د.عبدالرحيم ريحان Written by  تموز 10, 2021 - 55 Views

"القيم الإستثنائية فى آثار وتراث مصر" ورشة عمل بمتحف رشيد الوطنى بالتعاون مع كاسل الحضارة

Rate this item
(0 votes)

فى إطار التعاون بين  متحف رشيد الوطنى بقطاع المتاحف بوزارة السياحة والآثار ومجلة كاسل الحضارة والتراث الإلكترونية الدولية المتخصصة  ضمن مجموعة كاسل جورنال الدولية للصحافة والإعلام ورئيس مجلس إدارتها والمالكة الدكتورة عبير المعداوى عقدت بمتحف رشيد ندوات أون لاين تطبيق  Microsoft Teams تحت عنوان " إطلالات على القيم الاستثنائية والتفرد فى آثار وتراث مصر"  يومى 5 – 6 يوليو الحالى حاضر بها  كتاب كاسل الحضارة والتراث المتميزين مع زيارات ميدانية للمواقع الأثرية

وصرح خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان المدير التنفيذى لكاسل الحضارة والتراث بأن الورشة الأولى عقدت يوم الإثنين 5 يوليو وترأس الجلسة الأستاذ سعيد رخا مدير عام المتحف والذى أشاد بالتعاون المثمر بين الجانبين وقدم الشكر للدكتورة عبير المعداوى والدكتور عبد الرحيم ريحان وشرح الإرشادات المتبعة فى هذه الندوات وبلغ عدد الحضور للندوة حوالى 200 من الفئات المستهدفة من طلبة الآثار والتاريخ والإرشاد السياحى

وقام الآثارى ياسر الليثى باحث الأنثروبولوجيا والمصريات- باحث دكتوراه في أنثروبولوجيا ما قبل التاريخ بإلقاء محاضرة بعنوان "  الرسوم الصخرية المصرية شاهدًا علي نشأة نواة العقائد الدينية للإنسانية في مصر" قدّم فيها فى البداية نبذة عن  القيم الاستثنائية لمصر إبان فترة العصر الحجري القديم الأعلي علي مستوي الأنثروبولوجيا الطبيعية متمثلة في إحدي أهم و أروع قطع ما قبل التاريخ في العالم , ألا و هي هيكل نزلة خاطر الموجود حالياً بمتحف الحضارة المصرية بالفسطاط, و علي مستوي الأنثروبولوجيا الثقافية متمثلة النقوش الصخرية بمنطقة القورطة بكوم أمبو و هب تُعد احد أقدم النقوش الصخرية فب القارة الإفريقية و العالم.

ثم  تحول إلى الحديث عن  فترة العصر الحجري القديم الأعلي  إلي الدور الريادي لمصر في عصر النيوليتيك أو فيما يعرف بالعصر الحجري الحديث, حيث تذخر مصر بتاريخ حضاري عريق في تلك الفترة تمثل في تاريخ الوجود البشري في الصحراء الغربية المصرية و هو تاريخ موغل في أعماق الزمن ، حيث أن كل المعطيات والشواهد  الأركيولوجية و نتائج دراسات المناخ القديم وضحت بصفة جلية الوضع المناخي الممطر و الرطب التي كانت تتمتع به تلك المناطق -خلال بعض فترات ما قبل التاريخ- مناسبًا لحياة الإنسان والحيوان والنبات، يختلف تماماً عن المناخ الحالي، مما دفع ببعض الباحثين إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى لحضارة الإنسان و خاصة النواة العقائدية خلال عصور ما قبل التاريخ في شمال أفريقيا بوجه عام قد بدأت في ذلك المكان   و لكن بعد ذلك انتهت فترة العصر الحجر الحديث التي شهدت "الثورة النيوليتية" التي تمثلت في تنوع النشاط البشري وكثافته بالصحراء الغربية مع بداية مرحلة قاسية من التصحر المتواصل للمنطقة وما صاحبه من اختفاء الأنواع الحيوانية الناتج عن تدهور الغطاء النباتي والجفاف الطويل و لم يبقي من كل ذلك سوي الرسوم الصخرية كشاهدا علي التكوين العقائدي العميق الذي حاول أن يفسر ما هو ما بعد الموت, و دليلاً على النظرية القائلة بأن عدة مفاهيم تقليدية وعقائدية و دينية ربما كانت مرتبطة بمصر القديمة وحضارتها تمت صياغته في منطقة الجلف الكبير قبل عدة مئات من السنين على الأقل قبل ظهورها في حضارة مصر القديمة لاحقا.

ونوه ياسر الليثى  إلي أن هناك ثلاث كهوف رئیسیة  إحتوت علي مناظر مختلفة المضمون عن باقي الرسوم الصخرية في شتي أنحاء العالم مثل رسوم كهف لاسكو بفرنسا و رسوم كهف التاميرا بإسبانيا , و هو الأمر الذي فرض الحضارة المصرية في ما قبل التاريخ على موائد البحث والتنقيب كونها واحدة من أقدم حضارات الكون التي بدأت الفكر في العالم الأخر و إعطاء صورة توضيحية لما يلاقيه الموتي بعد الموت، كما استطاعت أن تتصدر اهتمامات وشغف المئات من علماء العالم بشتى جنسياتهم، وكانت محط أنظار الباحثين في الشرق والغرب على حد سواء طيلة العقود الماضية ليس فقط لشهره و عراقة الحضارة الفرعونية و لكن لثراء وتميز أثار ما قبل التاريخ في مصر.

