كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 05, 2019 - 201 Views

المضادات الحيوية في مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

د. هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة الآثار

قيل أن الطب كان معروفًا فأوجده أبقراط، وكان ميتًا فأحياه جالينوس، وكان مشتتًا فجمعه الرازي، وكان ناقصًا فأكمله ابن سينا، وأنا أضيف أن من أوجده وعرفه وقدمه للعالم هو المصري القديم.

قدر المصري القديم قيمة الحياة، وكان الدعاء بالصحة والعافية ملازمة لأقواله في جميع النصوص على جدران المعابد مثل (فليحيا سليم معافى، وله الصحة والإزدهار، وغيرها) فهي تقابل اليوم بالعامية (الله يعطيك الصحة والعافية)، فحاول الحفاظ على الجسد حيًا بالعلاج وميتًا بالتحنيط. بل إن المصري القديم لم تتوقف حياته عند الموت، بل اعتقد أنه يوجد تناسل بين الأحياء والأموات ( مثلما حدث في قصة إيسه وأوسير)، وهذا يعني مدى حب المصرى القديم للحياة، لذا برع في الطب وطرق علاج الأمراض، ولاشك أن السر وراء هذا التقدم هو قدسيته واحترامه للبشر، لأن الحضارة المصرية قامت على أيدي العمال المصريين القدماء، وليس بإيدى ملوك وأمراء، فأدرك المصري القديم هذا، فأولى عنايته بشعبه التي قامت على كتفه تلك الحضارة.

ولا شك أن مفهوم الطب عند المصري القديم هو الكشف عن الأمراض، ومعرفة حقيقة المرض، وبالتالى سعي جاهدا للبحث عن العلاج، حاول استخلاص عقاقيره من بيئته، فاستخلص عقاقيره من النباتات والحيوانات والمعادن، وهى مواد عضوية، إن لم تنفع فهى لم تضر، لأنها لا تحتوى على آثار جانبية مثل أدويتنا حاليًا عبارة عن كيماويات وبالتالى لها آثار جانبية. إضف إلى ذلك أنها خالية من السموم، لأن مفهوم الدواء في علم الصيدلة الحديث هو السم الذي به قليل من المنافع.  كما عرف المصري القديم تأثير الغذاء في الشفاء أو بمعني أدق الفيتامينات (لم يحدد المصري القديم اسمًا للفيتامينات كما نفهمها اليوم، لكنه أدرك فوائدها في علاج الأمراض).  فيقول أبو بكر الرازي "جالينوس العرب" (إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة)، وهذا ما فعله المصري القديم. 

بل إن عقاقير المصري القديم تدل على دراسته لعلم النبات لأن العلم الحديث أثبت أن المصري القديم استخدم نباتات سامة وهذا يشير أنه علم بطريقة ما ابطال السم فى هذا النبات واستخدامه طبيًا، وبالتالى علمنا المصري القديم أنه لا يوجد ما يسمى نباتات غير طبية، ولكن توجد نباتات لم تستعمل طبيًا.

فتوصل المصري القديم إلى علاج كثير من الأمراض المعروفة عن طريق معرفة المرض وتشخيصه، ومن ثم وصف الدواء المناسب له من عقاقير مختلفة ووصفات علاجية متنوعة مازالت مستخدمة في طب الأعشاب الحديث. وتعد البرديات الطبية القديمة بمثابة مجموعة من الوصفات العلاجية يستعين بها الطبيب في علاج الأمراض، حيث تناولت البرديات علاج كل حالة بشيء من الدقة والنظام.  والتي تدل على براعة المصري القديم في معرفته بكافة الأمراض آنذاك وطرق علاجها، فقد وضع الطبيب المصري القديم اللبنة الأولى لإرساء علوم الطب في العالم.

وقد ثبت بعد إجراء دراسة معملية وصيدلية لبعض الوصفات العلاجية المذكورة بالبرديات الطبية أنها كانت تستخدم بنجاح نظرًا لتجانس مكوناتها بدرجة واضحة، حيث أجريت الدارسة بعض التجارب المعملية على مكونات بعض الوصفات منها وصفة بردية هيرست رقم 203، ووصفة بردية إيبرس رقم 32، ووصفة بردية إدوين سميث رقم 21، لمعرفة مدى تجانس المواد الداخلة في مكونات الوصفة من الناحية الصيدلية، وقد وجدت أن موادها تعطي سائلًا متجانسًا، ولا تحوي أي مواد مترسبة مما يجعلها صالحة للاستعمال الطبي حتى زمننا الحاضر، وهو ما يثبت أن هذه الوصفات كانت صحيحة علميًّا وليست لغوًا فارغًا وخزعبلات قديمة.

