كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 08, 2021 - 71 Views

القانون والآثار

Rate this item
(0 votes)

بقلم د. محمد عطية  

مدرس بقسم الترميم - كلية الآثار- جامعة القاهرة

 مصر اثري ذاكرة تاريخية في العالم واكثر دول العالم قاطبة من حيث عراقة تراثها المادي وبالأخص الثقافي منه , بحيث يجد القارئ انه لا يخلو شبرا في مصر من اثر , فمصر من حيث تعداد تراثها الثقافي فهي اكثر دول العالم حيازة له , ومن حيث الدلالة القوية والقيمة الحضارية لتراثنا فهو بحق لا يضاهي .

لذا جاء القانون 117 لسنة 1983 المعمول به حاليا  وكافة تعديلاته حتي تعديله الاخير في 2020   والتشريعات التي سبقت القانون المعمول به حاليا وهي قانون 14 لسنة 1912 و قانون رقم 8 لسنة وقانون رقم 215لسنة 19511918 وقانون رقم 22 لسنة 1953 وقانون رقم 184 لسنة 1956و قانون رقم 8 لسنة 1964و قرار رئيس الجمهورية رقم 1443 لسنة 1966و قرار رئيس الجمهورية رقم 2828 لسنة 1971, وكل  التشريعات السالف ذكرها اضافة الي التشريع المعمول به حاليا

حاولت رسم الخطوط العامة لتنظيم العمل بمرفق الاثار والتعامل مع الاثار بوصفها مرفقا عاما يدير ثروة قومية تعتبر من مقومات الشخصية المصرية كما نص الدستور المصري 2014, والغرض الرئيسي من ادارة مرفق الاثار هو الحفاظ علي ما هو قائم من اثارنا وانماؤه واستثماره بما يعود بالنفع علي بلدنا الحبيب من كافة الاوجه وخاصة الاجتماعية والتربوية والمادية  لبناء الشخصية الوطنية المصرية علي اسس قوية .

الا ان الواقع العملي اثبت قصورا في اداء التشريعات الحامية للأثار وهذا سمت أي عمل انساني ولا يقدح ذلك في وجود اوجه قوة في تلك التشريعات. سواء القانون المعمول به حاليا او القوانين السابقة عليه .

لأسباب عدة من اهمها مبدأ اقليمية القانون العام  الذي يكبل تطبيق القانون المصري (القانون 117 لسنة 1983) لاعتباره من التشريعات الجنائية الخاصة وبالتالي ينتمي لفرع القانون العام  . وذلك علي المستوي الدولي او في حالة ارتكاب جرائم علي الاثار يكن شريكا فيها عنصر غير وطني .

ومن أوجه القصور ايضا تداخل عدة قوانين في نطاق عمل قانون حماية الاثار والتي يجب التوفيق في ما بينها ومنها قانون البناء الموحد 2008 وقانون المناجم والمحاجر لسنة 2002 وقانون الملكية الفكرية لسنة 2002  وغيرها من القوانين .

ومن اوجه الخلل ايضا وجود الاتفاقيات الدولية والمواثيق المنظمة للعمل التراثي , مثل منع الاتجار غير المشروع  والحفاظ والصيانة للتراث الثقافي وكيفية تناول التراث الثقافي في اوقات النزاعات المسلحة . وحفظ التراث الثقافي المغمور بالماء والحفاظ علي الاصالة بشكل عام . والخلل هنا انه يجب ان تواكب التشريعات الداخلية  الافكار التي تتبناها الاتفاقات والمواثيق الدولية بما يلائم الحالة المصرية ويحفظ حق مصر في تراثها واستثماره.

ولا يفوتنا هنا ان ننوه علي ان موضوعات القانون (القانون 117 لسنة 1983) المعني بالحفاظ علي تراثنا هي موضوعات يحكمها في المجمل الافكار التالية .:

  • الحماية الادارية
  • الحماية المدنية
  • الحماية الجنائية
  • الاستثمار

والافكار السابقة التي يتناولها القانون ليست كافية لإتمام فكرة الحفاظ علي اثارنا المصرية  حيث  ان هناك من الافكار التي تم اغفالها نظرا للتطور المطرد في الفكر العالمي من ناحية التراث ومنها علي سبيل المثال الملكية الفكرية التراثية وحقوق الانسان والتراث وهي من الافكار التي تساعد الدول التي يتم التعدي علي اثارها بأنواع مختلفة من التجاوز والجرائم  علي توفير حماية اكبر لعناصر التراث الثقافي الخاصة بها .