وأكد الليثى للسادة الحضور أنه و بالرغم من مصرية تلك الحضارة، جغرافياً وتاريخياً، إلا أن العلماء الأبرز في دراسة الأنثروبولوجيا الأركيولوجيه وهو أحد فروع علم الأنثروبولوجيا العامة الذي يختص بدراسة ما قبل التاريخ المصري القديم من نقوش و رسوم ملونة وفنون وديانة وحفريات، كانوا أجانب ,هذا هو الواقع،الأمر الذي لم يوفي مصر قدرها المستحق في دراسات ما قبل التاريخ الخاصة بنشأة العقيدة, حتي ظهر في الأونة الأخيرة جيل من علماء الانثروبولوجيا الأثرية المصريين من خلال عدة كليات متخصصة أبرزها علي الاطلاق كلية الدراسات و البحوث الإفريقية و التي تذخر بعلماء متميزين في علم الأنثروبولوجيا مثل الدكتور الكبير محب شعبان و الاستاذ الدكتور سعد بركة و الدكتور تامر جاد  و جهودهم علي مر سنوات في تعليم و تدريس مناهج الأنثروبولوجيا و التي ساعدتني كأحد طلاب تلك الكلية و تتلمذت علي يد تلك الكوكبة من العلماء المصريين المذكورين في تفسير و تقديم تلك الفرضيات عن الأصول الماقبل تاريخية لبعض المفاهيم العقائدية التي استمرت فيما بعد في مصر القديمة و شكلت جزءًا هامًا من دياناتها و ثقافتها.

وألقى المحاضرة الثانية الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بجنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار،  المدير التنفيذى لمجلة كاسل الحضارة والتراث بعنوان " دير سانت كاترين قيمة عالمية استثنائية، يلقيها الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بجنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار

وأوضح أن دير سانت كاترين الذي يقع في جبل الطور بوسط شبه جزيرة سيناء المصرية يمثل رمزا لتعانق الأديان ونقطة لتلاقي مسارات الأديان السماوية الثلاث كما جسّد زيارة متكاملة بالمعلومة والصورة لدير سانت كاترين، شارحًا المعالم المعمارية والفنية والحضارية للدير والوادى المقدس، خاصة وأن الدير مسجل كأثر من آثار مصر فى العصر البيزنطي الخاص بطائفة الروم الأرثوذكس عام 1993، ومسجل ضمن قائمة التراث العالمى (يونسكو) عام 2002، لتفرده كأهم الأديرة على مستوى العالم والذى أخذ شهرته من موقعه الفريد فى البقعة الطاهرة التى تجسدت فيها روح التسامح والتلاقى بين الأديان.

وأشار الدكتور ريحان إلى المعالم المعمارية للدير وتشمل الكنيسة الرئيسة (كنيسة التجلي) التى تحوى داخلها كنيسة العليقة الملتهبة وتسع كنائس جانبية صغيرة، كما يشمل الدير 10 كنائس فرعية، قلايا للرهبان، حجرة طعام، معصرة زيتون، منطقة خدمات، والجامع الفاطمي، ومكتبة تحوى 4500 مخطوط منها 600 مخطوط باللغة العربية الى جانب المطويات علاوة على المخطوطات اليونانية الأثيوبية، القبطية، الأرمينية، السريانية، وأقدمها يعود للقرن الرابع الميلادي. كما تحوي المكتبة عددًا من الفرمانات من الخلفاء المسلمين لتأمين أهل الكتاب.

وتناول ريحان قصة إنشاء الدير من خلال وثيقة تؤكد أن المكلف ببناء الدير من قبل الإمبراطور جستنيان فى القرن السادس الميلادى قد تم إعدامه، وتعرّض للأدلة التى تؤكد أن جبل موسى الحالى بمنطقة الوادى المقدس هو جبل الشريعة الذى تلقى عنده نبى الله موسى عليه السلام ألواح الشريعة، وأن الشجرة الحالية بجوار كنيسة العليقة المقدسة هى الشجرة التى ناجى عندها نبى الله موسى ربه، وكذلك تأكيد بناء الجامع الفاطمي داخل الدير فى عهد الآمر بأحكام الله 500هـ 1106م بالأدلة الأثرية وليس الحاكم بأمر الله، مما يدحض كتابات علماء الغرب ومن نقل عنهم في مصر عن ارتباط بناء الجامع بحادثة تعدي على الدير.

وكذلك استعراض صحة العهدة النبوية المحفوظة بمكتبة الدير وأهميتها ودورها فى الحفاظ على الدير وكنوزه كما هي من وقت إنشائه، والإضافات المعمارية والأثاث على الدير فى العصور الإسلامية المختلفة وعهود الأمان للمسيحيين من الخلفاء المسلمين، وتأثر المخطوطات المسيحية بمكتبة الدير بالحضارة الإسلامية، حيث تبدأ بالبسملة وتختتم بالحمد لله وتؤرخ بالتقويم الهجري.

كما ألقى الضوء على أيقونات الدير وتصنيفها تاريخيًا وفنيًا إلى ستة أقسام، ومنها الأيقونات المسبوكة بالشمع وأيقونات من القرن السابع حتى التاسع الميلادى التى رسمت فى فترة الفتوحات الإسلامية وكان لها دور مهم فى الإسهام بشكل قاطع فى تشكيل وصياغة الفن المسيحى للأجيال اللاحقة، وأيقونات من القرن التاسع إلى الثانى عشر الميلادى، وأيقونات المينولوجيا الخاصة بالتقويم الشهرى لخدمة الكنيسة، والأيقونات السينائية والأيقونات الكريتية مع عرض نماذج منها.