 وأهم ما توصل إليه المصريون القدماء هو معرفة المضادات الحيوية سواء العضوية أو الغير العضوية.   وكلمة مضاد حيوي تعني (مادة يفرزها كائن ميكروسكوبي تقضي على حياة كائن ميكروسكوبي آخر أو تعيق نشاطه).  فالمضادات الحيوية العضوية تمثلت في العفن الذي ينمو على اللحوم، كما ورد في وصفة بردية إيبرس 330، فعندما نترك أي مادة بروتينية لتتعفن في الهواء تتكون عليها طبقة من الفطريات التي تتغذى على هذا الوسط المغذي، فتقوم طبقة الفطريات هذه بقتل الجراثيم المسببة للمرض.  كذلك استخدم خبز الشعير العفن فوق الجروح فتندمل وتشفى كما ذكر في وصفة بردية إيبرس رقم 766، وهذا ما اكتشفه العالم ألكسندر فلمنج عام 1928، عندما كان يستنبت نوعًا من الميكروب العنقودي على مزرعة من الأجسار في طبق من زجاج، تلوثت المزرعة بنبت فطري أخذ ينمو إلى جوار الميكروبات العنقودية، وقد أثر فيها وجعلها تتحلل وتتلاشى من حوله.  واكتشف أن هذا العفن هو عفن (البنسليوم أو الرمامة) فطر البنسلين.  كذلك استخدم المصريون القدماء خميرة البيرة لعلاج الأمراض المعوية، وأمراض الجلد فهي تحتوي على فيتامين (ب2) ولها مزايا المضادات الحيوية ضد المكورات العنقودية (وصفة بردية برلين رقم 14).  

كذلك التربة (الطين) وماء البرك الآسن كما في وصفات بردية ايبرس أرقام 831، 786، 576، حيث كانوا يضعون قماشًا مبللًا بماء البرك على الجروح فتشفى لأن بها مضادات حيوية قوية، كذلك كون استخدام المصري القديم للطين في العلاج هو معرفته أن الميكروبات المرضية لا يمكنها أن تعيش طويلا في التربة الطبيعية العادية، وذلك لما تحتاجه من مقومات طبيعية وكيماوية كالرطوبة ودرجة الحرارة والتغذية وغيرها.  وبالتالي تكوين مواد مضادة للحيوية بواسطة ميكروبات أخرى تتعارض معها، وهذا يعني أن الميكروبات الغير مرضية قد تنشط في حالة وجود الميكروبات المرضية.  وهذا ما أثبته العلم الحديث وتوصلت إليه أبحاث العلماء وانتهت باكتشاف مادة الجراميسدين وهي مادة مضادة حيوية تنتجها الكائنات الطبيعية الموجود في التربة (العصيات القصيرة).  ومن هنا ثبت علميًا أن التربة رغم أنها مستودع للأمراض إلا أنها قد تكون أيضًا مصدرًا هامًا للمواد العلاجية الكيماوية المضادة (فيها الداء والدواء في نفس الوقت). 

كذلك استخدم المصريون القدماء العسل الأبيض كمضاد حيوي في علاج الجروح والتقيحات والإلتهابات حيث أنه يتضمن خصائص لامتصاص الرطوبة، وله قوة مطهرة لما يحتويه على بروكسيد الهيدروجين مما يحمي من إصابة القروح بالعدوى، فهو قاتل للبكتيريا ومضاد للطفيليات التي تسبب المرض دون أن يسيئ إلى الأغشية السليمة وذلك بسبب التأثير المتجانس لتركيز المواد السكرية به.  وقد نصحت هيئة الصحة العالمية WHO، باستخدام العسل في علاج إسهال الأطفال، وفي علاج مرضي إلتهابات مجرى البول.  وقد أثبتت البحوث العلمية التي أجريت بجامعة كورنيل بأمريكا وجود الهيدروجين الثقيل (ديوتيريوم) في العسل، وهو أيضًا ما يعلل فائدته في علاج سرطان الفم، وندرة الإصابة بالسرطان بين من يقومون بتربية النحل، ومن يداومون على استعماله في طعامهم.

هذا بالإضافة إلى مادة تسمى "إمرو"، لم يعرف طبيعتها إلى الآن، والبعض يعتقد أنها "الشبة"، حيث استخدمت كمادة قابضة لتعقيم الجروح الملوثة. 

كذلك استخدم البصل وقد ثبت أن المادة الحرشفية في البصل (Mitogenetic) تنشط خلايا الجسم وتقاوم الشيخوخة، كما أن رائحة البصل تطهر من الجراثيم.  وقد فصل من البصل مركب بلوري الشكل يستطيع أن يقتل الجراثيم مثل (Staphlylococcus) (المكورات العنقودية والعصيات الدفتيرية).  هذا المركب تم إلحاقه بـقائمة ال "Phytoncides" وهي مركبات عضوية مشتقة من النباتات ومضادة للبكتيريا.  ومعنى الكلمة "مقضي عليه بالنبات."  وتعد عصارة البصل من المضادات الحيوية يدلك به الجروح ويمنع حكة الأطراف. ووصف للربو، وضمن لبخة لخراج، ومسكن للصرع ولتبريد الأوعية، ومدر للبول، ويستخدم أيضًا في إيقاف طمث المرأة، كما دخل في تركيب وصفات طبية لعلاج الروماتيزم. واستخدم البصل كذلك للقضاء على أي بكتيريا بالفم، عن طريق هرسه بالماء والخل، ودهن الفم به. 

