كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 03, 2019 - 278 Views

الطب البيطري في مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

كتبت - د. هناء سعد الطنطاوي

مفتش أثار

لم تبدأ قصة الطب البيطري من مدينة ليون بفرنسا، ولم تبدأ في مصر في عهد محمد علي باشا، وإنما تعود قصة الطب البيطري إلى قصة التاريخ نفسه، إلى أول تعاون بين الإنسان والحيوان، فالظاهر أن الإنسان هو الذي استأنس الحيوان. ولكن الحقيقة أن الحيوان هو الذي استئنأس الإنسان فهو الذي استمال قلبه. فمعلم الإنسان هو الحيوان.

فالغراب من علم الإنسان الدفن (الستر) وهي قدسية الجسد البشري صنع يد الله.

والقرود كانت تضغط على مكان الجرح لإيقاف النزيف. فتعلم منها إيقاف النزيف

كذلك فرس النهر بعد أن يأكل وتمتلئ معدته بالطعام إلى حد التخمة يلجأ إلى أعواد البوص القصيرة الحادة، ويضغط عليها ببطنه حتى ينزف الأمر الذي يخفف من احتقان الأوردة لديه، ثم يعمد إلى التربة الطينية من الحجر الجيري فيحك بها بطنه ليضمد ويسد أماكن النزيف، فتعلم منه فصد الدم (الحجامة).

كما لاحظ في أبومنجل استخدام منقاره ليخفف من عسر أمعائه فاكتشف الحقنة الشرجية.

كذلك الأفيال تعالج مغصها بأكل التربة المالحة. 

كما لاحظ نزول الحيوان الماء وهو محموم لتبريد الجسم المحموم بالماء، وتدفئه المفاصل بالتعرض للشمس، لعق الحيوان للقرح، فعلم أن باللعاب مضادات تساعد على إلتئام الجروح، تمرغ الحيوان في التراب للتخلص من الحشرات التي تؤذيه، ونحن نقوم بإنتقاء القمل من الرأس.

كما كان الإنسان عندما يحاول صيد الفهود، يقوم بدهن قطعة من اللحم بنبات سام يدعى  (البيش)، فإذا ما ابتلع الفهد هذا الطعم سبب إلتهاب وإحتقان في زوره، ولكن الحيوان بغريزته يعرف علاج السم، وإن كان مقززًا، وهي تناول فضلات الإنسان. وظل استخدم بول وبراز الإنسان كنوع من الوصفات العلاجية في طب الحيوان، حتى أنه جاء في وصف طبيب بيطري مشهور يدعى (بريسي كلارك)، في أوائل القرن التاسع عشر (أنه كان يستخدم بول وبراز الإنسان في كعلاج للحيوان المريض خاصة الخيول، معقبًا (إنه عار كبير أن تعرف المخلوقات ما هو صالح ومفيد لها، ويظل الإنسان جاهلا). فما يجمع بين طب الإنسان والحيوان هو الغريزة (غريزة الشفاء).

لذا يمكن القول بأن العلوم الطبية قد نشأت من الطب البيطري، فإذا كان الإنسان الأول هو طبيب نفسه، فبالمثل كل حيوان أيضًا هو الطبيب البيطري لنفسه. فممارسة الطب هي من أصل حيواني.

فممارسة مهنة البيطرة تتطلب معرفة جيدة بالتشريح حتى يقول أحد البيطريين (الأحمق: الذي لا يعرف أجزاء جسم الحيوان بالتفصيل، لا يعرف علامات الصحة  أو المرض عنده، وبالتالي لا يعرف علاج أمراضه). وهناك منظر على جدران معبد "أبيدوس" مركز البلينا فى الصعيد يمثل أحد الأطباء البيطريين وهى يلقى على الطلبة درساً فى تشريح البقرة، وقد ظهرت الأحشاء الداخلية مرسومة بالألوان. ومما يدل على معرفة المصري القديم بتشريح الحيوان وأجزاؤه الداخلية المناظر التي تصوره وهو يطعن الحيوان المفترس في القلب ضربة لا تخطيء ليقضي عليه. 