ولفت الدكتور ريحان إلى أن ورشة اليوم الثانى الثلاثاء 6 يوليو وترأس الجلسة الأستاذة أميرة الشوربجى مسئول التعليم المتحفى بالإسكندرية ورشيد  وتضمنت محاضرة بعنوان "      دور المتحف في الصناعة الثقافية " ألقاها الدكتور  محمد عطية هواش مدرس بكلية الآثار - جامعة القاهرة - باحث في العمل المتحفي وإدارة مواقع التراث مفهوم الصناعة الثقافية والسلع الثقافية تضمنت أربعة جوانب للصناعة الثقافة: السلع الثقافية ، والخدمات الثقافية ، رأس المال الثقافي والبيئة الثقافية

وأوضح أن السلع الثقافية   تتكون من عناصر ثقافية مادية  مثل المباني التراثية والمواقع   والأعمال الفنية (على سبيل المثال ، اللوحات ، المنحوتات) أو غير مادية مثل الأدب والموسيقى وما إلى ذلك.  والسلعة الثقافية تحمل رمزا للقيمة حيث تكون معبرة عن أمة من الامم او مرتبطة بتقليد يمارسه جماعة انسانية معينة او مرتبطة بالدين او تكون لها رمزية لعدد من انواع القيمة مثل القيمة التاريخية والفنية وبالتالي يجب ان تحوي السلعة قيمة ثقافية حتي يمكن اعتبارها سلعة ثقافية

وتعتبر الخدمات الثقافية  هي جميع انواع الخدمات الثقافية التي تقدمها المؤسسات المعنية. قد تتخذ هذه الخدمات الثقافية العديد من الأشكال المختلفة  مثل زيارة المتاحف أو حضور الحفلات الموسيقية أو قراءة الكتب. وكافة الخدمات الثقافية تهدف الي ابراز قيم التراث الثقافي بكلا نوعيه المادي وغير المادي  وتسهل الاستفادة منه .

وأشار الدكتور محمد عطية إلى أن رأس المال الثقافي هو الموروث من الماضي وهناك عملية مستمرة لخلق سلع ثقافية جديدة من خلال استثمار هذا الموروث، والتي تضاف بعد ذلك إلى المخزون الثقافي.ويشمل راس المال الثقافي السلع الثقافية  بالاضافة الي الخدمات الثقافية والمناخ (البيئة) الثقافية هو تفاعل وتكامل العناصر السابقة من سلع ثقافية وخدمات ثقافية ويمكن  اعتباره مرادفا لراس المال الثقافي، والقاطرة الاساسية لعمل صناعة ثقافية حقيقية هي تحليل وقراءة السوق Market analysis المراد تسويق السلع الثقافية فيه سواء كان السوق الداخلي او السوق الخارجي والذي يجب ان يقوم بعملية دراسة السوق الثقافي مجموعة من خبراء التسويق مشاركة مع المشتغلين بمجال التراث

كما تحدث عن أنواع المتاحف ووظائفها ومنها متاحف الاثارلعرض المقتنيات الاثرية من الممكن ان تكون متاحف مغلقة ويتم العرض فيها داخل فتارين او عرض حر خارج المبني  مثل المتحف المصري ومتحف الفن الاسلامي

ومتاحف الفنون وتعرف ايضا بمعارض الفنون لعرض اللوحات والصور والمنحوتات واعمال السراميك والمعادن مثل متحف محمود خليل و المتاحف الموسوعية وتعتبر مؤسسات ثقافية كبيرة ويقدموا للزائر مجموعة كبيرة من المعلومات علي المستوي المحلي او الدولي وهي متاحف غير متخصصة اي انها شمولية ومتاحف المنازل التاريخية وهو مبني تحول واعيد تاهيله وتوظيفة متحفا ويرجع ذلك لاهمية صاحب المبني او وقوع احداث تاريخية هامة في المبني  وهنا المتحف تتعدد مهامة لانه يحكي قصة المبني وصاحبة اضافة للمقتنيات التي يحويها اذا كانت ذات صلة بصاحب المبني او لا . مثل متحف بيت الامة والمتاحف التاريخية وتحوي مجموعات ومقتنيات تحكي قصة معينة لمنطة محددة والمقتنيات في هذه الحالة ربما تكون وثائق او مقتنيات فنية او اثرية اوغير ذلك ومن الممكن ان تكون في مبني خصص من الاساس ليكون متحف او مبني تاريخي وتم توظيفه  مثل متحف دنشواي ومتاحف التاريخ الحي هي نوع المتاحف التي يتم تمثيل الاحداث التاريخية بها او عمل الحرف التقليدية بها حيث يتاح ذلك لرواد المتحف بصورة حية . مثل القرية الفرعونية

كما نوه الدكتور محمد عطية إلى المتاحف البحرية وهى المتاحف المتخصصة لعرض التاريخ البحري أو الثقافة أو الآثار. تعرض المتاحف البحرية الأثرية في المقام الأول القطع الأثرية وحطام السفن المحفوظة التي تم انتشالها من المسطحات المائية. متاحف التاريخ البحري تعرض وتثقف الجمهور حول الماضي البحري للبشرية. مثل المتحف البحري بالاسكندرية والمتاحف العسكرية والحربية ومتاحف متخصصة في التاريخ العسكري. عادة ما يتم تنظيمها من وجهة نظر أمة واحدة والصراعات التي شارك فيها هذا البلد. إنهم يجمعون ويقدمون الأسلحة والزي الرسمي   وتكنولوجيا الحرب والأشياء الأخرى مثل المتحف الحربي ومتاحف متنقلة والمتاحف التي ليس لها مكان عرض ثابت  يمكنهم الانتقال من متحف إلى متحف كضيوف. حيث تنقل معروضات من متحف الي متحف اخر لعرضها وتسمي في تلك الحالة اعارة ومتاحف التاريخ الطبيعي عادة ما تعرض أشياء من الطبيعة مثل الحيوانات المحنطة أو النباتات المتحجرة. يعتبر متحف له جانب تعليمي عن التاريخ الطبيعي والديناصورات وعلم الحيوان وعلم المحيطات والأنثروبولوجيا والتطور والقضايا البيئية وغيرها مثل متحف حديقة الحيوان ومتاحف العلوم هي نوعية المتاحف المتخصصة  في العلوم وتاريخ العلوم. في البداية كانت عبارة عن عروض ثابتة للأشياء ولكنها الآن مصنوعة بحيث يمكن للزوار المشاركة وبهذه الطريقة يتعلمون بشكل أفضل عن مختلف فروع العلم.   مثل  قاعة الفضاء بمتحف الطفل

كما أشار إلى الاطار القانوني للصناعة الثقافية في مصر ووضع الاطار القانوني للاستثمار ونشر الثقافة الاثرية  قرار رئيس مجلس اللوزراء  رقم 1201 لسنة 2004 المنشور بالجريدة الرسمية – العدد 28 (تابع) في 8 يولية سنة 2004  واهم ملامح هذا القرار التالي :

اولا : الشكل القانوني للشركة المنشأة للاستثمار في الاثار

هي شركة قابضة تسمي الشركة القابضة للاستثمار في مجالات الاثار ونشر الثقافة الاثرية ويكون لها ان تنشيء شركات تابعة لمباشرة نشاطها وما يرتبط بذلك من انشطة ( مادة 1)

وهنا يعني بالشركة القابضة

  هي: الشركة التي تملك الأسهم المتداولة لمجموعة شركات أخرى، بحيث يكون لديها اليد العليا في إدارة هذه الشركات، وتسمى هذه الشركات بالشركات التابعة.

