كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

المماليك وتحديات البحر المتوسط(648-923هـ /1250 - 1517م)

كتب د. حماده عبدالحفيظ فهمي الرخ

دكتوراه الآداب من جامعة الزقازيق ٢٠١٩

يجيب هذا المقال  عن السؤال القاضي بالبحث عن دافع المماليك لمحاولة بسط سيطرتهم على البحر المتوسط ومدى اهتمامهم ورغبتهم في ذلك. وهل فاقت التحديات في أعالي البحر المتوسط عن نظيرتها في البحر الأحمر؟ ـــــ إن محاولة الاجابة على هذا السؤال المزدوج تدفعنا أن نقرأ الخريطتان؛ الزمنية والجغرافية، فمن خلالهما نستطيع أن نجيب بطريقة أكثر واقعية عما حدث أو ما كان يدور.

      لقد كان اعتلاء المماليك لكرسي الحكم بمصر والشام حدثاً عظيماً، ولكن الأعظم من ذلك هو مقدرتهم على توطيد دعائم حكمهم في فترة قصيرة إذا ما وضعت في المقياس التاريخي، ووحدة قياسه الزمن، وهنا نتخيل ما قامت به السلطات المملوكية من مجهودات حربية كانت تهدف لاعلاء كلمتهم، وبسط سيطرتهم على معظم ربوع  المشرق الإسلامي، ولإعطاء أنفسهم الحق في شرعية الحكم، التي كانت شرعية مستحدثة إذا ما نظرنا في تاريخ الدول الإسلامية السابقة، والسبل الشرعية التي اعتمدت عليها لتوريث  الحكم وضمان تبعية الشعوب والمنتسبين.

     وتشي الأحداث أن كان دخول المماليك لأعماق البحر المتوسط، متأخراً بدرجة كبيرة؛ إذا ما تمت المقارنة بسرعتهم في التوغل والسيطرة على كل بلاد الشام والحجاز وأجزاء من العراق، وخوض غمار معارك برية كانت جد مهمة، وهو ما أضاف لهم أرضاً جديدة، شكلت في مجموعها الجناح الأسيوي لدولتهم الفتية.

    لاشك أن هذه العمليات الحربية في البر الأسيوي كانت سبباً مباشراً للبدء في دخول المماليك إلى عالم البحر المتوسط، خصوصاً وقد سقطت عكا سنة 691هـ/ 1291م تحت قدم السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون ( 689- 693هـ/1290-1293م)، وهو ما شكل طرداً لآخر المعسكرات الصليبية في بلاد الشام.

    هنا ستبدأ مرحلة جديدة عشوائية التخطيط، غير واضحة الأهداف، من جانب الصليبيين. أقصد: ظهور عمليات القرصنة على السواحل والثغور المصرية البحرية في مصر وبلاد الشام؛ لقد كان على المماليك أن يواجهوا أطياف مختلفة من الأهواء والأهداف من راكبي البحر، قراصنة وتجار وحجاج وغيرهم. هذا من جانب.

     الجانب الثاني يتمثل في مدن وبلدان الساحل الجنوبي للقارة الأوروبية؛ جنوة والبندقية وبيزا ومارسيليا وغيرها، وهي في واقع الأمر وإن كانت مدن وجمهوريات أوروبية مسيحية، غير أنها قد اعتنقت التجارة مذهباً، ولم يمانعوا – في الغالب – أن يتحالفوا مع أي من يمنح لهم الامتيازات التجارية عبر البحر المتوسط، وهو الأمر الذي نتج عنه تنافس شديد بين الجمهوريات بعضها البعض، وصل في وقت معين لدرجة المواجهة المسلحة، على سبيل المثال ما حدث سنة 829هـ/1426م حينما كان ميناء الإسكندرية مسرحاً لقتال بين القتلان والبنادقة، وانتهى القتال بهزيمة البنادقة ومقتل عدد منهم وأسر سفينتهم.

       ولم يكتف القتلان بهذا، فطالت أيديهم الساحل السكندري، واختطفوا جماعة من السكندريين كانوا بساحل الميناء، ويبدو أن هذا الموقف المتخاذل من جانب المدافعين عن ثغر الإسكندرية حينها قد شجع القراصنة القتلان على معاودة غاراتهم على الثغور الشمالية، فتمكن المعتدين في العام التالي 830هـ/1427م من الاستيلاء على عدد من مراكب المسلمين التجارية، منهما اثنتان كانتا في طريقهما إلى الإسكندرية قادمتين من سواحل آسيا الصغرى.

       وعلى ذكر آسيا الصغرى فإن المماليك سيجدوا أنفسهم أمام صعوبات وتحديات جديدة لم تتوقف؛ لقد أصبحت دولة آل عثمان على بعد خطوة واحدة من العاصمة البيزنطية ذاتها، ومع سقوطها ستدخل الدولة العثمانية إلى عالم الامبراطوريات من الباب الكبير، فما كان سقوط القسطنطينية إلا بداية تكوين الشطر الأوروبي للامبراطورية العثمانية، ومعها يصادف المماليك منافس جديد لم يكن متوقعاً، وفي واقع الأمر لن تكون المنافسة في البحر المتوسط فحسب، فلا شك أن تماس الحدود بين المماليك والعثمانيين سيكون محل اضطراب دائم، وتنافس مستمر، وأجواء تمتلىء بالشكوك، وهو الأمر الذي يصل في نهاية المطاف وسيؤدي إلى سقوط القاهرة ذاتها في أيدي العثمانيين سنة 923هـ/1517م.

نفهم مما سبق أن وجدت دولة سلاطين المماليك ثلاث تحديات أساسية في دخولهم للبحر المتوسط؛ بدأت بوجود التوابع وفلول الصليبيين وتحول هذه العناصر نحو القرصنة البحرية، ونشاط المدن والجمهوريات التجارية اللاتي لم تدخر سبيلاً للسعي نحو مصالحها الخاصة، وظهور العثمانيين كقوة منافسة حتى سقوط دولة سلاطين المماليك.

مناظر أسطورة الرامايانا على التحف العاجية في العصر المغولي الهندي

كتبت د. صباح عبد الحكيم إبراهيم الشربيني

باحثة دكتوراه في الاثار الإسلامية – جامعة حلوان

الأساطير الهندية هي مجموعة كبيرة من الحكايات التقليدية المتعلقة بالهندوسية، ولا سيما على النحو الوارد في الأدب السنسكريتي، مثل الملاحم السنسكريتية[1]والبورانا[2]، ومثل المجموعة الفرعية من الثقافة الهندية والنيبالية. وبدلاً من كونها تمثل بنية واحدة متسقة ومتجانسة، فهي عبارة عن مجموعة من التقاليد المختلفة، طورتها مجموعة من الطوائف المختلفة، والمدارس الشعبية والفلسفية في بقاع وعصور مختلفة، ولم تخضع بالضرورة للأدب الهندوسي المرتبط بأحداثهم التاريخية، ولكن تأخذ طابعاً عميقاً، وغالباً ما يكون رمزياً، مما يعني وجود مجموعة معقدة من التفسيرات[3] .

       ولقد لعبت الاساطير دوراً هاماً وحيوياً في تشكيل عقيدة الفنان الهندي، حيث قاموا على مر العصور والازمان بتناول احداث تلك الاساطير على العديد من لوحاتهم ومنمنماتهم بأسلوب غاية في الروعة والجمال.

من اهم المناظر التصويرية على العاج تلك التي تحاكى قصة اسطورية من وحي الخيال، كتصويرة لجزء من " اسطورة الرامايانا "[4]. وتدور أحداث هذه الأسطورة حول ملك اسمه (داشاراذا)، سيد بلاد (كوسلا)، الذي لا ينجب أولاد، حيث أبت الآلهة أن تنعم عليه بولد يتولى من بعده عرش البلاد. وكان سكان مدينة (أيوذا) يعرفون تلك الحسرة التي تأخذ بقلب الملك، إلا أنهم لا يملكوا الطيب ولي العهد.

         ولعل رب الأرباب قد استجاب لدعوات القوم الصالحين، ووهبة غلام اسمه (راما)، يكون له ثلاث أخوة أخرين من كل زوجة من زوجات الملك الأخريات. وكبر (راما)حتى بلغ السادسة عشر، وبدا الملك يمنحه من قلبه كل شيء ويدربه على ان يكون ملكاً من بعده، وعزم أن يزوجه (سيتا) كبري بنات (جاناك) ملك (ميثالا). غير انها في الحقيقة لم تكن ابنة الملك. فقد كان يسوق المحراث يحرث به بستان قصره ذات يوم، وإذا بالأرض تنشق من تحته، وتخرج من مجري الحرث طفلة صغيرة يشع من حولها النور، ذات جبين من عاج، وشفة من مرجان، واسنان تسطع بلمعة اللآلئ. كانت هي نفسها (سيتا)، التي اعتبرها الملك هدية من الآلهة، فتعهدها في قصره حتى شبت، وعندما حان وقت زواجها، قرر الملك (جاناك) ألا يزوجها إلا لمن يستطيع ان يثني القوس المقدس الذي أهدته الآلهة لأجداده الأقدمين[5] .

         وتقدم لخطبة الأميرة أبناء القصور من كل الممالك حوله، غير ان احداً لم يستطيع أن يثني القوس، فقد كان قوساً مارداً عملاقاً، صنعه الإله (شيفا) لنفسه، ثم أهداه لأجداد(ناناك)، ومنذ ذلك اليوم عجز الجميع عن ثنيه، فلا الآلهة ولا المردة لا الشياطين، كانوا يملكون القوة التي تستطيع أن تثنيه[6] .

وقرر(راما)ان يشارك في المباراة، وامر الملك بالقوس، ومد (راما) يده فأخرج القوس من كيسه وبدأ بثنيه، وانحني القوس في يد (راما) حتى تلامس طرفاه، ثم تحطم في صوت كالرعد، وهزة كالزلزال. وأقيمت الأفراح، وأرسل (جاناك) إلى جاره الملك (داشارإذا) يدعوه إلى حفل الزواج.

         ولقد أعلن الملك انه يدعو الشعب في الغد لحضور حفل تنصيب ولي عهده، وملأت الأفراح كل (أيوذا) التي امتلأت قلوب سكانها بحب (راما) وزوجته الأميرة (سيتا)، غير ان قلباً واحداً كان يمتلئ غماً وحسداً، هو قلب الملكة (كايكي)، فقد أحزنها ان يكون العرش لابن ضرتها دون ولدها (باراتا)الحبيب. وحالت (كايكي) دون ذلك لأنها لم تكن والده (راما)، لأن أباه تزوج من أربع ملكات، وكان (راما) من الملكة الأولي، و(كايكي) ملكة رابعة، وتريد تتويج أبنها بدلاً من (راما)، ولذلك استخدمت الحيل، وحطمت آمال (راما) وقررت ابعاده عن العرش ليعيش في المنفي وسط الغابات والجبال بجنوب الهند لمدة أربعة عشرسنة فخرج(راما)وسط شاهد حزينة إلى الغابات يرافقه زوجته(سيتا)واخوه(لكشمان)[7].

