كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 06, 2020 - 771 Views

آلات فلكية مبتكرة بالحضارة الإسلامية

Rate this item
(1 Vote)

كتبت - دعاء فاروق

 مفتشة آثار بوزارة السياحة والآثار- باحثة دكتوراه بجامعة حلوان.

"البناء الكروي - السُدُس الفخري"

لم يكن ليصل علماء المسلمين إلي التقدم الهائل في ابتكار الآلات الفلكية، إلا بعد تحسين الآلات القديمة والإعتماد عليها في بداية اهتمامهم بالأرصاد الفلكية، وأهم ما اعتمد عليه العلماء المسلمين الآلات التى استخدمها علماء مدرسة الإسكندرية القديمة، فقد ضمت مدرسة الإسكندرية مرصداً لرصد الأجرام السماوية، ساهم في جعل المدرسة قبلة للعلماء والرياضيين[1]،  فأهم ما خلفه حضارة الإغريق في هذا العلم هو كتاب المجسطي لبطلميوس "التصينف في الحساب"، ففي الكتاب الخامس من كتب بطلميوس شرح للأجهزة الفلكية التى كان يستعملها و علي الأخص الأسطرلاب[2]، ووصل الينا كتاب المجسطى عن طريق حركة الترجمة الواسعة في العصر العباسي الأول في خلافة ابو جعفر المنصور(136ه-158ه/753-774م) الذي كان شغوفا بالعلوم ويعتقد في النجوم، و التي وصلت قمة أوجها في عهد الخليفة المأمون (198ه-218ه/813-833م)، فكان يبرم الصلح مع الروم و كان أحد شروط الصلح معهم، إرسال كتب الحكمة و كان من بينهم كتاب المجسطى، الذى أمر المأمون بتعريبه[3]، فكانت الآلات الموصوفة  في المجسطي هي الحلقة الاستوائية أو الإعتدالية، الحلقة الزاولية، الرٌبعية الإستوائية، مساطر اختلاف المنظر فوقف العلماء علي كتاب المجسطي، وفهموا صورة الآلات الرصد الموصوفة فيه[4]، فأمرهم المأمون بإصلاح الآلات وتعقب أعمال اليونان المسجلة والتحقق منها.[5]

    أحد أهم الآلات المبتكرة في الحضارة الإسلامية مايعرف بالبناء الكروي، و السُدُس الفخري، كان البناء الكروي نوع جديد من الآلات الفلكية[6]، ظهر عندما أمر شرف الدولة [7] أبا سهل الكوهى[8]بتجديد الرصد ببغداد[9] فبنى الكوهى بناء شكله كروى يبلغ قطره حوالي 12.5م[10]، بحيث تكون أرضه عبارة عن قطعه كرة مركزها فتحة صغيرة  في سقف البناء، يدخل منها شعاع الشمس، يرسم بها المدارات اليومية قبل مرورها على خط الزوال[11] وبعد مرورها عليه[12].

يبدو أن البناء الكروي قريب الشبه لآلة يونانية تسمى " سكافي"، بعد أن أُدخلت عليها تحسينات كبيرة، فالجهاز اليوناني الصغير يتكون من نصف كرة معدنية مجوفة، منصوب بداخلها عمود رأسي طرفه بمركز الكرة، كما حُفر بجوف الكرة درجات للقياس.

طريقة القياس بها على الوجه التالي:

عندما يقع ظل طرف العمود على السطح الداخلي للكرة يتم رصد الدرجة التي وقع عليها ومن خلالها يمكن معرفة إرتفاع الشمس في أى وقت من النهار.

     أما الجديد الذى أدخله العرب عليها بناءها من الحجارة حتى يمكن زيادة حجمها قدر المستطاع فيكفي ذلك لإتساع تدريجات إضافية تمكنهم من قراءة الإرتفاعات إلى درجة كبيرة من الدقة حتى تفي الأرصاد بالغرض المطلوب منها، لكن وجد صعوبة آخرى عند زيادة الحجم إلى هذه الدرجة يكون من الصعب معه إقامة عمود رأسي في وسطها تماماً وذو ارتفاع حوالى اثني عشر مترا ونصف متر، فقد استعاضوا عن ذلك بتغطية نصف الكرة بما يشبه السقف المستدير وفي مركزه ثقب لتدخل منه أشعة الشمس، لترسم بقعة مضيئة على سطح الكرة من الداخل تتحرك تبعاً لأرتفاع الشمس وانخفاضها[13].