وجميع المناظر المصرية القديمة تدل على مدى رقي المصري القديم في التعامل مع حيواناته، تك الحيوانات التي قدسها ولم يعبدها، المصري القديم عبد الله في مخلوقات الله فقدس القوى الكامنة بها، فرأي منها الحيوانات الأليفة فرجى خيرها، ومنها الغير أليفة فأراد أن يتقى شرها، وجمع في تخيله لشكل معبوده ما بين الهيئة الآدمية والحيوانية لأنه آمن أن الإله لابد أن تجتمع فيه كل صفات الكمال من قوة ورحمة وعقل وحكمة إلخ.

نعت الملك نفسه بأسماء حيوانية مثل الثور القوي، لأنه رأي في الثور القوة الجسدية والجنسية. ومن مسميات الكلب ال (nb) وتعني السيد، وكان الملك أيضًا nb لأن الملك أراد لنفسه سرعة الكلب، ويقظته، وحاسة شمه القوية في التعرف على أعدائه. 

فتقديس الحيوان كناية عن معرفة قيمته، فمن ضمن الذنوب التي كان المصري القديم ينفيها عن نفسه يوم الحساب أنا لم أعذب أو أضرب حيوان. لأنه تخيل أنه سيسأل هل آذيت حيوانا أو عذبته؟

 وإن لم يكن لقدسيته فلأنه كانت هناك قوانين صارمة للتعامل مع الحيوان، وإن لم تكن هناك قوانين صارمة، كان اهتمامه بالحيوان اهتمام نفعي، فهو ثروته ومصدر دخله وطعامه، وإن لم يكن كذلك فربما أن المصري القديم علم أن سلامة الحيوان من سلامة الإنسان. فإن لم يكن لأسباب نفعية له، فعلى الأقل لأسباب صحية.

وما يؤكد مستوى علم البيطرة في مصر القديمة بردية كاهون للطب البيطري التي تذكر أعراض المرض للحيوان مثل (اللثة (جذور أسنانه) ملتهبة، ورقبته متورمة (منتفخة، مرتفعة)"، (اربط عينيه بالكتان الفاخر المسخن على النار، عيناه تفرزان"، و"قلبه مضطرب"، عدم القدرة على السير . ومناظر مقابر  (تي، وكاجمني، وبني حسن وغيرها) والتي تبين طريقة علاج الشلبان (بثور في فم الحيوان تعوقه عن الطعام)، وطريقة علاجها، كذلك مناظر التزاوج وتناطح الثيران من أجل إختيار الثور القوي للتزاوج لإنتاج سلالة قوية، ومناظر الولادة للبقر والطبيب يربت عليها وينعتها بأجمل الصفات مثل (nfrt الجميلة، wrt العظيمة، وغيرها)، وكيف أنه يوضح معاناة البقرة أثناء الولادة، ومناظر الفطام. وعلاج جلد الحيوان المصاب بالجرب بدهان مكون من الكبريت والقار والنطرون، وقد استعار اليونانيون والرومان والعرب طريقة العلاج هذه ولا زالت تستخدم حتى اليوم.

كما أن غسيل الحيوان بالماء كان أحد الطرق المساعدة فى العلاج، ويذكر ماسبيرو Maspero أن الثيران كانت تغسل مرة كل يوم على أقل تقدير عند الظهيرة. وكانت حوافر الحيوان تنظف بواسطة فرجون كان يصنع فى عهد الدولة القديمة من ليف النخيل، كما اهتموا بتغطية أجساد الحيوانات ببعض الأردية سواء للوقاية من وهج الشمس أو برد الشتاء أو للزينة. كذلك استخدم الغناء والموسيقى للحيوان، خاصة أثناء الحلب، وقد أثبت ذلك في أمريكا، فأثبتوا أن الغناء والموسيقى تعطى حوالى 15% من اللبن زيادة على انتاجها الطبيعي. كذلك مناظر الذبح بإشراف الطبيب البيطري وذلك لفحص الحيوانات المقدمة للتضحية، والإشراف على ذبحها للتأكد من طهارة اللحم وخلوه من الأمراض بعد الذبح. وكل هذا على سبيل المثال وليس الحصر. فلكل مدعي أكذوبة أن الحضارة المصرية بنيت بالسوط والعبودية والسخرة، كيف من يملك قلبًا كهذا مع الحيوان، كيف يكون بهذه القسوة مع الإنسان.

كيف تسقط الضمير، وتحل محله الكرباج؟

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.