وهي بالتالي شركة لا تنتج سلع أو خدمات، ولكن كل وظيفتها هي إدارة أو الاستثمار في شركات أخرى، والتي تسمى الشركات التابعة. وهذا يعني ايضا أن الشركة القابضة هي كيان اقتصادي، والذي يمتلك النصيب الأكبر في أسهم شركات أخرى من أجل التحكم بها والسيطرة عليه.

وهنا يجب الاخذ في الاعتبار ان فكرة انشاء شركة قابضة للاستثمار في الاثار تعتبر بمثابة طريقة جديدة لادارة مرفق عام تابع للدولة حيث من المتعارف عليه ان مصر دولة مركزية الادارة وتعتبر من نوع الادارة المركزية المطلقة (الوزارية )  بحيث انه تحتوي الحكومة المركزية علي عدد كبير من الادارات والمصالح والوحدات التي تنتشر في العاصمة وفي الاقاليم ومن مثالب هذا النوع من الادارة ان سلطة البت النهائي في امر من الامور تكون للوحدات التي تمثل المستوي الاعلي من الحكومة وهو ما يقيد سلطة الوحدات التابعة في اتخاذ اي اجراء دون الرجوع الي السلطة العليا المركزية

وبالتالي فان وجود شركة قابضة سوف يغير من نمط الادارة المركزية المباشرة من قبل الدولة الي ادارة لامركزية ( ادارة مرفق اقتصادي استثماري ) وبالتالي ستكون هناك حرية في اتخاذ القرار دون الرجوع للادارة المركزية مثلا الاتفاق مع شركات للتطوير او اشراك شركات قطاع خاص في ادارة واستغلال الاماكن الاثرية بمقابل ويتم الخضوع لقانون الاستثمار والملكية الفكرية لحكم العلاقات القانونية الناشئة عن نشاط تلك الشكة القابضة هنا ستكون طريقة الادارة الجديدة تسمح باشراك الجمهور والقطاع الخاص مما يدفع لنجاح مشاريع ادارة التراث

ثانيا : الشركة المنشأة للاستثمار في الاثار تغير من طريقة الادارة لمرفق الاثار

كما سبق الاشارة الي مركزية الدولة المصرية وكافة اداراتها فان الشركة القابضة للاستثمار في الاثار اتجهت النمط جديد من الادارة وهو ( اللامركزية المصلحية – ادارة المرفق الاقتصادي ) طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة الثانية حيث نصت علي التالي " ويتولي مجلس ادارة الشركة القابضة ومجالس ادارة الشركات التابعة وضع كافة اللوائح المالية ولوائح المخازن والمشتريات ولوائح العاملين بها ويسري علي العاملين بهذه الشركات قانون العمل المشار اليه ,وذلك فيما لم يرد بشانه نص خاص في اللوائح التي  يضعها مجلس ادارة كل شركة .

يتضح هنا بشكل قاطع تحول طريق الادارة الي ادارة المرافق الاقتصادية وبرز دور الشركة القابضة والشركات التابعة لها في وضح اللوائح المنظمة للعمل ماليا واداريا ويظهر ذلك جليا في خضوع موظفي تلك الشركات لقانون العمل وليس قانون العاملين المدنين او قانون الخدمة المدنية المعمول به حاليا وقانون العمل يخضع له كل العاملين بالشركات علي اختلاف انواعها

ثالثا : مجال الشركة والشركات التابعة لها ونشاطها

تناولت المادة 9 من القرار السابق الاشارة اليه الانشطة التالية

1-    انتاج وبيع العاديات الثقافية بجميع انواعها واشكالها

2-    النشر الورقي والالكتروني عن الثقافة الاثرية وبيع منتجاتة  مثل مواقع المتاحف علي الانترنت والجولات الافتراضية في المتحف التي يتم عرضها علي موقع المتحف علي شبكة الانترنت

3-    اقامة واستغلال اماكن تقديم الخدمات بالمتاحف والمناطق الاثرية

4-    استغلال صور مقتنيات المتاحف والمناطق الاثرية في المتاحف والخدمات مثلا تذاكر النقل 

5-    انتاج سلع او تقديم خدمات باستخدام التقنيات والمواصفات التي يتبناها المتحف او الموقع الاثري مع استخدام العلامة التجارية للمتحف او الموقع الاثري مثل مصنع العبور للمستنسخات الاثرية

6-    تقديم الاستشارات للمتاحف والهيئات الاثرية الاخري في بلدان العالم المختلفة

7-    تقديم الخدمات في مجال ترميم الاثار

8-    اقامة منشأت ثقافية مستوحاه من التراث الحضاري المصري

9-    اقامة بنك للصور عن الاثار المصرية واتاحة خدمة التصوير داخل المتاحف وفي المواقع الاثرية , مع الحفاظ علي حقوق الملكية الفكرية  مثلا تصوير الافلام السينمائية والافلام الوثائقية

 خلاصة دور المتحف في الصناعة الثقافية

  • محلا لترويج السلع الثقافية في الحديقة المتحفية او المحلات المعدة لذلك في حرم المتحف
  • يعتبر موقع تصوير سينمائي ووثائقي
  • موقع المتحف علي الانترنت والبيانات المرفوعه عليه من صور للاثار وداتا عن تلك الاثار والجولات الافتراضية تعتبر عنصرا هاما في الصناعة الثقافية
  • نظام الادارة له مردود كبير في قدرة المتحف علي التاثير في محيطه وتنشيط الصناعة الثقافية