 وربما تكون الآلة اليونانية أوحت للكوهي بفكرة البناء الكروي، فيعتبر بناء الكوهي آلة مبتكرة بالنسبة للآلة اليونانية،  حيث اختلفت مادة الصنع، وحجم البناء، الذى يؤدي إلى دقة عالية في الرصد  بالإضافة إلى فكرة التغطية.

السُدُس الفخري:  صنعها العالم الفلكي أبا محمود حامد بن الخضر الخُجندى[14]، في عهد فخر الدولة(366ه ـــــــ 387ه/977م ـــــــ 997م) علي جبل طبرك، بمدينة الري الواقعة على بُعد 12 كيلو متر جنوب طهران[15]، وتعتمد السُدسُية على مبدأ الغرفة السوداء[16]، وهي غرفة مظلمة ذات فتحة صغيرة في السقف[17]، فتتكون الآلة من حائطين متوازيين على خط الزوال (في اتجاه الشمال والجنوب)، بينهما سبع أذرع (حوالي ثلاثة أمتار ونصف)، وبنى بينهم فتحة محيطها شبر، وجعل مركزها مركزاً لسُدس الدائرة على خط نصف النهار بين الحائطين، قطرها ثمانون ذراع (حوالى أربعين مترا)[18]، وقد حُفرت جزء من أرضية المساحة الواقعة بين الحائطين بحيث يمكن رسم سُدُسية مركزها في فتحة السقف وشعاعها يبلغ 20 متر[19]، وبذلك تصل أشعة الشمس إلى الأرض بين الحائطين كل يوم عند الظهر[20] ثم فُرش قوس الُسدُسية من الداخل بألواح من الخشب وغطيت بصفائح من النحاس[21]، لتتكون عليها صورة الشمس أثناء عبورها على خط الزوال[22]، وقُسم قوس السُدُسية إلي أجزاء، و قُسم كل جزء إلى ثلاثمائة وستين قسماً متساوياً (الدرجات)، اختص كل قسم منها بعشر ثوان[23].

   هذا البناء الضخم أول آلة فلكية قادرة على قياس أجزاء الثانية، وهى وسيلة قياس أكثر دقة للزوايا عن الدرجات والدقائق[24].

      في عام 384ه/994م أجرى الخجندى أرصاداً هامة مستعيناً بالسُدس، في قياس ميل فلك البروج لكنه وجد خطأ صغيراً فى أرصاده بهذه الآلة، سببه انخفاض الآلة عن الأرض مقدار شبر تقريباً وهذا ما شهده البيروني بنفسه، وذكره فى كتاب تحديد نهايات الأماكن[25]، و بالرغم من ذلك فإن السُدس الفخري فاق كل ما عمل قبله من الآلات الفلكية دقة وحجماً[26].

   قد نال أبو محمود الخجندى تقديرًا عاليًا من البيروني في كتابه، ليس فقط كعالم فلكي بارز، بل كمخترع للآلات الفلكية ويسميه أوحد زمانه في صنعة الأسطرلابات وسائر الآلات[27].

  فقد ساهمت هذه الآلات "البناء الكروي- السُدُس الفخري" وباقي الآلات المبتكرة بالحضارة الإسلامية   في تحقيق مزيد من الإكتشافات وتسجيل أرصاد متعددة تدل على تقدم علم الفلك بشكل مذهل.

[1] ميرفت السيد عوض/ مصطفى كمال محمود: علم الفلك العام، ص22.

[2] عبدالحميد سماحة: تاريخ الحضارة المصرية، ص584

[3] هويدا عبد العظيم رمضان: المجتمع في مصر الأسلامية منذ الفتح العربي الي العصر الفاطمى، ج2 ،الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006، ص203.

