعي، إلى أن تقيم القبيلة لهم إحتفالاً، لإعلان إنضمامهم إلى أفرادها(3). وبعد مرور شهر على عملية التشليخ، تعد ألأسر الذبائح، ولا يسمح لهم بالإقتراب من مجتمعهم إلى أن يغتسلوا في البحر، وبعدها يمارسون حياتهم العادية، وتهدى لهم أثناء الإحتفال الأدوات الحربية القديمة،باعتبارهم المحاربين الجدد للقبيلة، كما ينالون إعجاب الفتيات. وتتم عملية الشلوخ عادة للرجال في سن مبكرة، وتؤخر عند الإناث، حتى يبلغن العاشرة من العمر، حيث تقام طقوس إحتفالية لهذه المناسبة، بعدها يعتبر الخاضعون لتلك العملية القاسية والمؤلمة - التي تستخدم فيها آلآت حادة كالموس، والسكين، قد انتقلوا من طور الصبا إلى مرحلة الرجولة، وتكون البنت قد أصبحت فتاة مؤهلة للزواج، وإنجاب أبناء، ورغم أن عملية الشلخ تخضع لمراحل قاسية، فإن الفتيات يتحملنها بجلد وصبر شديدين، ويترقبن مراسمها وطقوسها بفرحة عارمة، حيث تقوم إمرأة متخصصة تلقب ب( الشلاخة) وبمعونة نساء قويات البنية متخصصات، بالإمساك بأذرع الفتيات، لمنعهن من المقاومة لحين انتهاء العملية.ثم يقمن بحشو القطن المبلل بالقطران في الجرح، ما يفاقم الألم ويزيده، فتصاب الفتاة بحمى شديدة، وتظل لأسابيع عدة تعاني الآلآم المبرحة، من تورم واحمرار على الخدين، وتعتبر ذات الشلوخ العريضة قديماً  هى الأكثر جاذبية وجمالاً.(4)

كما كان الشلوخ فى السودان يجرى للفتاة للدخول إلى مرحلة النضج وفقاً للمعايير الإجتماعية السائدة بالمجتمع قديماً وهي جروح طولية وعرضية ترسم على جانبي الوجه أو على الصدغ. ويختلف شكل الشلوخ بالسودان من قبيلة لآخرى،فيما توجد نفس هذه الشلوخ في جنوب السودان لكنها توضع في الغالب في الجبهة. فهيئة الندوب تختلف من مجموعة قبلية إلى أخرى وهي سمة مهمة تميز العرق العربي عن سواه من الأعراق السودانية المتنوعة كالزنوج والنوبيين، وآخرين ممن نزحوا إلى السودان خلال القرن التاسع عشر كالمصريين وغيرهم، ومعظم القبائل ومنهم الجعليين والشايقية يعتمدون عادة شلخ الوجه، وتنفرد قبيلة الشايقية بشلخ خاص بها، وهو عبارة عن ثلاثة خطوط أفقية  أو رأسية متوازية يمتد أوسطها من عند الفم حتى أقصى الخد(5). ولقد أكد علماء الأنثروبولوجيا، ودارسي الأجناس البشرية أنه وجدت علامات مشابهة على وجوه الأفارقة في الفن المصري القديم منذ القرن الرابع عشر قبل الميلادي. وبالعودة إلى الفنون القديمة من صور ومنحوتات أثرية فإن أعمال منحوتات نادرة تعود إلى الفترة المرَّوية أظهرت العديد من الشلوخ على الجبهة، مثل شلوخ القبائل النيلية في رسوم في بيت في الأقصر وفي وسط المصارعين في مدينة حام(6).

 الفائدة العلاجية والتجميلية للشلوخ :