مقترح المتحف الدائم الملحق بالسفارات والقنصليات المصرية بالخارج لتعزيز دور المتحف في اسهامه بالصناعة الثقافية

من خلال صالات العرض الدائم والمؤقت وتغيير سيناريو العرض وعمل قاعات الانشطة  وتعزيز عرض التراث المشترك بين مصر والدول المراد عمل متحف دائم بها  من حيث النشأة لهذا التراث علي سبيل المثال وجود مقتنيات ثقافية هي بالاساس كانت مستوردة من دولة اخري او المكتشفين مثلا البعثات الاجنبية العاملة في مصر بحيث يكون معروضات المتحف المراد انشاؤه في دولة بالخارخ من نتاج الحفائر لبعثات تلك الدولة مثلا .

وهنا يمكن اعتبار المتحف علي ارض مصرية لكونة من الاماكن التابعة للسفارة والتي لها حرمة وحصانة طبقا لاتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 ويمكن ادارة المتحف بالخارج طبقا لقرار رئيس مجلس اللوزراء  رقم 1201 لسنة 2004 من خلال الشركة القابضة للاستثمار .

وستكون لفكرة انشاء متحف بالخارج ملحق بالسفارات المصرية بعض المزايا منها

1-    التقليل من سفر المعارض بصورة دائمة وانتقالها من بلد لاخر وبالتالي تقليل المخاطر التي يمكن ان تلحق بالاثار

2-    الاندماج في الحياه الثقافية للدولة التي يتم انشاء المتحف بها وبالتالي يسهل نقل الخبرات في ادارة التراث الثقافي واستثماره عن طريق الاحتكاك المباشر بالحياة الثقافية بتلك الدول

3-    من خلال تلك المتاحف يمكن تبادل معروضات مع متاحف تلك الدول بعمل صالات عرض مؤقته يتم استعارة مقتنيات اثرية مصرية من متاحف تلك الدول وهو ما يعتبر ادماج اثارنا بالخارج بالصناعة الثقافية المصرية حتي ولو لم تكن في ملكية وحيازة الدولة المصرية بعمل سناريو عرض متحفي مع مثيلاتها من القطع الاثرية في المتحف الملحق بالسفارة .

والمحاضرة الثانية بعنوان  " مقياس النيل في العصر الفاطمي" ألقاها الدكتور محمد أحمد أحمد إبراهيم أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد بكلية الآداب جامعة بني سويف موضحًا أن  زيادة النيل في كل العصور كانت بمثابة مؤشر الثروة القومية للبلاد، ومن ثم كان طبيعيًا أن يهتم المصريون منذ فجر تاريخهم بوضع مقاييس للنيل من أجل معرفة مقدار الزيادة والنقصان، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهتهما، وليكون المقياس ـ أيضًا ـ معيارًا صادقًا للزراعة والري وتقدير الضرائب كل عام لذلك شهدت مصر وجود عدد من المقاييس المتحركة والثابتة طيلة عصورها التاريخية منذ العصر الفرعوني وحتى العصر الإسلامي. ويُعد مقياس النيل بجزيرة الروضة من أهم المقاييس في تاريخ مصر الإسلامية وأشهرها؛ إذ صار الاعتماد عليه بعد ذلك وأبطل العمل بالمقاييس الأخرى.

ينسب بناء مقياس الروضة إلى العصر العباسي، إذ أمر الخليفة العباسي المتوكل على الله (232-247هـ/847-861م) ببناء هذا المقياس بعد أن تهدم المقياس القديم الذي كان قد شيده عامل خراج مصر في العصر الأموي، أسامة ابن زيد التنوخي عام 97هـ/715م، في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك فيذكر المقريزي : " وبطرف الروضة المقياس الذي يقاس فيه ماء النيل اليوم، ويقال له المقياس الهاشمي، وهذا آخر مقياس بنى بديار مصر، قال أبو عمر الكندي: ورد كتاب المتوكل على الله بابتناء المقياس الهاشمي للنيل، وبعزل النصارى عن قياسه، فجعل يزيد بن عبدالله بن دينار، أمير مصر، أبا الرداد المعلم، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب الخراج في كل شهر سبعة دنانير وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين

إذًا فمقياس جزيرة الروضة هو آخر المقاييس المائية التي ظلت مستمرة منذ العصر العباسي، وظل قياس ماء النيل عليه حتى العصر الفاطمي وما بعده، فمثل بذلك أقدم الآثار الإسلامية الباقية بعد البقايا الأثرية بجامع عمرو بن العاص، والتي ترجع إلى أعمال الوالي عبد الله بن طاهر (212هـ/827م).

وقد شهد مقياس النيل في العصر الفاطمي اهتمامًا وتطورًا لم يشهده خلال العصور السابقة، فلم يكتف الفاطميون بأنهم ورثوا المقياس كبناء معماري ذي وظيفة تتعلق بقياس مياه الفيضان، بل أضافوا له فوق هذا أبعادًا جديدة على المستوى السياسي والديني والاجتماعي، فضلاً عما أضافوه من الاحتفالات والرسوم المتعلقة به، وما وضعوه لهذا المرفق من نظم إدارية ومالية أدت إلى استمرارية عمله بكفاءة على مدار قرنين ونصف القرن.

على الجانب الآخر كانت شخصية متولي المقياس والقائم على إدارته من الشخصيات التي حظيت باهتمام الخلفاء الفاطميين ورعايتهم، كما ارتبطت به في عصرهم بعض الألقاب والرسوم التي لم تكن موجودة قبلهم.