بالعودة قليلا الي الافكار السابقة التي يتناولها القانون (القانون 117 لسنة 1983) نجد انه اثناء التطبيق لمواد القانون يجافي التوفيق المشرع  في هدفه وهو الحفاظ علي الاثر ومن امثلة ذلك علي سبيل المثال وليس الحصر اذا تطرقنا لشكل من اشكال الحماية الادارية وهي قرارات رئيس مجلس الوزراء بتحديد حرم الاثر وخطوط تجميل الاثار نجد انها من ظاهر النص الخاص بتلك القرارات انها تصنع اطارا مكانيا يحيط بالأثر ويمنع التعدي عليه وهذا امر صائب الا انه عند التفكير بمفهوم  المخالفة ومفاده ان أي ارضي خارج مثل هذه النطاقات سيكون مباحا فيها مثلا التنقيب والحفر خلسة ولذا سنفاجأ مثلا بحكم محكمة النقض  1827 لسنة 80 القضائية  الصادر في 14 ابريل 2014 والذي كان حكما ببراءة متهمون بالحفر خلسة عن الاثار وتأسس الحكم بان الركن المادي لجريمة الحفر خلسة لم يتحقق لان الارض التي تم بها الحفر طبقا لقانون حماية الاثار والقرارات المكملة له ليست ارضا مملوكة للدولة أي انها خارج نطاقات وحرم الاثر .

وهنا يتضح العوار القانوني وقصور القانون والقرارات المكملة له في توفير الحماية اللازمة للأثار.

ومن امثلة القصور القانوني ايضا في توفير الحماية المدنية عدم التفصيل والنص صراحة علي التامين علي المعروضات الاثرية سواء المعروضة داخل البلاد او في المعارض الخارجية وهنا يطول الحديث كثيرا عن المعوقات التي تمنع الاستفادة من التامين من قبل شركات التامين في ظل وجود وثيقة تامين علي المعروضات الاثرية حتي وان كانت وثيقة تامين مناسبة حيث ان هناك بعض القوانين التي تستغل من قبل شركات التامين للإفلات من دفع القيمة التأمينية علي المعروضات الاثرية ومن امثلة القوانين التي تعيق الاستفادة من وثائق التامين قانون مكافحة الارهاب  94 لسنة 2015   وقانون الكيانات الارهابية  8 لسنة 2015

ومن امثلة القصور في الحماية الجنائية الاصطدام بمبدأ اقليمية القانون العام  السابق الاشارة اليه , اضافة الي ان فلسفة التعديلات التي جرت علي سبيل المثال في العام المنصرم 2020 كان معنية بتغليظ بعض العقوبات سواء الحبس او الغرامات والتي تؤكد علي ان القانون من التشريعات الجنائية التي تعتبر احد فروع القانون العام . أي ان كل هذه التعديلات تعتبر في النهاية ليست من قبيل الحل لبعض المشكلات بل تعتبر داعمة لاستمرار مشاكل من نوعية محاكمة الاجنبي او تنفيذ حكم قضائي عليه .

اما بخصوص الاستثمار في التراث الثقافي فقد تناول فكرة الاستثمار في الاثار قرار رئيس الوزراء 1201 لسنة 2001  بإنشاء الشركة القابضة للاستثمار في مجال الاثار  ونشر الثقافة الاثرية  الا ان التنفيذ العملي لأهداف تلك الشركة المنشأة بالقرار السابق لم يتجسد علي ارض الواقع الي الان بالشكل الملائم المتناسب مع الثقل الحضاري لمصر .

ومن نافلة القول الاشارة الي مدي توافق القانون المصري وتماشيه مع الاتفاقات الدولية والمواثيق المعنية بالتراث  ومن اهمها اتفاقية لاهاي لعام 1954 م و اتفاقية اليونسكو بشان الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد و نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة  باريس  1970 و اتفاقية اليونسكو بشان  حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي بباريس 1972 و اتفاقية اليونسكو  لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه 2001 و الاتفاقية الدولية لاسترجاع الممتلكات الثقافيّة المسروقة.1995 و ميثاق أثينا للحفاظ على المعالم التاريخيّة1931و ميثاق اثينا لحماية الاثار وصيانتها  1933 و ميثاق البندقية 1964و ميثاق واشنطن للحفاظ علي المدن والمناطق التاريخية 1987 و الميثاق الدولي لإدارة التُّرَاث الأثري لوزان 1990 .