        وهناك رأى يقول أن المصريون القدماء كانوا يلعقون الجروح مقلدين الحيوانات لتطهيرها، ومنع نزيفها لأن باللعاب مادة مطهرة.

أما المضادات الحيوية الغير العضوية فمنها بودرة الملاخيت التي استخدمها المصري القديم في كثير من المركبات العلاجية، فقد أثبت العلم الحديث أن الملاخيت له تأثيرات مضادة لأنواع معينة من البكتيريا.  مما يشير إلى أنهم أول من استخدم عقار "السلفا" في العلاج.  ولا زالت السلفا ومشتقاتها من خير المضادات الحيوية التي عرفها الإنسان عبر العصور في علاج الأمراض ذات السبب البكتيري ومنها أمراض الالتهاب الرئوي، والمسالك البولية. 

ويضاف إلى كل هذا أن طريقة الوخز بالإبر التي توصل إليها المصريون القدماء في بعض مناطق الجسم تزيد من كرات الدم البيضاء، والتي تزيد من مناعة الجسم ضد الأمراض مما يعد بمثابة مضاد حيوي داخلي.

كما عرف المصريون القدماء الأسبرين ذلك العقار العجيب الذي عده العلماء من أعظم الاكتشافات الحديثة وأكثر الأدوية استخدامًا، وأرخصها ثمنًا.  فكانوا يستخلصونه من ورق الصفصاف، وذلك لأنه يحتوي على حمض الساليسيليك.  ولكن اكتشف العلم الحديث أن هذا الحمض له أثر سام وربما علم ذلك المصري القديم هذا فاستخدم معه أوراق أخرى حتى تقضي على سميته، والإستفاده منه في شفاء المرضى.

كما لجأ قدماء المصريين أيضًا إلى الاستخدام الظاهري للدواء مثل الدهانات (كمضاد حيوي)، هو ما أثبته طب الأعشاب الحديث فاعلية هذه النباتات في علاج تلك الأمراض، والذي تمثلت في زيت الخروع والعرعر، والريحان (الآس)، والسنط والحنظل والبلح، وحب العنب، والبيرة العذبة والنبيذ، وكركم جبلي، والبابونج، والكرات والثوم، والحلبة، والكمون، والكرفس، والتين، والبقدونس، وهذا يعني دراسة الطبيب المصري القديم للنباتات، ومعرفة استخدام كلًا منهم في العلاج.

        كذلك استخدم نبات العرعر ذي التأثير المطهر للقناة الهضمية. والزعتر منقي الجسم من السموم.

كما توصل المصري القديم إلى العلاج بالأحجار الكريمة، والذي يظهر بوضوح في استخدامهم تلك الأحجار في حليهم. فكان المصريين القدماء يصنعون الكثير من التمائم، والخواتم، والحلي، والأساور بأشكال هندسية معينة من الأحجار الكريمة، وكلها أشكال ومواد أثبت حديثًا علاقتها بالمجالات المغناطيسية، والموجات الإشعاعية، وقوى أخرى تؤثر على الطاقة والقوى الكامنة داخل الإنسان، وبالتالي تؤثر على الخلايا والأعضاء، فتؤدي إلى إعادة التوازن الإشعاعي والمغناطيسي والكهربي داخل الجسم، فتحدث نفس تأثير الأدوية الكيميائية، فيتم من خلالها معالجة الأمراض، وتحقيق الشفاء أو المحافظة على الصحة الجيدة للإنسان.  وهذا ما ظهر في عصرنا الحالي وسمي ب "العلاج بالأحجار الكريمة". 

كذلك استطاع المصريون القدماء معرفة كافة أجهزة الجسم الداخلية، وأجزاء الجسم المتصلة بكل خلية. فعثر على مناظر تمثل تدليك لليدين والقدمين، في مقبرة عنخ ما حور بسقارة- الأسرة السادسة ، حيث يقول الرجل (لا تدعها تؤلمني). وهذا ما يعرف اليوم بعلم الرفلكسولوجي Reflexology (الطب الإنعكاسي).  وقد أثبت العلم الحديث بالفعل أن خريطة جميع أجهزة الجسم الداخلية توجد بالكفين والقدمين.

يمكننا القول أن ما توصل إليه المصري القديم بالعين المجردة، أثبته العلم الحديث بأدق الأجهزة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.