[4] ريجيس مورلون: مقدمة في علم الفلك، موسوعة مؤسسة تاريخ العلوم العربية، ترجمة بدوي المبسوط، ج1، مركز دراسات الوحدة العربية ـــ مؤسسة عبد الحميد شومان،  بيروت، 2005م، ص35.

[5] محمد سويسي: نماذج من التراث العلمى العربي، ص214.

[6]بافل بولغاكوف:  الأخبار في تاريخ علم الفلك من كتاب "تحديد نهايات الأماكن" للبيروني، محاضرات مؤتمر الصوفي وابن النفيس 15 بحثاً في الفلك والطب والعلوم، الجامعة الأردنية، 5- 8/10/1987، ص 177.

[7] شرف الدولة: أحد حُكام الدولة البويهية، تولى الحكم عام 982م، وأشرب حب العلوم وخاصة الناحية الفلكية من والده السلطان عضد الدولة الذى امتد حكمه من عام 949 إلى 982م، وبنى شرف الدولة مرصداً جديداً في حديقة قصره ببغداد، زود بأجهزة للرصد من صنع أبي حامد الصاغانى، ثم وضعه تحت إشراف أبى سهل الكوهى.

  إمام إبراهيم أحمد: تاريخ الفلك عند العرب،1960، ص 44.

[8] الكوهى: ويجن بن رستم أبو سهل الكوهي، منجم، وعالم فلكي، وعالم بصناعة الآلات الرصدية، تقدم فى الدولة البويهية وأيام الدولة العضدية وبعدها فى عهد شرف الدولة أمره برصد الكواكب السبعة فى مسيرها، وتنقلها في بروجها، كما حدث فى عهد المأمون، أنظر: القفطى: تاريخ الحكماء، ص 351.

[9] البيروني: كتاب تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، تحقيق ب. بولجاكوف، الجغرافيا الإسلامية، المجلد 25، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، جامعة فرانكفورت، جمهورية ألمانيا الاتحادية، 1413هــ ــ 1992م، ص 100

[10] ريجيس مورلون: مقدمة فى علم الفلك، ص38

[11] خط الزوال Meridian: خط الزوال السماوي، وهو عبارة عن دائرة كبري تمر بالقطب السماوي وتقطع الافق في نقطتي الشمال والجنوب وفى أثناء الحركة اليومية للأجرام السماوية تبلغ عند مرورها بخط الزوال أكبر ارتفاع لها فوق او تحت الأفق.

[12] إمام أحمد: أرصاد العرب، ص 33

[13] إمام إبراهيم: تاريخ الفلك عند العرب، ص56:58

[14] الخجندى: أبا محمود حامد بن خضر الخجندي، ظهر في القرن الرابع للهجرة (حوالي سنة 1000م)، وتوفي في سنة 390ه- 1000م، وكان من كبار علماء الفلك والرياضيات، واشتغل بالمثلثات الكرية، وقد حسب ميل دائرة البروج على دائرة معدل النهار، ومن مؤلفاته كتاب الآلة الشاملة في الفلك، و رسالة في تصحيح الميل وعرض البلد.

زين العابدين متولى: الفلك عند العرب والمسلمين، ص 142. 

[15] ريجيس مورلون: مقدمة في علم الفلك، ص37.

[16]أنطوان بطرس: العصور العربية لعلم الفلك ما قبل وما بعد، ص 132.

[17] ريجيس مورلون: مقدمة في علم الفلك، ص37.

[18] البيرونى: كتاب تحديد نهايات الأماكن، ص102.

[19] ريجيس مورلون: مقدمة في علم الفلك، ص37

[20] إمام أحمد إبراهيم: أرصاد العرب، ص32

[21] البيرونى: كتاب تحديد نهايات الأماكن، ص 102.

[22] ريجيس مورلون: مقدمة في علم الفلك، ص 37

[23] البيرونى: كتاب تحديد نهايات الأماكن، ص 102

[24] مايكل هاميلتون: تاريخ ضائع، ص 129.

[25] بافل بولغاكوف: الأخبار في تاريخ علم الفلك، ص 176.

[26] إمام أحمد: أرصاد العرب، ص33

[27] بافل بولغاكوف: الأخبار في تاريخ علم الفلك من كتاب "تحديد نهايات الأماكن" للبيروني، ص 176

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.