 ولم يكد الأمراء الثلاثة يمضون، حتى سقط الملك ميتا من فرط ما ألم به من حزن، وبرغم أن (كايكي) ملأها الفرح لموت زوجها، إلا أن (بارتا) ابنها رفض العرش، واقسم ان يحكم باسم اخية (راما) حتى يعود من منفاه[8] .وأخذ (راما) ورفيقاه طريقهم في أعماق الغابة، وظلوا يسيرون حتى اخذ التعب (سيتا) واحست بحاجة إلى الراحة، وهنا فقط حط الثلاثة الرحال وقرروا ان يبنوا مسكناً صغيراً يأوون اليه، وترتاح (سيتا) فيه. ومرت الأيام وكانت (سورباناجا) اخت(رأفا) ملك الشياطين تتنزه في الغابة، حينما شهدت (راما) جالساً يناجي زوجته، واحست(سورباناجا) نحو الفتي بهوي غريب، إلا ان (راما) سد عنها سمعه، ورفض أن يستجيب لعاطفتها. وقررت (سورباناجا) التخلص من (سيتا) إلا أن (لكشمان) أنقذها، وبحد سيفه البتار قطع انفها واذنيها[9]، وصرخت الشيطانة في غضب، وانطلقت تجري والدم ينبثق صاخباً من جروحها، حتى التقت بأخيها الصغير (كارا)، وعندما عرف (كارا) الأمر اقسم لينتقم لها[10] .

       واقترب (كارا) من (راما)، ونشبت معركة عنيفة مهولة، مات على أثرها (كارا)، غير ان المعركة لم تكن لتنتهي عند هذا الحد. فقد تلقي (رافانا) ملك الشياطين أنباء مصرع اخيه وجيوشه، فجن جنونه، ونهض من فوق عرشة وهو يقسم ليقتلن (راما) ويمثلن به.

وقام (رافانا) بحيلة ما خطف على أثرها(سيتا)، وذهب بها إلى القصر المسحور، وقام (راما) على أثر ذلك بالبحث يميناً ويساراً عن زوجته بمساعدة أهل الغابة من جنيات غدر اواتو مردة، وهنا قام الفنان الهندي بتصوير تلك اللحظة من الرقة والجمال بمنظر تصويري بارعاً للغاية.

       وقد اخبرته الجنيات بمكان وجود زوجته، وبالفعل توجه (راما) بصحبه اخوه (لكشمان) الى القصر المسحور حيث يحتجز(رافانا) زوجة (راما)، وقام مصورو الهند بتصوير لحظة استخلاص (راما) زوجته (سيتا) من براثن الوحش في (لانكا)[11] ، فمجرد ان رأينا الوحوش التي تقوم بحراسة قصر الامير (راما) تحولن الى جنيات عازفات على أنغام الآلات الموسيقية، حتى يخدعن (راما) وليقوم بإزائهن، واستمرت الحرب طاحنة لعدة ايام، انتهت بهزيمة جيوش الشياطين، واسترجاع (راما) زوجته (سيتا). وعندما اخذ (راما) و(سيتا) و(لكشمان) طريق العودة الى الوطن، كانت الانباء قد سبقتهم الى هناك على لسان (هانومان)، فخرجت (أيوذا) كلها وعلى رأسها نائب الملك (باراتا) الذي رفض ان يجلس على العرش طوال أربعة عشرة سنة، وظل محتفظاً به ليضع التاج بعد ذلك بنفسه على رأس اخيه (راما) وزوجته الحسناء (سيتا)[12] .

ومن الواضح ان الفنان الهندي لم يصبه التوفيق في تصوير ملحمة (الرامايانا)تصويراً دقيقاً يحاكي الواقع، فلعل الأسطورة التي سطرتها كتب السير لم تشرح من قريب او بعيد عن مساعدة الجنيات العازفات للأمير (راما) في البحث عن زوجته، بل من قام بمساعدة القرد (هانومان)، وملك النسور الذي أخبر (راما) بمكان زوجته ودببه[13]  .

        ولقد تركت هذه الملحمة أثراً قوياً في نفوس الهندوس، واحتلت مكان الصدارة بين غيرها من الملاحم، كما ساهمت مساهمة كبيرة في رفع معنوية الشعب ومنحه قوة روحية دافئة، وإيقاف شعور الحب والتضحية في نفوس الهندوس لتقديس وطنهم ومعتقداتهم الدينية، وشخصياتهم الأسطورية الخالدة إلى حد العبودية[14] .

1]-اللغة السنسكريتية: هي لغة الآيون الأصلية التي يعرفوها في موطنهم الأصلي، وهى تشبه الأوروبية القديمة إلى حد كبير، وقد تشبعت من هذه اللغة الأصلية معظم لغات أوروبا،، الندوي (اسماعيل محمد ) ، الهند القديمة - حضاراتها ودياناتها  ، دار الشعب للنشر ، القاهرة ، 1970 م ، ص 63.

وتعد اللغة السنسكريتية واحدة من اللغات المتعددة التي يتحدثها الهنود، فعندهم 240لغة و 300لهجة بالإضافة إلى اللغة الفارسية، واللغة البهلوية التي كانت لغة رسمية للقصور في الهندوستان. وفى القرن 15م ظهرت لغة جديدة وهي اللغة الهندوستانية – أصلها آري – وتحتوي على الكثير من الكلمات الفارسية والعربية والهندية والتركية، وأصبح اسمها اللغة الأردية نسبة إلى " الأوردو " وهي لغة معسكرات المغول، واتسع انتشارها بين المسلمين وغيرهم بالرغم من اعتبارها لغة إسلامية في نظر الهنود، وخاصة بعد تقسيم الهند إلى دولتي الهند وباكستان. شلبي (احمد) ، أديان الهند الكبرى – الهندوسية الجبلية البوذية ، الجزء الرابع ، الطبعة 11 ، مكتبة النهضة المصرية ، 2000م،ص 26.

[2]- البورانا: تعني القديم ، وهي نصوص دينية مهداة الى الإلهة ، تصف الاساطير المقدسة وممارسات العبادات والحج . رينو(لويس) ،اداب الهند ، ترجمة هنري زغيب ، منشورات عويدات ، بيروت ، باريس ، الطبعة الاولي ، 1989م، ص 21.

[3]- Jacqueline SuthrenHirst , Myth and History , In Themes and issues in Hinduism , Cassell , 1998 , p.143 .

[4]- اسطورة الرامايانا: هي أوديسية الهند في تاريخ الأدب الأسطوري ، وهى من اشهر أساطير الهند واحبها الى النفوس ، وتتناول حياة بطل اسمه ( راما ) نفاه ابوه في غابة الشياطين حيث لقي من المصائب والاهوال الواناً شتي ، ونشب صراع جبار بينه وبين ( رافانا ) ملك الشياطين ، وتمكن ( رافانا ) من خطف زوجته ، فظلت تنتظر زوجها صابرة طاهرة لا تستسلم ليأس ابداً ، والهندي يعتبر " الرامايانا " كتاباً مقدساً ، ويعتبر ( راما ) صورة مجسدة للألوهية ، ولا يزال يتوجه إليه بصلاته ، وهو حين يقرا الاسطورة إنما يشعر بأنه يستمد متعة ادبية وارتفاعا خلقياً . معدى(الحسيني ) ،سلسلة اساطير العالم - الاساطير الهندية ، كنوز للنشر ، الطبعة الاولي ، 2009م، ص 15.

[5]- معدي ، الأساطير الهندية ، ص 16 .

[6]- معدي ، الأساطير الهندية ، ص 16 .

[7]- الندوي(إسماعيل محمد )، الهند القديمة -حضاراتها  ودياناتها ،ص 130.

[8]- معدي، الأساطير الهندية ، ص20.

[9]- لوبون (جوستاف) ، حضارات الهند ، ترجمة عادل زعيتر ،دار العالم للنشر، القاهرة ،الطبعة الاولي ،2009م ، ص461.

[10]-معدي، الأساطير الهندية ، ص21.

[11]- عكاشة (ثروت)، فنون الشرق الأقصى - الفن الهندي ، دار الشروق للنشر، الطبعة الاولي ، القاهرة ، 2005م ، ص 29.

[12]- معدي ، الاساطير الهندية ، ص31.

[13]- لوبون، حضارات الهند ، ص 461:462

[14]- الندوي، الهند القديمة ، ص 132.

الحُلّي الهندية فى العصر المغولى

كتبت د. شيماء محمد يوسف

باحثة دكتوراه – جامعة أسيوط

     ترجع تقاليد الحُلّي الهندية إلى أكثر من خمسة آلاف عاماً [1]، فعرفت الهند صناعة الحُلّي والمجوهرات واصبحت فناً بقدر ما هى صناعة ، وأتقنها الهنود بكل مجالاتها من ذهب وماس وأحجار كريمة [2].

      وليس من قبيل المبالغة القول بأن الحُلّي الهندية فى وفرتها،  واختلاف تصميماتها ، وارتباطها بالعادات الاجتماعية، والطقوس الدينية ، تنفرد على مستوى العالم اجمع[3] .

      وكان هذا من خلال فكرة الجمال التى سيطرت على أهل الهند  ، فقد حوت الآداب الهندية تسجيلاً لستة عشر أسلوباً يمكن للمرأة أن تستخدمها فى التجميل أطلق عليها مسمى  " شرينجار " ، وقد اعتمدت "الشرينجار" على أساليب رئيسية للتزيين تتضمن أكاليل الزهور و الحُلّي والملابس والمساحيق المختلفة التى توضع على الأذرع والسيقان ، وتضم الكتابات القديمة حصراً للحُلّي بدءاً بما تحمله الضفائر وحتى أخمص القدم ، والتى يجب أن تُرتدى وفقاً للوصايا المذكورة [4] .

      وتعد الحلي الهندية بالفعل جزء أصيل من الثقافة الهندية ، ولذلك كان من الطبيعى أن ترتبط الحُلّي بالرجل بقدر ما ارتبطت بالمرأة  ، وإن كان الرجل قد استخدمها على نحو اكثر اقتصاداً ، وقد ارتبطت كل مرحلة من مراحل حياة الفرد بقطعة بعينها من الحُلّي ، وهناك مراحل  يكاد يكون متفقاً على الحُلّي التى تستخدم خلالها ، مثل تسمية الطفل ودخوله مرحلة التعليم وتعميده ، وإنهائه مرحلة التعليم ثم زواجه ووفاته ، وتبدأ هذه السلسلة بثقب أذن الطفل لدى ولادته لوضع قرط بها ، ثم لف سلك رفيع من الذهب أو الفضة حول رسغه ، ثم عقد من الخرز حول رقبته  و يأتى بعد ذلك دور الخاتم فالقلادة [5].