وتحدّث عن عمارة المقياس وهندسته التى جذبت اهتمام مؤرخي مصر الإسلامية والرحالة العرب والمسلمين، فلم تخل كتاباتهم من وصف لهذا البناء أو الإشادة بدقة بنائه وهندسته، مما يدل على أهميته وتفرده بين المنشآت المائية في العالم الإسلامي

وتتكون عمارة المقياس من بئر مربعة التخطيط ذات جدران حجرية منحوتة، وتضم هذه البئر ثلاث طبقات أو أدوار، الجزء السفلي على هيئة دائرية، أما الأوسط والأعلى فعلى هيئة مربعة، ويحتوي الجانب الشرقي للبناء على ثلاثة أنفاق تسمح للمياه بالانسياب إلى البئر، أما وسط البئر فقد وضع فيها عمود رخامي ثماني الأضلاع طوله ستة عشر ذراعًا أو 10.5 مترًا، ويحمل علامات قياس محفورة بطول العمود بالأذرع والقراريط وقد ارتكز هذا العمود إلى قاعدة من خشب الجميز " لأنه الوحيد الذي لا يتأثر بالمياه" وذلك لتثبيته من أسفل، وثُبِّت من أعلى بواسطة كمرة من الخشب المجوف المحشو بالرصاص عليها بعض الكتابات بالخط الكوفي لبعض آيات القرآن الكريم باللونين الأزرق والذهبي، تتفق وأغراض الماء والزرع والنماء، وهي كتابات لا ترجع إلى عصر الإنشاء

ويلاحظ عدة أشياء على هندسة المقياس الذي يُعد مفخرة هندسية للمهندسين العرب المسلمين :

1-    أن جدران البئر التي شيدت بالحجر المنحوت المتقن قد صُمِّمَت بحيث يزيد سمكها كلما ازداد عمقها في الأرض، فالدور السفلي كان على هيئة دائرية يعلوه الدور الأوسط والأعلى وأضلاعهما أكبر من قطر الدور السفلي الدائري، و يدل هذا التدرج في سمك الجدار على دراية ومعرفة بالنظرية الهندسية الخاصة بازدياد الضغط الأفقي للأتربة على الجدران كلما زاد عمقها، كما أن أسلوب نحت الأحجار يدل على عناية ودقة فائقتين، والأهم من ذلك هو انتقاء نوع المونة التي استخدمت في لصق الأحجار فظلت تقاوم التحلل بفعل الماء فترة تزيد على الألف سنة

2-    إن مراحل العمل في بناء المقياس وُضِع لها تنظيم وتوقيت دقيق، وذلك منذ البدء في حفر بئر المقياس والأنفاق الموصلة إليها، وحتى الانتهاء من بناء البئر تمامًا، ثم وضع عمود المقياس وسط البئر وتثبيته، فقد كان لابد من الانتهاء من ذلك في فترة ما بين هبوط منسوب النيل إلى الحد الذي يكاد يجف فيه تمامًا فرع النيل بين الروضة والفسطاط، وبين بدء فيضانه مرة أخرى، أي ما يقرب من ستة أشهر فقط

3-    إن الحفرة التي عُمِلت لبناء البئر داخلها عبارة عن مستطيل، عرضه ستة عشر مترًا وتسعون سنتيمتر من الشرق إلى الغرب، وطوله من الشمال إلى الجنوب واحد وعشرون مترًا وثمانون سنتيمترًا، وارتفاعه قريب من أربعة أمتار من ابتداء مستوى الأرض إلى السطح، والارتفاع من ابتداء قاع الحوض إلى رأس القبة المغطى بها الحوض، قريب من أربعة وعشرين مترًا وستين سنتيمترًا، فكان الأمر يستلزم حفر ما لا يقل عن 1200 متر مكعب من الأتربة والطين اللزج في هذه الفترة الزمنية

4-    إن الأنفاق أو السراديب الموصلة لماء النيل إلى البئر صُمِّمت في الجانب الشرقي بعضها فوق بعض، وطول كل منها نحو السبعين ذراعًا، وهي مسافة طويلة ومقصودة، إذ يذكر ابن دقماق : " والحكمة من ذلك أن السرب إذا كان قريبًا يتحرك الماء داخل الفسقية، وإذا كان بعيدًا لا يتحرك داخلها " وهو ما يؤدي إلى إعطاء قراءة صحيحة على عمود المقياس، فضلاً عن أن حركة المياه في النيل من الجنوب إلى الشمال وبالتالي لا يوجد اتجاه حركة للمياه في الناحيتين الشرقية والغربية.

5-    كذلك يستوقف النظر أن البناء وضع فوق ( طبلية ) من جذوع الشجر المعشق المتين التي وضعت فوق الرمل مباشرة كأساس ترتفع فوقه جدران البئر، والتي عملت في الوقت نفسه كقاعدة يرتكز عليها العمود الأوسط، بحيث لا يتعرض للهبوط أو الزحزحة من مكانه إذا كان له أساس منفصل

كل هذا جعل من هذا البناء نموذجًا فريدًا من نماذج العمارة المائية في مصر، استمر بفضل هذه الدقة والإتقان يمارس عمله لعدة قرون.

أما عن مهندس المقياس فرغم اختلاف المصادر بشأن شخصيته والتي نسب بعضها بناء المقياس إلى شخض يدعى أحمد بن محمد الحاسب فيما نسب البعض الآخر هذا البناء إلى شخص يدعى أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني فقد أوضحت إحدى الدراسات الحديثة التي تناولت هذا الموضوع أن أحمد بن محمد الحاسب، وأحمد بن محمد بن كثير الفرغاني هما في الحقيقة شخص واحد قام ببناء هذا المقياس

ومن الجدير بالذكر أن هذا المقياس عُرف بعدة أسماء منها : المقياس الهاشمي لبنائه في خلافة بني العباس وهم من بني هاشم كذلك عُرف "بالمقياس الجديد" و" المقياس الكبير " تمييزًا له عن " المقياس القديم " الذي شُيد في العصر الأموي على يد أسامه بن زيد عام 97هـ/716م أما تسميته بمقياس الروضة فلوقوعه في الطرف الجنوبي الشرقي من الجزيرة التي ذكر السيوطي سبب تسميتها قائلاً : "أنشأ فيها الوزير الأفضل بن شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، في بحري الجزيرة بستانًا نزهًا سماه الروضة، وتردد إليه ترددات كثيرة؛ ومن حينئذ صارت الجزيرة كلها تُعرف بالروضة "

