كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 16, 2020 - 142 Views

يوميات كورونا والمجهول الحلقة الثانية

Rate this item
(0 votes)

كتب الاستاذ الدكتور / محمد احمد إبراهيم

أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف ورئيس قسم التاريخ

كورونا والمصريين والحظر المنزلي

في تلاحق سريع وصل فيرس كورونا إلي الأراضي المصرية بعد ان اعلنت الدولة وجود حالات مرضية وحالات وفاة، وعلي الفور استخدم المصريين سلاحهم الفتاك في مواجهةالأزمات أبدالدهر،وهو السخرية اللاذعة المصحوبة بعبقرية الإسقاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للتعبير عن موقفهم،خاصة بعد ان لجات الدولة في التصدي لهذاالمرض لفرض حظر إقامة للمصريين في المنازل للحد من انتشار المرض،وللاسف كشفت إجراءات الدولة في التعامل مع هذا المرض ومع المصريين عن ظاهرة العناد المجتمعي عند المصريين إما حبا في الحياة او رفضا لأي نوع من القيود، فضلا عن أرتفاع وتضخم الشعور التاريخي بأن المصري من سلالة الفراعين العظماء التي لايؤثر فيهاهذاالمرض كما يؤثر في السلالات الأخري في أوروباالتي توصف دائما عند المصري بانها (خرعة – مايصة )

أبدع المصريون في مواجهة الحظر الحكومي للإقامة في المنازل وتقييد الحركة بشتي أنواع التعبير، خاصة وان هذا الحظر فرض علي الجميع التعامل المباشر وجها لوجه مع أفراد الأسرة من زوجات وابناء وأخوات وامهات، فخرجت النكات من الأزواج والزوجات نتيجة الممارسات اليومية داخل المنازل مع توقف الدراسة والعمل بعدان ظهرنمط جديد من الحياة التلاحمية بين الجميع وجها لوجة،فاستدعي المصري الميراث القديم لشخصية الرجل والمرأة، وتبادل الأدواربينهما، في محاولة لجلد الذات بروح كوميدية عالية الجودة تعلن بوضوح حقيقة المشاعر بين جميع الأطراف، ضاربين بعرض الحائط لتعليمات الدولة لتجنب انتشار المرض الغامض ، الذي اصاب الجميع بالدهشة وعدم الوعي بعد ان لمس الظروف الحياتية والممارسات اليومية للفرد والمجتمع ، واضعا الجميع في مواجهة لم تكن في الحسبان.

وما ان طال الحظر والمكوث في المنزل حتي تفنن مجتمع المنزل المحاصرمن الخارج(الدولة) والداخل(الأسرة) في محاولة للخروج من الملل وقلة الحركة أن أبتكر أنواع من الأطعمة التي تشغل الوقت وتسري عن الجميع ( بسكويت العشر دقائق ) سريع التحضير،فضلا عن استيعاض البعض لملذاته ومتعته المحروم منها خارج المنزل إلي داخل المنزل( شرب الشيشة)،فقد اصبح حال المصريين ليس مواجهة المرض بقدر مواجهة الحظر وقلة الحركة والحرمان من الملذات، في تعبير صارخ عن الروح المصرية المنطلقة دائما الرافضة للسكون أوللقيود، علي الجانب الأخر انفجرت طاقة الأبداع العلمي او شبه العلمي عند البعض في اختراع وصفات أطعمة تقاوم هذاالمرض(الليمون + اليانسون+ الشلولو) من جانب خبراء التغذية ومدعي العلم، يتبعها -أيضا - موجة من السخرية المجتمعية المطعمة باستجلاب التراث المصري من السينما والمسرح والفيديوهات،فاصبح الهم الشاغل للمصري هو النقد والتقريظ للحالة المرضية في الداخل والخارج، كذلك ظهرت علي ألسنة المصريين بعض المصطلحات المنتشرة في هذه الأزمة كالجائحة ومتواليات الأرقام والهبد( التهويل والمبالغة)لتصبح كلمات مضافة إلي القاموس اليومي للفرد المصري .

لقد مر المجتمع المصري عبر العصور بالعديد من الأزمات والنكبات، إلا انه في هذه المرة كانت الأزمة اكبر وأطول إذ طالت جميع جوانب المجتمع( اجتماعية – اقتصادية – دينية) بل عطلت روح المصري العاشق إلي الإنطلاق، وهو تعطيل ماكان ليتحمله المصري،الأمرالذي خلق حالة من التمرد يصحبها حالة من اللامبالاة في مواجهة المرض والموت، بدلا من إعلاء روح المسؤلية والتفكير المنظم ومراجعة العادات السيئة واللجوء إلي العلم،للخروج من الأزمة او إيجاد علاج لها، ناهيك عن الإلتزام بالتعليمات لكسر الأزمة او الحد من أنتشارها، لقد أثبت المصريين ان الروح الساخرة لديهم لازالت قائمة كسلاح لايمكن الإستغناء عنه علي مر العصور، وهو مايمكن ان تلمحه - ايضا - في تراث الأمثال الشعبية (ضربوا الأعور علي عينه قال خربانة خربانة – هي موته ولا أكتر– اللي مايموت منين يفوت– حيبقي موت وخراب ديار ) إلي آخره من الأمثال التي عبرت عن روح المصري في وقت الأزمات ، أن المتأمل لانعكاسات الأزمة يدرك أنها حركت البطون قبل أن تحرك العقول .( البقية في الحلقة القادمة  ) .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.