     وظل ارتداء الحُلّي أمراً حتميا بالنسبة للهنود فى كل المناسبات المهمة ، خاصة كانت أم أسرية [6]، لذلك كان الإقبال عليها عظيماً [7]، وعلى الرغم من أن الحُلّي الهندية  تختلف اختلافاً واسعاً فى تصميماتها و اشكالها  ومادتها الخام ، فالأمر المثير أنها تظل فى نهاية  الأمر متموغة بهنديتها[8] .

     ولأن التزيين فن له جذور عريقة فى التراث الهندى ، فإن الحُلّي تعد أحد أساسيات ليلة الزفاف  بالنسبة للعروس فى الهند [9] ، فلا تكاد تترك جزءاً من جسدها دون قطعة حُلّي ، وهناك أشكال وتصميمات مختلفة من الحُلّي للشعر والوجه والجسد ، وهي ليست مصنوعة من مواد تقليدية مثل الذهب والفضة والأحجار الكريمة فقط ، ولكن أيضاً من النحاس ، والخشب والعاج والأصداف ، وهنا تبرز الاختلافات بين العادات والتقاليد المتبعة فى كل منطقة فى الهند [10].

       وعلى الرغم من ذلك التباين فإن هناك تفاصيل صغيرة تكاد تكون مشتركة بين جميع العرائس من مختلف الخلفيات الثقافية[11] ، فوفقاً للتقاليد أن لكل عروس مجموعة من المجوهرات  أساسية كالقرط ، السلسلة ، العقد والخلخال [12] .

       ونلاحظ أن العروس فى المناطق الجنوبية من الهند ترتدى حُلياً شبيهة بتلك التى ترتديها الراقصات فتزين قدميها بالخلاخيل الرنانة ، ومعصمها بعدد من الأساور، وترتدى فى أصابعها خواتم يتصل كل منهما بسلسلة تجمعها فى منتصف كفها الخارجى قطعة واحدة من الحُلّي المصنوعة من الذهب ، ومثل الراقصات الكلاسيكيات تصبغ هذه العروس قدميها ويديها بلون أحمر قانى [13].

        و الحُلّي التى تعطى للعروس عند زفافها تصبح قانوناً ملكاً لها ، ويطلق عليها " ستدريدهان "[14] أو ثروة المرأة ، ويتوجب أن تضم حُلّي العروس مشغولات من المواد الأولية مثل الخرز الأسود والمحار والحديد والنحاس وغيرها مما يعد فالا حسناً ، رغماً عن أن هذه المشغولات تبدو كما لو كانت تنتمى لعهود سحيقة[15] .

       وقد ربط الهنود الحُلّي بحياتهم اليومية ومعتقداتهم [16] ، فأنفردوا أنهم لم يتركوا جزءاً من أجزاء الجسم إلا وإبتدعوا له ما يجمله ، كانت هناك حُلّي حول الرقبة والذراعين والكاحل ، وفى الأذنيين وأصابع اليد وأصابع القدم وللرأس والشعر[17].

      ولم يكن غريباً أن تزدهر صناعة الحُلّي فى الهند ، فقد توفر فى مناجمها العديد من الأحجار الكريمة كالماس ، المرجان ، كما شقوا الأحجار والصخور للعثور على الخرز والفصوص الثمينة كالياقوت الأزرق  كذلك وجد بها اللؤلؤ ، الأصداف ، العاج والمعادن المختلفة [18].

       ولقد اهتم الإمبراطور اگبر ( 963 – 1014 هـ / 1556 – 1605 م )   اهتماماً شخصياً بتشكيل طرز الحُلّي المختلفة ، والتى يتضح فيها التأثيرات الإيرانية والهندية معاً [19].

      وترك الإمبراطور جهانگير( 1014 - 1037 هـ / 1605 – 1627 م ) مقداراً ضخماً من ثروته تحتوى على سبائك متعددة ، وكان يحتوى مخزن السلاح على سيوف مرصعة مقابضها بالجواهر ، كما كان هناك بين أثاث البلاط ثلاثة عشرً مقعداً من الفضة الصلبة وخمسة من الذهب ، وأعدت للملوك خمسة عروش فاخرة اثنان من الذهب وثلاثة من الفضة، أما الإمبراطور نفسه فكان يستعمل سبعة عروش مرصعة بالجواهر لا تقدر بثمن[20] .

        وربما كان أعظم الأباطرة فى هذا المجال هو الإمبراطور شاه جهان ( 1037 – 1069 هـ / 1628 – 1658 م ) الذى كان له حق الاختيار الأول من أغنى منجم جواهر فى الهند - جولكندا- وما كان يريده فقط كان يسمح بتداوله فى الأسواق ، وكان كبار تجار الجواهر يحضرون مصنوعاتهم الجميلة إلى شاه جهان ليفحصها بصفته أعظم خبير فى هذا المجال ، وكان حكمه نهائياً فى عالم الجواهر فى ذلك الحين ، وحتى عندما سجنه ابنه أورنگزيب كانت ترسل إليه الأحجار الكريمة فى السجن الملكى ليقدر قيمتها [21].

        ومن المعروف أن  الإمبراطور اورنگزيب ( 1069 – 1118 هـ / 1659 – 1707 م ) كان متعصباً للدين الإسلامى ، لذلك منع استخدام الحُلّي الذهبية لأفراد الأسرة المالكة ، وكان يفضل بدلاً من ذلك استخدام أحجار الجاد (اليشم /اليشب ) للحُلّي الملكية وكانت ترصع بالماس ، الياقوت ، الزمرد واللؤلؤ ، فكان يفضله ويعتبره مطابقاً لتعاليم الإسلام [22] .

        أما فى عهد خلفاء أورنگزيب فقد اضمحل الفن فى هذه الفترة شأنه شأن الإمبراطورية المغولية نفسها [23] ، و مع تدهور الدولة ترك صناع الذهب مصانع البلاط واتجهوا للعمل فى الولايات التابعة للأمراء مثل حيدر آباد ، جايبور ، البنجاب وغيرها ، واستمروا فى صناعة الحُلّي وفقاً لتقاليدهم حتى نهاية القرن العشرين[24] .

1] -  Krishnan ( Usha .R.B ) & Kumar ( Meera .S ) , Dance of  The  Peacock – Jewellery Traditions Of India ,

India Book House , 1999 , p. 12 .                                                                                                                               

[2] - عبد الكريم ( منى ) ، صناعة الحلي فى الهند ، مجلة صوت الشرق ، العدد 440، مايو – يونيه 2004م ، ص 18.

[3] - ديفى ) كاملا ) ، المشغولات اليدوية فى الهند ، ترجمة مأثر مرصفى ، مجلة صوت الشرق ، العدد 932 ، نوفمبر – ديسمبر ، 1996م ،  ص 17 .

[4] - داس ( مونيكا ) ، فن الجمال – المرأة فى الأعمال الفنية القديمة  ، ترجمة مآثر المرصفى ، مجلة صوت الشرق ، العدد 383 ، سبتمبر –  أكتوبر 1995 م ، ص 13.

[5] -  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 17 ، 18.

[6] -  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 18.

[7] - حسن ( زكى محمد ) ، مكتبة النهضة المصرية ، الطبعة الأولى ، 1948 م ، ص 580 .

[8] - عبد الكريم ، صناعة الحلي فى الهند ، ص 18 ،  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 18 .

[9] - رستم ( محمود ) ، عادات وتقاليد الزواج فى الهند ، مجلة صوت الشرق ، العدد  432، يناير ـ فبراير ، 2003 م  ، ص 35 .

[10] - سيدانا (  ملك راج  ) ، رموز الزواج فى الهند ، ترجمة مآثر مرصفى ،مجلة صوت الشرق ، العدد 428، مايو – يونيو 2002م ،ص 32.

[11] - سيدانا ، رموز الزواج فى الهند ، ص 32 .

[12] - Krishnan & Kumar, Dance Of  The Peacock , P 142      

[13] - سيدانا ، رموز الزواج فى الهند ، ص 34 .

[14] -  Krishnan & Kumar, Dance Of  The Peacock , P 143

[15] - ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 18.

[16] - عبد الكريم ، صناعة الحلي فى الهند ، ص 18 .

[17] -  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 17 .

[18] -  عيسى ( مرفت محمود ) ، المرأة فى التصوير المغولى الهندى والمحلى المعاصر ، دراسة لملامحها ، أزيائها وزينتها ، ندوة اللآثار الإسلامية فى شرق العالم الإسلامى ،1998م ، ص 553 .

[19]-Akhtar ( Nasim ) , Islamic Art of Indian , Islamic Arts Museum Malaysia , 2002 ,p 153.

[20] - زكى ( عبد الرحمن ) ، الحلى فى التاريخ والفن ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، الطبعة الثانية ، يوليو ، 1998م ، ص 121 .

[21] - زكى ، الحلى فى التاريخ ، ص 120 .

[22]-Akhtar, Islamic Art of Indian ,p. 154 .

[23] - الندوى ( مسعود ) ، تاريخ الدعوة الإسلامية فى الهند ، الدار العربية للنشر ، بيروت ، 1951 م ، ص 135.

[24]-Akhtar, Islamic Art of Indian ,p. 154 .

 

سلسلة مقالات تحت عنوان "وادي النطرون تاريخ وآثار"

يكتبها

الأستاذ/ عبدالفتاح عبدالحليم زيتون                   د/ عثمان الأشقر

مدير عام مناطق آثار وادي النطرون                  مفتش التوثيق الأثري والبحث العلمي

وزارة السياحة والآثار                                  وزارة السياحة والآثار

وتنشر بقسم الدراسات بمجلتى كاسل الحضارة والتراث وكاسل السياحة والفندقة

5- دير القديس الأنبا بيشوي الأثري

نبذة تاريخية

   بيشوي كلمة قبطية تعني سامي أو عالي، وقد تأسس هذا الدير علي يد الأنبا بيشوي، والذي عاش خلال القرن الرابع الميلادي(320-417م)، وكان عبارة عن مجموعة من القلالي تحيط بالكنيسة، ولم يكن له أسوار، أما الأسوار الحالية فتعود للقرن التاسع الميلادي، وهي التي حددت مساحة الدير بحوالي ثلالثة أفدنة، وعملت علي حماية الرهبان داخلها من أي إعتداء خارجي، وفي القرن الثالث عشر قام البابا بنيامين الثاني بعمل كثير من الترميمات اللازمة، وأضاف تعديلات كثيرة مازالت باقية حتي اليوم، وسمي هذا الدير بإسم دير القديس العظيم الأنبا بيشوي حبيب المسيح، ويُعرف مختصراً بإسم دير الأنبا بيشوي، وهو دير قبطي أرثوذكسي، ويُعَد أكبر الأديرة العامرة بوادي النطرون، والواقع غرب دلتا النيل شمال مصر، وقد أنشأ هذا الدير أحد كواكب الرهبنة الأوائل وهو الناسك الجليل القديس بيشوي والذي يسمي بشيه ويقال له بشاي أيضاً، وقام بإنشائه بمعاونة مجموعة من الرهبان له أواخر القرن الرابع الميلادي.

وصف الأثر.