ولفت إلى متولي المقياس في العصر الفاطمي وكان أول من تولى الإشراف على مقياس الروضة عقب بنائه عبدالله بن عبدالسلام بن أبي الرداد، الذي عرف بالمؤدب والمؤذن والمعلم وهي كلها مرادفات لمهنته الأولى بعد أن هاجر من البصرة إلى مصر، إذ  عمل معلمًا للقرآن والحديث في جامع عمرو بن العاص، إضافةً إلى إقامته للآذان به

وقد ظل ابن أبي الرداد يتولى مهمة إدارة المقياس والإشراف عليه حتى وفاته عام 266هـ/879م، لتصبح هذه الوظيفة متوارثةً في أسرته من الأبناء والأحفاد حتى العصر العثماني، مع الاحتفاظ بلقب الجد الأعلى فأصبح كل من يتولى هذه الوظيفة يُلقب بابن أبي الرداد

وقد حفظت لنا المصادر بعض أسماء من تولى إدارة المقياس في العصر الفاطمي، فمنهم صَدقة بن أبي المكارم بن صدقة المصري شرف الدين بن أبي الرداد، وإسماعيل بن يحيى بن محمد بن أبي الرداد فضلاً عن ذكر بعضهم بالألقاب التي أضيفت إليهم، فقد أورد كل من ابن ميسر والمقريزي نصًا يوضح  إطلاق الدولة الفاطمية لقب ( ثقة الدولة ) على متولي المقياس فيذكر : " وفيها رتب قاضي القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسر مشارفًا على ثقة الدولة ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس "كما عُرف بأمين النيل، فيذكر ابن الزيات :

" قبور بني الرداد أمناء النيل لهم حكايات في الأمانات والصدق ... وقبر البزاز قريب من الخلعي عند تربة بني الرداد أمناء النيل " كذلك يذكر كل من المقريزي والسيوطي ضمن ألقابه لقب قاضي البحر : " وعلامة وفاء النيل ستة عشر ذراعًا أن يُسبل أبو الرداد قاضي البحر، الستر الأسود الخليفي على شباك المقياس "

ولاشك أن هذه الألقاب وتعددها تعكس أهمية متولي المقياس في العصر الفاطمي ومكانته، إذ لم نسمع عنها في العصور السابقة، وهي من جهة أخرى دليل على أهمية هذا المرفق وفعاليته في عهدهم.

أما عن أعمال متولي المقياس فقد تعددت، إذ كان عليه وقبل حدوث الفيضان بمدة تقرب من الشهرين أن يراقب زيادة النيل يوميًا، فيذكر ابن الطوير في هذا الصدد : " إذا أذن الله سبحانه وتعالى بزيادة النيل المبارك، طالع ابن أبي الرداد بما استقر عليه أذرع القاع في اليوم الخامس والعشرين من بؤونة، وأرخه بما يوافقه من أيام الشهور العربي، فعُلم ذلك من مطالعته وأخرجت إلى ديوان المكاتبات فنزلت في المسير المرتب بأصل القاع، والزيادة بعد ذلك في كل يوم تؤرخ بيومه من الشهر العربي وما وافقه من أيام الشهر القبطي، ولا يزال كذلك وهو محافظ على كتمان ذلك لا يُعلم به أحد قبل الخليفة وبعده الوزير. فإذا انتهى في ذراع الوفاء، وهو السادس عشر، إلى أن يبقى منه إصبع أو إصبعان وعلم ذلك من مطالعته أمر أن يحمل إلى المقياس في تلك الليلة من المطابخ عشرة قناطير من الخبز السميذ وعشرة من الخراف المشوية وعشرة من الجامات الحلواء وعشر شمعات، ويؤمر بالمبيت في تلك الليلة بالمقياس " ويضيف القلقشندي : " وقد جرت عادة صاحب المقياس، أنه يعتبر قياسه زمن الزيادة في كل يوم وقت العصر، ثم ينادي عليه من الغد بتلك الزيادة أصابع من غير تصريح بذَرع ...... فإذا وفى ستة عشر ذراعًا صرح في المناداة في كل يوم بما زاد من الأصابع، وما صار إليه من الأذرع، ويصير ذلك مشاعًا عند كل أحد "

ويتضح من نصي ابن الطوير والقلقشندي أن متولي المقياس كان يراقب مياه النيل داخل المقياس، قبل حدوث الفيضان بفترة طويلة ثم أثناء الفيضان، مسجلاً التغيرات التي تحدث في ارتفاع الماء أو انخفاضه على أذرع المقياس في سجل مخصص لذلك، ثم يُعلم الخليفة والوزير أولاً بهذه الزيادة عن طريق مكاتبة أو رقاع يرسلها إلى ديوان المكاتبات، وفي كل الأحوال لا يعلم العامة بهذه الزيادة وهذا القياس إلا إذا أتم الماء الوصول إلى الذراع السادس عشر، أما قبل ذلك فيكون إعلامهم بزيادة الأصابع فقط

ولاشك أن هذا العمل كان يتطلب عدة أشياء منها اليقظة والدقة والأمانة فضلاً عن المهارة الحسابية لمقابلة قياس أذرع المقياس على الأعوام السابقة والمقابلة بينهما، لذلك كان عمله محل ثقة الدولة التي أطلقت عليه لقب " ثقة الدولة ".