وهذا التوافق هو الذي يضمن لمصر حقها في منع العديد من الجرائم الواقعة علي التراث الثقافي ويضمن سهولة استرجاع الاثار التي خرجت بطرق غير مشروعة  اضافة الي وضع سياق قانوني يسهل من عملية ادارة التراث الثقافي بما يحقق غايات كثيرة من حسن ادارة التراث الثقافي .

اضافة الي بعض الاتفاقيات التي لا تمت بصلة مباشرة بالعمل الاثري الا ان لها من ضراوة التأثير علي نسب الجريمة الاثرية ما ليس لغيرها من الاتفاقيات واهم هذه الاتفاقيات اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية   عام 1961 حيث انه باستقراء بعض الجرائم الواقعة علي الاثار نجد ان مثل هذه الجرائم يمكن تلافيها من خلال بعض التعديل علي اتفاقية فينا للتمثيل الدبلوماسي .

من الاستقراء السابق علي الرغم من اقتضابه وبساطته الا انه يبرز دور القانون في تناوله للعمل الاثري والاثار ومدي كثرة تفاصيله علي المستوي الداخلي والدولي والذي بدوره يضع علي عاتق الباحثين في المجال القانوني المتعلق بالتراث ان يأخذوا بالنظرة القانونية الشمولية علي المستويين الداخلي والخارجي اضافة الي فهم الواقع المصري ومدي تأثير مصر علي المستوي الدولي من خلال هيراركية الدول .

وللوصول الي تلك النظرة الشمولية الواقعية ستتطلب بعض المعارف في التخصصات التالية .

  • فهم فروع القانون العام والخاص وامكانية تطبيق كل منها في حالة النزاع علي عناصر التراث الثقافي الذي يأخذ الصفة الدولية أي وجود عنصر اجنبي في النزاع
  • التركيز علي دراسة القانون الدولي الخاص
  • التركيز علي دراسة القانون الدولي
  • فهم طبيعة التداخل بين القوانين علي المستوي الداخلي وعدم اصطدامها مع الاتفاقيات والمواثيق علي المستوي الدولي
  • دراسة المفاوضات الدولية والطرق الودية لتسوية المنازعات مثل الوساطة .
  • المعرفة الفنية بماهية التراث بمعني التخصص في احد فروع علم الاثار

وفي نهاية مقالي يجب ان نميط اللثام عن اهم المحاور التي ينبغي تناول موضوعاتها بشيء من التفصيل والتي نرجو ان تسهم بنشر ثقافة قانونية تراثية تخلق وعيا عند عموم المشتغلين بالعمل الاثري مما يفيد في تطبيق القانون وتبيان اوجه القصور التي ينبغي تلافيها للوصول الي حماية حقيقية لتراثنا علي المستوي الداخلي والدولي . وهذه المحاور كالتالي .

اولا: محور الحماية المدنية

ثانيا : محور الحماية الجنائية

ثالثا : محمور الحماية الادارية

رابعا : محور الاستثمار

خامسا : الجوانب القانونية في ادارة التراث الثقافي

سادسا : موضوعات مستجدة علي المستوي الدولي  مثال ذلك الشعوب الاصلية وحقوقها التراثية

وختاما :

اود ان اكون عصفت بأذهان القراء لأضع امامهم صورة معبرة عن مدي عمق وتشعب التناول القانوني للتراث  وبالأخص التراث الثقافي علي المستوي الوطني والدولي  والكثير من الاشكاليات التي تكتنف هذا التناول القانوني من قصور في بعض الاحيان وغياب تشريعي في احيان اخري وتعارض بين القوانين الوطنية احيانا وتعارض بين القانون  الوطني والاتفاقيات والمواثيق احيانا اخري وغل يد القانون الوطني بسبب بعض الاتفاقيات مثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية   عام 1961.

وبالتالي سيتم تناول المحاور السابقة بعدد من المقالات في كل محور علي حدة لنفند اوجه القوه والقصور والحلول التي من الممكن ان تحيل الواقع الحالي لحفظ التراث الثقافي الي واقع افضل .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.