   دير الأنبا بيشوي حبيب المسيح هو أكبر أديرة وادي النطرون العامرة مساحة، فمن حيث المساحة الأثرية دون المساحة المضافة تبلغ حوالي فدانين و16 قيراطاً، ويتخذ الدير شكلًا رباعي الأضلاع تحدده الأسوار المحيطة به، ويقع مدخل الدير في النهاية الغربية للسور الشمالي، ويتكون من الداخل من مجموعة من المباني أهمها الحصن، ويقع في الزاوية الشمالية الغربية من الدير. وفي القسم الجنوبي من الدير، تقع كنيسة الأنبا بيشوي وملحقاتها التي تتمثل في "المائدة" وتقع في الغرب، وهيكل كنيسة الأنبا بنيامين وتوجد في الشمال، وكنيسة أبو سخيرون، وكنيسة مار جرجس، والمعمودية في الجنوب، أما في وسط الدير، فتظهر الحديقة محيطة بها عدة مباني، فمن الجهة الشمالية تطل قلالي حديثة نسبيًا بُنيت منذ 60 عاماً ويعلوها المطعمة، أما من الجهة الجنوبية فتوجد قلالي مبنية منذ القرن التاسع ما زالت تُستعمل حتى الآن، أما من الجهة الشرقية فتوجد قلالي حديثة الإنشاء، ويطل من الجهة الغربية مقبرة الرهبان المسماة بالطافوس، وبجوار السور الجنوبي، توجد قلالي قديمة تغطيها أقبية. أما في الركن الجنوبي الشرقي من الدير يوجد كل من المطبخ والطاحونة القديمة والمخبز القديم، وإلى الشمال كان يوجد صف ثانٍ من القلالي ولكنه تهدم، وحل محله بيت الضيافة الجديد الذي شيده رئيس الدير القمص بطرس عام 1926، ويحتوي الدير على مكتبة تُعد من أصغر مكتبات الأديرة، ولقد كانت مكتبة الدير الأصلية في الحصن، ثم نُقلت إلى مبنى خاص بها في الدور الأرضي من بيت الضيافة الجديد، ثم أصبحت بعد ذلك في الحجرة الكائنة فوق المضيفة الملاصقة للسور الشمالي، حتى تم إنشاء مكتبة ضخمة في عهد البابا شنوده عام1989، كما حدثت توسعات عديدة في الدير في عهد البابا شنودة الثالث في الجهة الجنوبية خلف السور الأثري الجنوبي، حيث أنشأ بيتًا للخلوة لإقامة الكهنة الجدد، ومبنى للضيافة يتكون من أربعة أدوار، كما أصبح للدير سبع بوابات ومنارات يعلوها الصليب، ويوجد بالدير أيضاً مقر خاص للبابا وبجواره مخزن متحفي لحفظ آثار الدير ولقد تم ترميم سور الدير والحصن وكنيسة الأنبا بيشوي تحت إشراف هيئة الآثار المصرية.

السور وملحقاته:

   يحيط السور بالدير من جميع الجهات وهو من  الحجر ويبلغ إرتفاعه عشرة أمتار وسمكه متران  يعلوه ممشي له دروة من الجانبين ويبدوا أن الرهبان كانوا يراقبون الغزاة من أعلي السور وحينما يشعرون بالخطر كانوا يهربون إلي الحصن من خلال الكوبري  المرتكز علي السور ويتم رفع الكوبري حتي تنتهي المعركة ويرحل الغزاة.

    ويرجع تاريخ إنشاء السور الأصلي للدير إلي القرن التاسع الميلادي، بين معظم الاسوار الحالية في حديثة وليست من زمن الإنشاء حيث يرجع تاريخ بناؤها للقرن الحادي عشر الميلادي، حيث أنه رُمم وأعيد بناء أجزاء منه، ويظهر في الجانب الغربي من السور عدم وجود تدعيم وتقويه له، وتكسو جدرانه المبنية من الحجر الجيري طبقة من الجص.

    ومدخل الدير يليه ممر له قبو نصف برميلي يؤدي إلى داخل الدير مخترقاً "مبنى الحراسة" قبالة الوجه الداخلي للسور، وهو يعتبر نموذج كامل لمثل هذه المباني الباقية في أي من أديرة وادي النطرون الثلاثة الأخرى، ويتكون الطابق الأرضي لهذا المبنى من غرفتين، واحدة على كل جانب من جانبي ممر المدخل، فالغرفة الغربية منهما يُغطي الجزء الرئيسي من سقفها قبة، أما في النهاية الشمالية للسقف فيوجد قبو نصف أسطواني، كذلك توجد حجرة مستطيلة الشكل فوق الغرفة الشرقية.

القلالي.

   القلالي هي مساكن الرهبان، وتتكون القلاية من حجرتين ودورة مياه وصالة صغيرة للاستقبال، والحجرة الداخلية تسمى "محبسة"، وفيها يختلى الراهب للصلاة والتأمل الروحى، ونوافذ القلاية والمحبسة بحرية قبلية لتكون صحية للتهوية في الشتاء والصيف. ويحتوي الدير بخلاف القلالي القديمة القليلة بجوار السور الجنوبي للدير على قلالي حديثة أقيمت على امتداد السورين الشمالي والشرقي. ولقد أنشأ القلالي الملاصقة للسور الشمالي القمص "يوحنا ميخائيل" رئيس الدير عام 1934 م على أنقاض قلالي قديمة، أما القلالي الملاصقة للسور الشرقي فقد أنشأها البابا شنودة الثالث عام 1978.

   ومن الجدير بالذكر أن القلالي القديمة تمت إزالتها، وكان كل منها عبارة عن حجرتين. كما كان يوجد صف قلالي في المساحة الشمالية من الدير، وصف آخر عند الضلع الجنوبي من المساحة المسوّرة، وصف آخر يوازي المائدة، وهي الآن مجرد أطلال.

   وتم استكمال قلالى الرهبان على مراحل حتى عام 1983، عندما انتهى بناء هذه القلالي كان البناء على شكل حرف U ومن طابقين ويحتوى على حوالى 60 قلاية، عدا مجمع الرهبان (مائدة الطعام) والمطبخ الملحق به، وكذلك حجرات الثلاجات وحفظ الطعام ودورات المياه. وتم بناء مبنى آخر اتخذ شكل الحرف T، ومكوّن من ثلاث طوابق، ويضم حوالى 45 قلاية، وكل قلاية ملحق بها دورة مياه، كما يوجد صهريج سعته 89 متراً مكعباً، ويضم المبنى حجرات للنقاهة للحالات التي تحتاج لرعاية صحية خاصة .

وفي عام 1980، أنشئ مبنى على شكل حرف I ومكون من طابقين، ويحتوى على حوالى 26 قلاية، وكل قلاية ملحق بها دورة مياه. وفى عام 1988م أنشئ مبنى من ثلاث طوابق وبه العديد من القلالى الملحقة بها دورات مياه، وفى عام 1989، تم الإنتهاء من بناء سور ضخم حول هذه المباني الثلاثة المحيطة بها، وذلك للحفاظ على هدوء المنطقة التي يتعبد بها الرهبان، بالإضافة إلى هذه القلالي للرهبنة في حياة الشراكة، هناك أيضاً قلالى للرهبان المتوحدين، فتوجد قلالى منفردة كل منها لها حديقة صغيرة، وأخرى للرهبان المتوحدين بعيدة عن الدير ويتراوح بُعد القلالي عن السابقة من 2 إلى 5 كيلومترات.

الحصن.

   يرجع تاريخ الحصن الحالي إلى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، بعد غارة البربر على الدير عام 1096 م، حيث حلَّ محل الأقدم منه الذي تهدم بسبب الغارة، والذي أمر ببناءه الإمبراطور الروماني زينون في القرن الخامس الميلادي بعد علمه أن ابنته الأميرة "إيلارية" التي اختفت من قصره فجأة، قد التجأت إليه وترهبت فيه حسب بعض المصادر، والذي تهدم بسبب تلك الغارة. وطراز هذا الحصن يُطابق طراز حصن دير الأنبا مقار بشكل عام؛ فيما عدا بعض التفاصيل الثانوية، ويتكون الحصن الآن من طابق أرضي وطابق واحد علوي، ويظهر أنه كان هناك طابق علوي ثانٍ لكنه تهدم، والجسر المتحرك في هذا الحصن تستقر إحدى نهايتيه في الجدار الشمالي للطابق الأول، بينما تستقر نهايته الأخرى فوق سقف مبنى الحراسة، ويتصل بسلالم المبنى الآخر، فكان يُرفع بعد أن يلتجئ الرهبان إليه ويدخلوا فيه.

   الطابق الأول بالحصن يحوي على ممر أمام المدخل، وإلى الشرق منه توجد صالة تتكون من ست وحدات تغطيها قباب محمولة على دعامات، والتي تتكون من خورس وثلاثة هياكل. ولكن تم نزع حجابها ونقله إلى الهيكل الشمالي بكنيسة الأنبا بيشوي، كما أزيلت مذابحها الثلاثة وأبطلت فيها الصلاة، وربما كان يحتوي هذا الطابق على مكتبة الدير يوماً ما، أما الطابق الثاني فقد تهدَّم جزئياً، ولم يتبق منه سوى "كنيسة الملاك ميخائيل" التي ما زالت تُقام بها الصلاة ، وقد رمم هذه الكنيسة البابا يوحنا التاسع عشر عام 1935 م، ويتضح ذلك من خلال كتابة نقش على جدارها الشرقي.

كنائس الدير.

   يحتوي الدير على خمسة كنائس، هي: كنيسة الأنبا بيشوي الأثرية، كنيسة الأنبا بنيامين الثاني، وكنيسة مار جرجس، وكنيسة الشهيد أبو سخيرون، وكنيسة الملاك ميخائيل بحصن الدير.

كنيسة الأنبا بيشوي.

   هي الكنيسة الرئيسية بالدير، وأكبر كنائس وادي النطرون على الإطلاق، ولا يوجد حالياً أي أثر باقٍ من الكنيسة الأولى التي ربما شغلت نفس مكان الكنيسة الحالية التي أعيد بناؤها في القرن التاسع الميلادي؛ بعد غارة البربر الخامسة على الدير، وتحتوي هذه الكنيسة على معالم عديدة ترجع لفترات تاريخية مختلفة، فبينما يُشير الهيكل الرئيسي إلى القرن السادس أو السابع الميلادي؛ فإن التفاصيل الأخرى مثل إضافات القباب المرتفعة والزجاج الملون والزخارف الجصيّة وعمارة الصحن ربما ترجع جميعها إلى القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي، كما أُدخلت تعديلات على مباني الكنيسة ترجع إلى نهاية القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الميلادي،وفي عام 1330 م في عهد البابا بنيامين الثاني، كان هناك إصلاح للمباني التي تسبب النمل الأبيض في إتلاف أخشابها.