كان يعتقد قبل انتشار الطب الحديث أن تلك العادات البدائية منتشرة لأغراض طبية وتجميلية فكان القدماء يعتقدون أن تلك الندوب تحمي من أمراض العيون، والصداع وأمراض الرأس كما تساهم في إستخراج الأورام، حيث أن الندب يخرج كل السموم الداخلية الموجودة في جسم الإنسان. كما أن الشلوخ قد اعتبرت وسيلة للتخلص من بعض أنواع السحر والحسـد ، مثل الطفل الذي يولد بعد عدد من الأطفال ماتوا في صغرهم ، وعندها قد يغير والده شلخه القبلي التقليدي إلى شلخ قبيلة أخرى إعتقـاداً منهم أنهم يضللون ملك الموت ومن ثم ينجو الطفل ويعيش، وكذلك يفعلون إذا ولد طفل بعد موت والده مباشرة اعتقاداً منهم أن ذلك يساعد على عدم تعرف روح أبيه عليه، ومن ثم لا يختطفه الموت أو حتى لا تحلق روح الميت فوق الطفل، وقد يوضع الشلخ للحماية من الحسد وإن لم يكن هذا التقليد واسع الإنتشار. كما كان الشلوخ لدى قبائل الأزاندي التي تقيم في المنطقة الشمالية الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وشمال شرق جمهورية إفريقيا الوسطى، بمثابة طقس يحصلون بموجبه على راحة نفسية وروحية، ويرتبط في الأساس بمعتقد إكتساب قوى سحرية، وبقدر ما تكون طاقة الفرد على تحمل الآلام الحادة كبيرة، بقدر مايكتسب قوى سحرية روحانية، تمكّنه من السيطرة على الآخر(7). كما يعد شلخ المرأة رمزاً للجمال والفتنة والأنوثة وكانوا يعبرون عن ذلك بقولهم إن الشلخ يجعل الفتاة سمحة أي جميلة وقد مجدّ الشعراء هذه العادة، وصوروا «الفتاة المشلخة» في أبهى صور الجمال، كما أسهم فن الغناء في السودان في إنتشار تلك العادة، بالتغني والتغزل في الخدود المشلخة، مثل الشاعر السوداني المعروف عبدالرحمن الريح في أغنيته «أنت حياتي»،حينما كتب: «ماشوهوك بفصادة ،علي الخدود السادة طبيعي خلقة ربك ما دايرة زيادة ، مع لونك الأسمر ورد الخدود محمر،لا بودرة لا أحمر(8). وقد أصبح الشلوخ حاليا أحد الممارسات التى يرفضها جيل الأبناء لذا أصبحت فى طريقها للاندثار، بسبب إنتشار الوعي الصحي بأضرارها وزيادة نسبة التعليم، وتغلغل القيم الحضرية، إضافة إلى ما صدر من قانون يحظر الإتيان بها لدى الأطفال.وكانت قبائل عدة في جنوب السودان، مثل قبائل دينكا، والنوير، والمندري، والزند، واللوتوهو، وقبائل كثيرة أخرى، تمارس طقوساً تقليدية مختلفة تتعلق بالتكريس والإنتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، من ضمنها ممارسة التشليخ، وأضحت الآن لا وجود لها إلا فى وجوه جيل الأجداد.

 الهوامش

1-المعجم الوسيطhttps://www.almaany.com/ar/dict/ar-

2- الشمس ( تاريخ النشر 19/فبراير/2019)

https://www.facebook.com/1702428996647211/posts/2327777200/

  1. 3. الشمس، موقع اليكترونى سبق ذكره.

4.تراث وعادات سودانية (تاريخ النشر10/نوفمبر/2015).

 https://www.facebook.com/183154288393638/posts/99873125350260.

  1. مروة كريديه :.شلخ الوجه فى السودان سمة تميز الاعراق والقبائل(تاريخ الاطلاع/ 16/7/2008)

http:p://marwa_kreidieh.elaphblog.comPosts.aspx?U=86&A=1476

  1. سهام عبد الباقى محمد: ثقافة الصحة والمرض بمجتمع الشايقية بشمال السودان، دراسة ميدانية فى الأنثروبولوجيا الثقافية، قسم الأنثروبولوجيا، كلية الدراسات الأفريقية العليا، جامعة القاهرة، 2018، ص56.
  2. الوشم والشلخ فى عقائد العامة:اسلام ويب(تاريخ النشر1/1/2002)

https://www.islamweb.net/media/print.php?id=11217

  1. ناجية برداع: الشلوخ بوتكس سودانى أفريقي للجمال والشجاعة (تاريخ النشر30/11/2016)

https://www.emaratalyoum.com/life/four-sides/2016-11-30-1.949930

9. التشليخ عادة قبلية فى جنوب السودان مارسها الأجداد ورفضها الأبناء(تاريخ الاطلاع 27/مارس/2014).

https://www.alquds.co.uk.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.