     وتُعد هذه الكنيسة من طراز الكنائس الطويلة، والتي تتفق مع الطراز البازيليكي في معالمها الرئيسية، حيث تتكون من صحن وجناحين جانبين، وجناح آخر غربي، وخورس مستعرض، وثلاثة هياكل، ولقد تحوّلت إلى بناء رباعي الأضلاع غير منتظم الشكل بإضافة كنائس صغيرة وملحقات لها، ففي أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الميلادي بُنيت كنيسة أبو سخيرون في الجانب الجنوبي لهذه الكنيسة، ويُلامس ركنها الشمالي الغربي الجدار الجنوبي من الكنيسة التي بُنيت في القرن التاسع الميلادي.

كنيسة الأنبا بنيامين.

   سُميّت هذه الكنيسة على اسم البابا بنيامين الثاني رقم 82، وتسمّى أيضًا كنيسة السيدة العذراء، وقد بُنيت هذه الكنيسة الصغيرة ملاصقة لكنيسة الأنبا بيشوي، وأقيمت في الزاوية التي كونتها الجدران الشمالية للهيكل الشمالي وخورس الكنيسة الرئيسية، والجدار الشرقي للدوكسار الشمالي، ويغطي سقف الكنيسة قبو نصف برميلي، ويوجد بها صندوق ذخائرالأنبا بيشوي. ويغطي سقف هيكل الكنيسة قبة قائمة على مقببات، ويحتوي هيكل الكنيسة على مذبح، منصته معزولة من ثلاث جهات كما في هياكل الكنيسة الرئيسية.

كنيسة مار جرجس.

سُميت على اسم القديس مار جرجس الروماني، ويرجع إنشاء هذه الكنيسة الصغيرة إلى القرن الحادي عشر أو القرن الثاني عشر الميلادي.

وهي تُستخدم الآن كمخزن بشكل عام. ولقد حلّت محل مبنى تهدَّم في تاريخ غير معلوم، والنهاية الشرقية للكنيسة مُقسَّمة بواسطة فاصل جداري إلى هيكلين، تغطي سقف كلٍ منهما قبة صغيرة، وكلاهما يحتوي على مذبح أعلاه لوح رخامي مستطيل الشكل.

كنيسة الشهيد أبو سخيرون

  سميت على اسم القديس أبو سخيرون القليني، ويرجع تأسيس هذه الكنيسة إلى القرن التاسع الميلادي، وهي حاليًا مُقسمة إلى صحن وخورس يفصلهما حجاب خشبي، وهيكل وحيد نصف دائري له حجاب بسيط، ويغطي جسم الكنيسة قبة نصف كروية قائمة على مقببات ترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي. ولا يحتوي الهيكل على منصة مذبح، ولكن يغطي المذبح لوح رخامي مستطيل، وهناك باب صغير إلى جهة الشمال من الهيكل يفتح على ممر ضيق له قبو برميلي يؤدي إلى حجرة المعمودية.

  وفي القرن الرابع عشر الميلادي، عندما أعيد بناء الهيكل الجنوبي لكنيسة الأنبا بيشوي، دُمِّر الهيكل الشمالي لكنيسة أبو سخيرون، لذلك تم بناء الهيكل النصف الدائري في موقع الخورس، وتم تحويل الهيكل الشرقي إلى غرفة المعمودية .

كنيسة الملاك ميخائيل.

   من اسمها يتضح أنها سُميت نسبة إلى رئيس الملائكة ميخائيل، وتوجد هذه الكنيسة على سطح حصن الدير، ويُغطي جسمها قبو نصف برميلي، وتحتوي الكنيسة على هيكل واحد فقط تغطيه قبة منخفضة قائمة على مقببات، وحجاب الهيكل يرجع وجوده إلى العام 1782 م.

"الجميلة أتت"

كتبت - اسمهان محمد حامد

طالبة بالفرقة الثانية بكلية الآداب جامعه دمنهور قسم الآثار المصرية القديمة

إحدى أروع القطع الفنية في العصر القديم.

    الملكة نفرتيتي الملقبة ب " الجميله أتت" التي إشتهرت بجمالها  وإعتُبرت نفرتيتي في انحاء العالم رمزا للجمال الحقيقي كان عمرها15 عام عندما تزوجت  إخناتون الذي حكم البلاد من الفترة( 1353الي1336 )

يعتقد أنها ابنه  " أي "  أحد مستشاري الدولة القديمه وهناك بعض الأدلة تشير الي أنها من مدينة اخميم.

كانت الملكة نفرتيتي رمزاً رائعاً للملكة المصرية والزوجة الملكية العظيمة

  شاركت الملكة نفرتيتي زوجها في عباده الديانه الجديدة فكانوا يعبدون إله واحد فقط وهو عباده آتون قوة قرص الشمس وكانت هي وزوجها الوسيط بين الشعب وآتون

 وقد شيد إخناتون مدينة تسمي "العمارنة" اقامت فيها نفرتيتي مع العائلة المالكة وكان هدف هذه المدينه تكريمهم فكان هناك العديد من المعابد في الهواء الطلق في تلك المدينة

وكانت نفرتيتي واحده من اكثر النساء نفوذًا من أي وقت مضي وقامت نفرتيتي خلال السنوات الأولي لحكم زوجها بتغير اسمها طبقا لتغير عقيدتها فسميت نفسها نفرنفرآتون أي " آتون يشرق لأن الجميلة قد أتت "  ويقول المؤرخين ان فترتهم هي أغني فترة في التاريخ المصري القديم ويعتقد ان الملكة نفرتيتي حكمت فتره وجيزة بعد وفاه زوجها وقبل انضمام توت عنخ آمون ولكن حكمها كان يتميز بفترة من الإضطراب الثقافي الهائل بسبب الهيكل الديني والسياسي الذي وجهه اخناتون حول عباده آتون إله الشمس  

أنجبت نفرتيتي من إخناتون ست بنات هن :-

  • ميريت أتون ولدت في طيبة قبل الإنتقال الي أخت أتون
  • مكت أتون
  • عنخس إن با أتون والتى تزوجت من توت غنخ آمون
  • نفرنفرو آنون تاشيري
  • نفرنفرو رع
  • ستب إن رع

 وأنجبت أيضا ذكرًا وهو توت عنخ آمون وهناك أراء تقول أن ابنتها عنخس إن با آمون تزوجت في النهاية توت عنخ آمون

 إشتهرت نفرتيتي بالتمثال النصفي لوجهها المصور والمنحوت علي قطعة من الحجر الجيري وهو أشهر رسم للملكة نفرتيتي عَثر عليه عالم المصريات الألماني لودفيك بوشاردت في 6ديسمبر  1912بورشه النحات تحتمس في تل العمارنة ولكن هرب بوشاردت بالتمثال الكامل الي منزله في حي الزمالك ومن ثُم الي المانيا مخفيا التمثال ضمن قطع من الفخار عديمة الفائدة مرسله الي برلين للترميم

ويوجد تمثال آخر لرأس الملكة نفرتيتي بالمتحف المصري  من الكوارتزيت الاحمر المزين بلمسات من المداد وهو لا يقل قيمه عن الرأس الموجوده ببرلين ولكنه أقل شهرة منها

وعَثر عالم الأثار الفرنسي فيكتور لوريت في القرن التاسع عشر الميلادى  في سرداب جانبي بمقبره إخناتون علي ثلاث مومياوات واحده لرجل واثنان لنساء ولم يُعتقد ان واحده منهما مومياء للملكة نفرتيتي

ولكن في عام 2002 اعلنت الباحثة البريطانية جوان فليتشر وهي خبيرة في المومياوات وبعد فحوصات بالأشعه السينيه وما رأته فليتشر في اعضاء مومياء في الرقبة والكتفين وانها كانت صليعة الرأس لإرتدائها الشعر المستعار ووجود أثار لحزام من الجلد مطبوعة علي جبين المومياء وأثار لوجود اثنين من الأقراط في الأذن اليسري شُوهدت في بعض صور للملكة وعند العثور ع يديها المكسورة وقد أُمسكت بها صولجان فأكدت ان المومياء الشابه تعود للملكة نفرتيتي

 ولكن الدكتور زاهي حواس انتقد الباحثة فليتشر مؤكدًا ان عُمر المومياء التي أشارت إليها فليتشر يتراوح عمرها بين 16الي20 عاماً في حين أن الملكة نفرتيتي كانت أكبر سناً

ويقوم علماء بدراسة مومياء السيدة الثانية من خلال تحليل الحمض النووي 

تُوفيت إحدي بناتهم وهي ميكيت أتون وقد صور حزنهم عليها في بعض الرسوم الحائطيه

وبعد وفاه ابنتهم إختفت نفرتيتي من الحكم الملكي  وحلت ابنتها ميريت أتون محلها وحصلت علي لقب الزوجة الملكية العظمي وبعد العام الثاني عشر لوفاة إخناتون إختفت نفرتيتي ويعتقد أنها دفنت في مقبره بأخت أتون ويعتقد أن توت عنخ آمون نقلها الي مقبره والده اخناتون عندما هَجر أخت أتون.

التنمر في مصر القديمة

كتبت د. هناء سعد الطنطاوي 

خُلق الكون والبشر باسم الله السلام، فتحيتنا السلام، واعترض الملائكة على خلق آدم لآنهم خافوا على عدم وجود السلام، فقال ربي جل في علاه، قال تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) البقرة: ٣٠

حتى أجسادنا تعمل باسم الله السلام، فتخيل معي إن احتفظ القلب بالدم ولم يرسله لباقي الجسد (سينفجر)، وإذا احتفظت المعدة بالطعام ولم تخرجه (الإنسان يموت)، وإن لم يرسل المخ الإشارات للجسد (تعطل كل مافيه)، فكل شىء يعمل باسم الله السلام انتظم، حتى الشمس لم يأتي يوم وتقول لم أشرق اليوم، ولا القمر ولا أي شىء قهر على طاعة الله، إلا الإنسان متى تدخل في أي شىء فسد، فصنع ما لوث الماء والهواء، ومرض الجسد، واعتلت الروح، هكذا الفرق ما بين صنيعة الله في كونه، وصنع الإنسان في الكون.

ولكننا اجتمعنا على أننا بشر فينا الصالح والطالح متى اختلف الزمان والمكان، واختلفنا في الطباع والأخلاق، ولكننا اجتمعنا على الإنسانية، ولكن ما يختلف في الزمان والمكان والأشخاص هي درجة تطبيق العدل والقانون الذي إذا عاقب شخص واحد بقسوة على فعلته، حمى ألوف غيره من الوقوع في نفس خطيئته، وبالتالي يسلم الجميع من شر الآخر.

وهذا ما فعله المصري القديم هو تطبيق العدل فكان لا يفرق بين حاكم ومحكوم، بين فقير وغني، بين ذو حسب ووضيع، فالكل كان أمامه سواسيه لأنه نظر للعدل على أنه غذاء الروح، وأنه ميزان الله في كونه، حتى مثل الملك وهو ممسك معبود العدالة (ماعت) ويقدمها للمعبود، كأنه يقول (أرد إليك أمانتك لي على أرضك)، فنرى الوزير رخميرع (دولة حديثة- عصر الملك تحتمس الثالث) يقول له الملك (احكم بالعدل فالوزارة (المنصب) مرة، واستمع لشكوى من أمامك، ولا تقاطعه حتى يفرغ من حديثه، فسوف ينقل لي الهواء كل شىء)،

وجاء في قوانين حور محب (أسرة 18) لا تأخذوا الرشوة من أحد وإلا فكيف تستطيعون أن تحكموا بالعدل، كما جاء في إحد بنود قوانينه (معاقبة كل موظف إداري يضطهد الفقراء، ويجمع من الناس أكثر مما يجب جمعه من الضرائب). فالمصري القديم علم أن الحق جند من جنود الله لابد من تطبيقه.

كل هذا كان من بنود نشر الحق والعدل بين الناس في مصر القديمة، ولكن اتفقنا أننا توحدنا في كوننا بنو آدم، ولكن اختلفت طباعنا وأخلاقنا، فكما يوجد الآن الدين والكل يعرف الله، وأن هناك ثواب وعقاب، ولكننا أيضًا نتدنى بطينتنا ونفعل أفعال لا أخلاقية، فنصرخ قائلين أين الحق، وكأن وجود الحرام هو ما أظهر جمال الحلال، وبطش الباطل هو ما أظهر رحمة الحق.

وهكذا في مصر القديمة كان هناك قانون ولكن أيضًا وصل إلينا من تخلوا عن ضمائرهم وأذوا غيرهم ومنهم على سبيل المثال لا الحصر ما وصل إلينا من قصة الفلاح الفصيح (عصر الإنتقال الأول)، ذلك الرجل ابن محافظة الفيوم، وهو أول من عرفنا في التاريخ أنه تقدم بشكوى، والقصة كما ترويها البردية أن فلاح يدعى (خو إنبو)، من بلدة تسمى غيط الملح، من نواحى الفيوم، خرج من قريته يحمل أعشاب وجلود وأحجار شبه كريمة، على حمير ليتاجر فيها بمدينة إهناسيا العاصمة في ذلك العهد، وفي الطريق مر على قرية تسمى (بر فيفي)، كان يتولى أمرها موظف ظالم يدعى (جحوتى نخت)، الذي كان يعمل تحت رئاسة شخص يدعى (رنسي بن مرو)، وطمع جحوتى نخت، في تجارة الفلاح، وأراد أن يستولى عليها ففكر في حيلة خبيثة، واعترضه على طريق زراعي ضيق، كان لابد أن يمر عليه، وقام بتغطية هذا الممر بقماش يغطيه بالعرض، ولما أراد الفلاح المرور بحميره منعه من المرور خشية أن يتلف القماش، فاعتذر الفلاح وابتعد عن القماش، فسار بالقرب من الزراعة فنهره مرة أخرى، وفجأة قام حمار الفلاح بتناول سنابل القمح، فاعتبرها (جحوتى نخت)، فرصته وأصر على أن يقبض على الحمار فاحتج الفلاح، وهدد بإبلاغ الأمر إلى ناظر الخاصة الملكية، فغضب حجوتى نخت، واستولى على بضاعة الرجل وحميره كلها. فانهار الفلاح وعلا صوته واشتد صراخه، واستمر على هذا الحال 10 أيام، وذهب إلى العاصمة إهناسيا ليتقدم بشكوى إلى ناظر الخاصة الملكية (رنسي بن مرو)، وقابله أحد أتباعه واستمع لشكواه، ولكنه كان صديق (جحوتى نخت)، فانحاز له، ولكن الفلاح لم ييأس حتى وصل إلى الناظر (رنسي بن مرو)، وكان من بين ما قال له "اقم العدل امدحك ويمدحك المادحون"، "أزل معاناتي فقد ثقلت واحمنى فقد ضعت"، فأعجب الناظر بالفلاح، وأسرع به إلى الفرعون، وقص عليه قصته، فرد الفرعون عليه بقول (استحلفك بحق ما تحب أن تراني فيه، تؤخره ها هنا ولا تعقب على شىء يقوله عساه أن يواصل حديثه، ثم يؤتي إلينا بحديثه مكتوبًا فنسمعه)، ثم يظهر جمال وإنسانية الحاكم في أن يوصي ناظر ضيعته (رنسي بن مرو)،  أن يتكفل بمعاش زوجة وأبناء الفلاح قائلًا أن القروى من هؤلاء القرويين يأتينا عادة بعد املاق، كما عليك أن تتكفل بمعاشه وتصرف له رزقه دون أن تشعره بأنك أنت معطيه.

وبالفعل تم نسخ شكوى الفلاح الفصيح على برديات، قبل عرضها على الفرعون، وتأتي العظمة في تطبيق القانون وهى حكم الملك على جحوتى نخت الموظف عنده الذي من المفترض أن ينحاز إليه لمنصبه على الأقل ويأمر الملك بعودة ما سلبه جحوتى نخت من الفلاح، وتجريد جحوتى نخت من منصبه وممتلكاته ويؤول كل هذا إلى الفلاح، بل ويعمل جحوتى نخت عند الفلاح. فياسيدى لك أن تعرف أن البقاء للأصلح، فالظلم زائل مهما علي صوته.

وهناك أيضًا تلك المؤامرة التي دبرت لإغتيال الملك رمسيس الثالث، في القصر الملكي من إحدى زوجات الملك رمسيس الثالث وهي الملكة (تي)، لإقصاء الملك عن العرش وتولية الأمير (بنتا ورع) على عرش البلاد، وقد تم كشف المؤامرة وشكل الملك المحكمة بنفسه وتابع التحقيقات، وجاء ساعة الحكم التي لم تفرق بين قريب وغريب، فقضي بإعدام ابنه، وعندما اكتشف تورط اثنين من القضاة فى المؤامرة ضده قضي بإعدامهم إلا أنه اسرعوا واعدموا أنفسهم بأنفسهم. 

وأخير وليس بأخر مجنون التاريخ (با نب)، ذلك الرجل الذي عد له العالم الجليل سليم حسن في موسوعته الشهيرة عن مصر القديمة أكثر من 30 جريمة، وبالرغم من مكانته في ذلك الوقت إلا أنه كان مختل نفسيًا فيقال أنه إذا وجد مجموعة من العمال جالسين معهم يضربهم، ويسرق ملابس الناس، ولكن للأسف لم يصلنا عقوبته.ولكن اعتقد أن القانون الذي طبق على ابن ملك لابد وأنه طبق على ما هو أقل منه.

حقيقة الظلم مر، ولكن يزيل طعم مرارته الحق، فحقيقة لكل زمان ومكان خارجين عن القانون، ولكن لابد مهما علي الظلم، يعلوه الحكم بالعدل الذي يحجم هذا الظلم لأنه لن ولم ينتهى، وإلا لما خلقت الجنة والنار، ولما وجد الثواب والعقاب إلا لأن الخطأ وارد لا محالة.

ولكن دعونا نعقد مقارنة ما بين التنمر حديثًا وقديمًا، كان التنمر قديمًا عضلي، أنا اقدر عليك بقوتى أو بمنصبي، ولكن أنظر حولك وسوف تعرف أن التنمر أصبح بالعقول وفرض السيطرة على الفكر، فنجد جميع الأفلام العربي اتفقت على العري والألفاظ الخارجة، والأفلام الأجنبية اتفقت على قصص العنف والرعب، تخيل معي أن هذا ما يصدره لنا الداخل والخارج، تخيل أن أحد ينام وهو مشاهد لأفلام رعب ودم وزومبي وعنف، ويقول علماء النفس أن العقل لا يميز ما بين حقيقة وخيال، وينبي على آخر تجربة، هذا ما يحيط بنا فهيجوا العنف في النفوس، وحركوا الشهوة فجعلوا الجنس غول ينهش في العقول فانتشرت جرائم بشعة، حولت المرأة ما هى إلا قطعة لحم، ويجرى خلفها حيوان وليس إنسان، تدنينا لمستوانا الأصلى وهو الحيوانية، وضاعت منا ما خلقنا من أجله وهى الترقي للإنسانية.  فالتنمر الحقيقى هو التنمر لإنعدام الفكر والأخلاق وهذا هو الوضع الآن.

مراحل تطور الفن القبطي

         كتبت د/ شهد ذكى البياع

مدير شئون المناطق بمنطقة آثار وسط الدلتا

     وزارة السياحة والآثار

  • مرحلة الصحوة :

      كان الفن الفرعوني كركيزة أساسية  له دور فعال في بنيان الفن القبطي وذلك إلى جوار العامل الأخر الفعال من الحضارة الرومانية واليونانية فكان لابد أن يتوج بعمل فنى خلاب امتدت إليه أيادي ماهره صنعت لنا تراث يعتز ويفتخر به كل مصري

الأساطير اليونانية والرومانية في الفن القبطي :

      أستقر الأمر للبطالمة والاستعمار الروماني، وطمس معالم الأساطير الفرعونية لتظهر الأساطير الإغريقية الرومانية في الإسكندرية حتى انحاء مصر واتخذت بها مركزين رئيسيين هما أنطونيوا – الشيخ عباد الأشموني ثم امتزجت الأساطير اليونانية ذات الطابع السكندري مع الأساطير اليونانية ذات الطابع الوافد من أوروبا ثم انتقلت إلى مصر على أيدي المسيحين الأوائل ، ولكن يختلف الفن القبطي في بداياته عن الفن الذى يسود العالم المسيحي وبالرغم من أنتشار المسيحية وتدمير القبط في القرن الرابع الميلادي للأثار الوثنية إلا ان أغلب رجال الفن كانوا متأثرين في أغلب أعمالهم الفنية بالطابع الهلنستي  إلى حد كبير، ثم بدأ الفن المسيحي في الانحصار عن المبادئ الطبيعية للفن الإغريقي والروماني بميله إلى الإنتاج في عالم الطبيعة و الأشياء المرئية ، وكان الفن المسيحي انعكاس صادق لعظمة العصر الذى يليه ومع ذلك أحتفظ بأنماط قليله ورموز وثنية بعد تنقيتها واستخدامها بطريقه مسيحية كاستخدامهم الفلسفة القديمة لمصلحة الدين.

  • مرحلة الاكتمال :

           في منتصف القرن الخامس الميلادي ظهرت بوادر التحول في نقوش ورسوم الفن القبطي فشهد علي الكثير من القطع الأثرية مناظر زخرفيه خليط من الرموز المسيحية والرومانية اليونانية ، ثم اخذت هذه الرموز في الزوال وافسحت المجال للنقوش والرموز المسيحية البحتة.  

و في هذه الفترة كان للفنان دور لا يمكن اهماله حيث حاول الفنانين منع الاقتباس من الفن السكندري ووجهوا انظارهم الي الفن البيزنطي واقتبسوا نماذج منه ذلك لأنه نبع من البلاد المقدسة التي ولد فيها السيد المسيح علي ذلك، بدا الرهبان الاقباط في تشييد كنائسهم بالصور و الرسوم المسيحية وشرعوا في تقليد الفن البيزنطي مع تميز الشخصية القبطية ،وهكذا غدا الفن المصري المسيحي برمزيتة الجديدة ذو طابع مسيحي سواء كان دينيا او دنيويا و نشأ في البلاد معارض حديثه لهذا الفن الحديث وضمت حرفتين يعشقون عملهم الجديد في اضخم الاعمال كالعمارة والنحت والتصوير و الفنون الدقيقة.

  • مرحلة الانتشار :

        ظل الفن القبطي منذ القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر، وراح ينتشر في انتاجه نوع من الخيال المبدع الذي جعل الزخرفة تطغي علي الموضوع  مما يقربه من الأعمال الفنية الحديثة التي تتميز بالطرافة و الأبداع ، وليتضح لنا مرونة هذا الفن و مشاركته الأدب  السائد دون تعصب نجد انه بينما كان فيه التصوير القبطي في عصره الذهبي يحتفظ بطابع الجد التي تتصف بها الموضوعات السكندرية القليلة المقتبسة كان هذا ايضا يتمثل في الفنون الأخرى كالنسيج المرسوم و زخارف البرونز والعاج المحفور الذي كان يستخدم في تزيين الأعمال الخشبية ولم ترفض المسيحية مثل هذه الامور بل عاش الفن القبطي هذه الموضوعات حتى الفتح العربي. 

مظاهرالرحمة والحنان من واقع التصاوير القبطية

كتب د. عصام أحمد آدم

مفتش الآثار الإسلامية والقبطية

باحث دكتوراة بقسم الآثار –كلية الآداب- جامعة الوادى الجديد

تسعى الإنسانية جمعاء الآن وسط هذا الموج العاتي المتلاطم من الصراعات والحروب الى البحث عن ملاذ آمن تستشعر بداخله الرحمة والعطف والحنان، تلك المشاعر التي من أجلها أرسل الله الرسل فقال: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" ، وحث الأنبياء أتباعهم عليها بالترغيب تارة فقال صلي الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، وبالترهيب تارة أخرى فقال صلي الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم  صغيرنا" .

هذا السعي وان كان الآن قد أجمع الكل عليه، إلا أنه يعد سعياً قديماً قدم الصراع الأزلي بين الخير والشر، فكلما احتدم الصراع واشتد كلما زاد سعي الانسان إلي هذا الملاذ، وهنا يبرز لنا الدور الهام للفن الذي عكس لنا مظاهر الرحمة والعطف والحنان التي كان يلجأ إليها الإنسان، ويشتاق إليها كلما ابتعد به المكان أو الزمان عن هذا الملاذ .

وتجلت لنا تلك المظاهر في فن التصوير القبطي من خلال الموضوعات التي تجسد لنا حنان الأم علي ولدها، وعطف المسيح علي أتباعه، وتعد أيقونات التجسد أوضح نموذج نستشرق من خلاله حنان الأم بولدها وعطفها عليه ورحمتها به، وقد جاءت غالب التصاوير التي تمثل هذا الموضوع منفذة بأسلوب واحد حيث تجلس العذراء في وضع المواجهة، وتضع ابنها المسيح علي فخذها الأيسر، وتحيطه بذراعها من خلف  ظهره وهي تنظر إليه، وكل جارحة من تلك الجوارح  تحمل في طياتها مظهر عطف وحنان يختلف عن غيره فى الأوضاع الأخرى، فوضع العذراء لابنها علي فخذها الأيسر يتيح له الإتكاء علي صدرها من الجهة اليسرى محل القلب، وبالتالي فهي تحيطه بقلبها، وتستشعر قربه منها، وتبعث إليه من خلال دقات قلبها المتكئ عليه من معانى المحبة والرحمة ما يعجز اللسان عن الإفصاح به، حتي أن المشاهد لهذا المنظر يقف حيراناً من روعته لا يدرى، هل العذاراء تحيا بقلبها النابض في أحشائها، أم بذاك الجالس علي فخذها ؟! لذلك تعد هذه الجلسة من الإبداعات التعبيرية التي تميز بها المصور القبطي، وأما وضع ذراعها خلف ظهره، فيحمل في ثناياه كل معانى الحماية والرعاية، فهي تحمى ظهره من أي شيئ يؤذيه، وتفديه بروحها التي عبرت عنها بجزء منها وهي الذراع، وكأنها تخبره بلسان الحال لا المقال امض ولا تعبأ يا صغيرى، فأنا سندك وملاذك الآمن، ستجدنى فى ظهرك أحميك وأدفعك للأمام، ثم يتكرر هذا المشهد وتلك الأحاسيس من الأمام، اذ يبرز كف اليد ليحوطه برعاية من الأمام، وكأنها تطمئنه: لا تخش ممن خلفك، وستجدنى أمامك، فلاعليك  إلا أن تجد في السير ولا تلتفت، ويختم الفنان تلك الأيقونة الرائعة التي تفوح بمشاعر العطف والحنان بشيئ ساحر تتجسد من خلاله كل الأحاسيس السابقة بصورة رائعة متقنة، هذا الشيئ هو نظرات عيني العذراء لابنها، استطاع الفنان من خلال جلسة العذراء الشامخة التي تدل علي الكبرياء والعزة، مع نظرة عينيها لولدها المليئة بالضعف والإنكسار الناتجين عن شدة حبها وولعها بابنها، استطاع أن يجمع بين المتناقضات بأسلوب فني عظيم، كأنه يخبر عنها أنها وان كانت تستطيع أن تتحدى العالم كله، إلا أنها لاتستطيع ذلك مع ولدها وفلذة كبدها، ولسان حالها يردد قول الشاعر:

إنما أولادنا بيننا      أكبادنا تمشي علي الأرض

أما عن عطف السيد المسيح ورحمته و حنانه بأتباعه فتجسده لنا صورته وهو يضع يده علي كتف أحد اتباعه، وقد أمسك بيده الأخري الإنجيل، والصورة تعكس لنا كم الإحتواء والحنان الذي كان يتعامل به المسيح مع أتباعه، ورغم أن القديس هنا لم يعاصر المسيح وإنما جاء بعده بقرون، إلا أن المصور أراد أن يعبر من خلال الجمع بين المسيح والقديس في صورة واحدة عن أن محبة المسيح وحنانه وعطفه مستمرون على طول الزمان لكل من تبعه وسار علي نهجه، انه دائماً قريب من أتباعه، يرعاهم ويحوطهم بعطفه وحنانه، فوضعه ليده علي كتف القديس يدل علي تواضع المسيح وقربه من القديس وكأنه صاحب أو أخ له،  وحمله للكتاب المقدس في يده الأخرى إشارة إلي أن كل من آمن بهذا الكتاب وعمل بما فيه سيناله ما نال القديس من رضا المسيح عنه وقربه منه، كما أن نظرات العيون تشعرنا بالرضى من كلا الطرفين عن الآخر، فقد رضي المسيح عن القديس لنقاء سيرته وسريرته، ورضي القديس أن يحتويه المسيح بعطفه وعنايته وحنانه .

   ويلاحظ فى الموضوعين السابقين أنهما تضمنا البحث عن الرحمة والعطف والحنان في رحم الصراع بين الخير والشر، وأجواء ملبدة بغيوم القسوة والجبروت، فالعذراء جسدت لنا أسمي درجات العطف والحنان بابنها حين اشتد عليها الغمز واللمز والطعن في عرضها وشرفها من قبل اليهود، وفي صورة المسيح وهو يضع يده علي كتف أحد أتباعه، جاءت الصورة لتجمع بين زمنين متباعدين كان العذاب والإضطهاد هو القاسم المشترك بينهما، فاستطاع الفنان ان يستلهم من هذا القاسم المشترك مظاهر تجسد مشاعر العطف والرحمة والحنان .

هل كان الفنانون الأوائل في الغالب نساء ؟ دراسة حديثة ترد علي هذا التساؤل.

كتب د.ياسر الليثي الباحث الباليوأنثروبولوجي.

هذه الرسوم لنسخ اليد موجود في كهف إل كاستيلو في كانتابريا بإسبانيا ، ربما صنعها رجل (يسار) وامرأة (يمين) ، على التوالي.

اكتشف علماء الآثار مئات نسخ اليد على جدران الكهوف في جميع أنحاء العالم. نظرًا لأن العديد من هذه اللوحات المبكرة تعرض حيوانات مثل البيسون ، الرنة ، الخيول ، الماموث الصوفي - اقترح العديد من الباحثين أنها صُنعت بواسطة صيادين من الذكور ، ربما لتاريخ قتلهم أو كنوع من "سحر الصيد" لتحسين نجاح مطاردة القادمة , و لكن هناك دراسة جديدة تشير إلى خلاف ذلك,  فقد قام عالم الآثار دين سنو من جامعة ولاية بنسلفانيا بتحليل رسوم نسخ اليد الموجود في ثمانية مواقع كهفية في فرنسا وإسبانيا, حيث قام بمقارنة الأطوال النسبية لأصابع معينة ، قرر سنو أن ثلاثة أرباع بصمات اليد كانت من الإناث , وبذلك اقترحت نتائج الدراسة أنّ معظم الرسوم في كهوف العصر الحجري القديم قد رُسِمَت مِن قِبَل نساء وليس رجال كما يُعتقد.

رسوم اليد تُعتبر البدايات الأولى لرسوم العصر الحجري القديم حيث كان يضع الشخص يده على جدار الكهف ويرسم بأداة موضوعة في فمه، و يوجد هذا النوع من الرسوم في كهوف أستراليا، إفريقيا، الأرجنتين، إسبانيا، وفرنسا.

حتى الآن فإن الرسوم اعتُبِرَت عائدة لرجال بسبب طبيعتها حيث أنها دائمًا ما تصف صيد الحيوانات والنساء وهو ما يلخص حياة الرجل الصياد في هذه المرحلة , تم العثور على نسخ اليد وبصمات اليد في الكهوف في الأرجنتين وإفريقيا وبورنيو وأستراليا, لكن الأمثلة الأكثر شهرة هي من لوحات الكهوف التي يعود تاريخها إلى ما بين 12000 إلى 40،000 عام في جنوب فرنسا وشمال إسبانيا.

بحسب الباحث، 75% بالمئة من هذه الرسوم رسمتها نساء، مما قد يشير إلى دور اكبر لهم في هذا العصر , وقال سنو ، الذي دعمت أبحاثه لجنة البحوث والتنقيب التابعة للجمعية الوطنية الجغرافية للبحث العلمي "كان هناك تحيز للرجل في الأدب لفترة طويلة". "لقد قدم الناس الكثير من الافتراضات التي لا مبرر لها حول من قام بهذه الأشياء.

كان سنو يدرس الرسوم في كهوف العصر الحجري القديم التي تظهر الأيدي بشكلٍ خاص ولمدة عقد كامل، بدأ الامر عندما قرأ عن دراسة تشير إلى أن متوسط أطوال الأصابع تختلف حسب جنس الشخص, حيث أن إصبع البنصر يكون أطول عند الرجال من إصبع السبابة، والعكس عند النساء، وعند ملاحظة الرسوم في الكهوف وجد العالم أن أصابع اليد تبدو وكأنها لنساء , و لذلك طوّر الباحث أحد البرامج الالكترونية علي الحاسوب قام بإنشائة لتوقع أصل الرسوم بناءً على المعلومات المعطاة استنادًا إلى مجموعة مرجعية من الأيدي من المنحدرين من أصل أوروبي الذين عاشوا بالقرب من جامعته. باستخدام عدة قياسات - مثل طول الأصابع ، وطول اليد ، ونسبة إصبع السبابة إلى السبابة ، ونسبة إصبع السبابة إلى الأصابع الصغيرة - يمكن للبرنامج أن يتوقع ما إذا كانت بصمة اليد المعينة ذكر أم أنثى , ووجد أنه كان قادر على التوقع الصحيح بنسبة 60% عند تطبيقه على المتطوعين، وكذلك وجد أن الفروق بين أصابع الرجال والنساء في العصر الحجري القديم أكثر وضوحا من الفروق في إنسان العصر الحالي لذلك توقع أن تكون  أكثر دقة عند تطبيقها على رسوم إنسان العصر الحجري القديم.

عبر الكثيلر من الخبراء عن مجموعة واسعة من الآراء حول كيفية تفسير بيانات سنو الجديدة ، مشيرين إلى العديد من الألغاز التي لا تزال تحيط بهذا الفن المبكر, حيث قال عالم الآثار بول بيتيت من جامعة دورهام في إنجلترا , تعتبر رسوم نسخ اليد فئة خادعة حقًا من فن الكهوف , لأنه يبدو عند رؤيتها أنه يوجد صلة واضحة  بيننا وبين أهل العصر الحجري القديم ونعتقد ببساطة أننا نفهمها ، ومع ذلك كلما تعمقنا في دراستها أكثر فأكثر ، أدركنا مدى فهمنا السطحي لها.

ويضيف سنو صاحب الدراسة أن في معظم مجتمعات الصيادين ، الرجال هم الذين يقومون بالصيد, لكن غالباً ما تكون النساء هن اللائي يجرن اللحوم إلى المخيم ، والنساء يهتمن بإنتاجية الصيد مثل الرجال, و يقول سنو (لم يكن الأمر مجرد حفنة من الرجال هناك لمطاردة البيسون)

تثير الدراسة الجديدة العديد من الأسئلة أكثر مما تجيب, علي سبيل المثال  لماذا تكون النساء الفنانات الأساسيات؟ هل قاموا فقط بإنشاء بصمات اليد ، أو بقية الفن أيضًا؟ هل يثبت تحليل رسوم اليد إذا لم يكن الفنانون بشرًا ، ام الاشكال الاولي للإنسان البدائي؟ لكن السؤال الذي يطرحه سنو في أغلب الأحيان هو لماذا ترك هؤلاء الفنانون القدماء بصماتهم على الجدران.

 

يقول سنو "ليس لدي أي فكرة ، لكن الفرضية الجيدة هي أن هذا ما يقوله أحدهم:

(هذا لي ، لقد فعلت هذا).

المصدر

https://www.nationalgeographic.com/news/2013/10/131008-women-handprints-oldest-neolithic-cave-art/

 

دخول الحمام مش زي خروجه

كتبت - زهرة الأمير

مفتش آثار إسلامية

مثل شعبي يحكي تفاصيل يوماً مع العاملين بالحمامات العامة

     ذهب رواد أحد الحمامات يستغيثون بـ "شيخ الحمامية" ليحسم الخلاف بينهم وبين "معَلِّم" أحد الحمامات العامة الذي وضع لافته علي باب الحمام مكتوب عليها أن "دخول الحمام مجاناً" كنوع من الدعاية عند افتتاحه للحمام... حيث كانت من مهام "شيخ الحمامية" الإشراف علي تسليم الحمام وعدته، وملاحظة أسلوب العمل في إستقبال الرواد وخدمتهم وتأمين راحتهم وبالتالي الحفاظ علي سمعة الحرفة، وحل المشاكل بين أربابهم والعاملين بها وبين أولئك ورواد الحمام... فبدأوا في سرد أحداث المشكلة التي حدثت بسبب تلك اللافتة حيث تهافت الناس علي دخول الحمام فاستقبلهم "المعلم" بالبشاشة والترحاب - وهو: نادراً ما يكون صاحب الحمام فغالباً ما يكون مستأجره ومموله والقائم علي شئونه، ويعمل جميع العاملين بالحمام تحت إمرته وكان يطلق عليه أيضاً الحمامجي أو المدولب-. وتسلم المعلم منهم الأشياء الثمينة لحفظها كأمانات عنده وهو يجلس علي تخته الخاص الموجود بصدر الحجرة الباردة بعد دخولهم من المدخل المنكسر مباشرة والذي قد تم أختيار مكانه حتي يستطيع ملاحظة الرواد أثناء دخولهم وخروجهم. ثم أمر العاملين بالحمام الاهتمام بالزبائن وتلبية جميع مطالبهم وتأمين راحتهم، فقد كان يعمل بالحمامات فريق عمل متكامل من الخبراء والمختصين وكان العامل يمر بمراحل يتدرج خلالها في صنعته من مرحلة الصبي إلي درجة الأسطي وكان يحتفل به كلما تخطي مرحلة من هذه المراحل.

 فكان أول من تلقاهم في الحجرة الباردة "الناطور" - وهو: الحارس والنائب الذي ينوب عن المعلم عند عدم تواجده ويشترط فيه الأمانة والنظافة وحسن الخلق وبشاشة الوجه فعليه أن يقوم بتحية الداخلين إلى الحمام كما أن عليه أن يدعو للخارجين منه - فسأل الناطور الزبائن عن رغبتهم في كيفية الإستحمام وعما إذا كان منهم من يريد إزالة الشعر؟ ومن يرغب في التكيس والتدليك؟ أم يريد الاستحمام بنفسه دون مساعده؟ فترك من يريد أن يستحم بمفرده إلي حيث شاء، أما من يريد منهم أن يتلقي الخدمة عن طريق المختصين فساعدهم لخلع ملابسهم ووضع أغراضهم الخاصة بأماكنها المعتادة ثم قدم لهم المـآزر والمناشف والقباقيب الخشبية واصطحبهم إلي الحجرة الدفيئة خلال الممرات الضيقة المعبأة بالبخور الذكي والأبخرة التي تعمل علي تهيئة الأجساد تدريجاً علي الحرارة العالية.... فالتقوا  علي مصطبة الحجرة الدفيئة بـ "المزين" - وهو الذي يقوم بالحلاقة للزبائن وأحياناً يتولى عمليات الختان للذكور. ويصفه الهمذاني في مقاماته بأنه " حديد الموس، نظيف الثياب، قليل الفضول"- فأتم عمله علي أكمل وجه وبعد ذلك إستقبلهم في مدخل الحجرة الساخنة " التُبَع" - وهو: يعمل كمساعد لكل من المعلم والناطور وأيضاً الريس ومن اختصاصه القيام بنقل الماء البارد ليعدل من حرارة الماء الساخن كما كان يقوم بأدوار ثانوية في تحميم رواد الحمام كغسل الرأس وتلييف الظهر وإزالة الشعر في حالة انشغال الريس- فأجلسهم علي مصطبة الحرارة التي تتوسط الحجرة الساخنة لانتظار إخلاء المقصورات الخاصة الملحقة بالحجرة الساخنة.

 وفي أثناء الإنتظار رش "التبع" بعض الماء علي ممر بيت النار (المغطس) المواجه ليتصاعد البخار فتعرق الزبائن وتحللت مفرزات أجسادهم كما أحضر طاسات نحاسية كبيرة ليضعوا فيها أقدامهم، وبعد فترة من الوقت دعا "الريس" (المدلك) الزبون يلي الآخر إلي مقصورة الصنعة ليقوم بمهامه - فكانت وظيفته كما يصفها صاحب المقامة : " ودخل آخر فجعل يدلكني دلكاً يكد العظام، ويغمزني غمزاً يهد الأوصال" وكان يجب عليه أن يكون متقناً لصنعته، يغض طرفه ويخشن كفه"-

وبعد أن جلس الزبون أمام "الريس" تناول الأخير قفازاً من الصوف أو الوبر وبدأ في تدليك وتفريك صدر الجسد بادئاً بجزئه الأيمن ثم الأيسر وبعدها استلقي الزبون علي وجهه وتناول الريس ظهره بالتدليك والتفريك ثم جلس الزبون مرة أخري وجهاً لوجهه مع الريس فكيس تحت إبطيه ووجهه وبعدها صب الماء الساخن علي جسم المستحم حتي يزول كل درنه، ثم غسل له رأسه ثلاثاً وعقب كل مره يصب علي رأسه وجسده الماء الساخن ليزيل ما عليه من صابون وبذلك أنتهت عملية التحميم تلتها عملية الصوبنة بنفس الخطوات المتبعة في التفريك ثم نهض الزبون فسكب الريس الماء تعميماً لكامل جسده.

ثم أتي "التبع" بالمناشف البيضاء النظيفة واصطحب الزبون بعد الأخر وأخرجه ليستريح بالحجرة الدفيئة  ليتلاءم جسده تدريجياً مع اعتدال حرارة الحجرة الدفيئة وقدم له المشروبات. ثم نادي علي "الناطور" ليتسلمه ويجفف عرقه ويبدل مناشفه بمناشف جافة، فسار به إلي الحجرة الباردة وتناوب تبديل المناشف حتي جف عرقه تماماً ثم ساعدهم في إرتداء ملابسهم.

 وفي نهاية الزيارة عندما قرر الزبائن الخروج من الحمام... رفض المعلم تسليمهم أمانتهم التي بحوذته إلا بعد دفع أجرة استخدام الحمام....هنا فوجىء الزبائن بتراجع الرجل عما كتبه على اللافته بان دخول الحمام مجاناً!! وعندما واجهوه بما كتب على الباب رد قائلاً "دخول الحمام مش زى خروجه" وأصر أن يدفع كل منهم المال. وأصبح رد صاحب الحمام مثلاً شعبياً يتداوله الناس عندما يتورط شخص فى مشكلة بالرغم من أن بدايتها لم تكن تنبئ بنهايتها.

من الجدير بالذكر أن الحمامات شاركت في العصرين المملوكي والعثماني في توفير فرص العمل بالمدن التي شيدت بها، فقد كانت سبباً مباشراً في ظهور عدد من الوظائف الخاصة بخدمة العدد الكبير المتوافد عليها يومياً. وقد إختلف عدد العاملين بالحمام  زيادةً أو نقصاناً حسب كبر الحمام أو صغره من جهة وحسب عدد واتساع المقاصير من جهة أخري، كما أن موقع الحمام ونوعية رواده له دور أيضاً في عدد العاملين به. كما أنه يوجد عدد آخر من العاملين بالحمام لا علاقة لهم بمرتادي الحمامات، ومع ذلك يمثلون جانباً رئيسياً في عمل الحمام ونقصد بذلك كل من الزبال والقميمي أو الوقاد والتبعين لهم.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.