على أن عمل متولي المقياس لم يكن ليقف عند تسجيل زيادة الماء داخل المقياس أو انخفاضه، بل كان عليه ـ أيضًا ـ مراقبة القنوات والعيون الموصلة لماء النيل إلى فسقية المقياس، وتطهيرها أولاً بأول من تراكمات الطين والطمي وهي على ما يبدو كانت من أهم الأمور التي كان على صاحب المقياس القيام بها، إذ إن إهمالها أو التهاون فيها كان يُعرض متولي المقياس للعقاب بل وأحيانًا وضع مراقبين عليه للتأكد من ذلك، فيذكر المقريزي في أحداث عام 415هـ/1024م: "كان الشريف أبو طالب بن العجمي صاحب الصناعة قد تنكر على ابن أبي الرداد، وأهانه، وتقابحا في الخطاب، فضربه الشريف واعتقله، فأقام قاضي القضاة أبوالعباس أحمد بن أبي العوام مشارفين على ابن أبي الرداد، لسؤاله القاضي في ذلك، وهما أبو الحسن سليمان بن رستم، والخليل بن أحمد بن خليل ليُنهيا إليه ما يصح من أمر المقياس، فوجدا مجاري الماء مسددة، ووجدا ابن أبي الرداد يتناول في كل سنة خمسين دينارًا لكنس المجاري، ووجدا الماء قد انتهى إلى حد، فلما فتحت المجاري طلع الماء إلى حد أكثر من الحد الذي كان عليه "

ويبدو أن إهمال متولي المقياس تكرر مرة أخرى، مما استدعى تعيين مشرف لمراقبة أعمال ابن أبي الرداد في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله، إذ يذكر ابن ميسر والمقريزي في أحداث عام 522هـ/1128م: "وفيها رتب الآمر قاضي القضاة أبا عبدالله محمد بن ميسر مشارفًا على ثقة الدولة ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس، وعمل مصالحة، فاستمر إلى أن قُتل ابن ميسر ثم بطل، فلم ينظر بعده أحد على هذه الجهة "

كذلك كان على متولي المقياس إسبال الستر الأسود على شباك المقياس إذا انتهى الماء عند الذراع السادس عشر، لكي يشاهده الناس ويستبشروا بوفاء النيل إذ كان التغير في مستوى الفيضان سواء بالنقص أو الارتفاع الجامح يعيد إلى ذاكرة الناس قصة السبع سنوات العجاف التي وردت في سورة يوسف وكان تخليق المقياس هو آخر الأعمال التي يقوم بها متولي المقياس في حضور كل من الخليفة والوزير وصاحب بيت المال ووجوه الدولة، وهو العمل الذي كان يصاحبه احتفال كبير لم نسمع عنه قبل العصر الفاطمي، وسنحاول الحديث عنه وتحليله في موضعه.

وتابع موضحًا عمارة المقياس فى العصر الفاطمى فعلى الرغم من وجود مقياس النيل قبل مجيء الفاطميين لمصر بأكثر من مائة عام، ومعاصرته لكل من الدولتين الطولونية والإخشيدية، إلا أنه لم ينل العناية والاهتمام اللازمين إلا في عهد الفاطميين، إذ لم تمتد يد الإصلاح والعمران إليه منذ إنشائه إلا في عهد الطولونيين، فقد قام أحمد بن طولون عام 259هـ/872م بإصلاح المقياس وقدر له ألف دينار، وأزال بعض الكتابات القديمة منذ عهد المتوكل على الله ووضع اسمه عليها، مع ترك التاريخ الأصلي للبناء أما في عهد الفاطميين فقد فاق اهتمامهم وعنايتهم بالمقياس من سبقهم، إذ أفردوا له رسومًا لتنظيفه وتجديد عمارته، فيذكر كل من المقريزي والسيوطي : " كان للمقياس في الدولة الفاطمية رسوم لكنس مجاري الماء خمسون دينارًا في كل سنة تطلق لأبي الرداد "

كما يذكر المسبحي في أحداث عام 414هـ/1023م إجراء إصلاح على مجاري الماء بالمقياس : " وفيه حُكي أن الشريف العجمي الحسني متولي الصناعة غَور مجرى مقياس ماء النيل بمصر " كذلك تم عمل سور حول المقياس لحمايته، فيذكر المقريزي : " وفي سنة 415هـ/1024م أمر ببناء حظير دائر على مقياس النيل بالجزيرة، وُوكِّل به الشريف أبو طالب محمد بن العجمي متولي الصناعة، فبناه بالحجر الأبيض، وأنفق عليه مالاً كثيرًا، ونقل إليه الحجر من حظير كبير كان مبنيًا على الشاطئ بناحية طُرا"

ومن خلال نص المسبحي والمقريزي نستنتج أن هذه الإصلاحات التي تمت للمقياس كانت في عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله (411-427هـ/1020-1035م)، أي في فترة مبكرة من الوجود الفاطمي، كذلك كانت هذه الإصلاحات نتيجة تقصير من متولي  المقياس الذي  عوقب بالضرب والاعتقال من قبل متولي الصناعة، كما نستنتج أن متولي الصناعة في هذه الفترة كان هو المسئول عن أعمال الترميم والإصلاح للمقياس، إذ إن النصوص المتأخرة بعد ذلك تؤكد انفراد متولي المقياس بهذه الأعمال، فيذكر ابن ميسر في أحداث عام 522هـ/1128م : "واستمر ابن أبي الرداد بمفرده وأطلق له في كل سنة مائة قنطار جير لعمارة المكان "

ويُعد عهد الخليفة المستنصر بالله (427-487هـ/1035-1094م) أكثر العهود اعتناءً بالمقياس، إذ أُجرى في عهده إصلاح شامل لمقياس النيل قبل سنتين من وفاته أي عام 485هـ/1092م، وكان ذلك على يد وزيره بدر الجمالي الذي قام ـ بعد أن أتم إصلاح المقياس وعمارته ـ ببناء مسجد في الجانب الغربي للمقياس عرف بمسجد المقياس وقد أسندت لأسرة بني الرداد أيضًا الإشراف على هذا المسجد، فيذكر على باشا مبارك : " ولم يزل هذا الجامع بيد بني الرداد، ولهم نواب عنهم فيه " ويبدو أن استقرار بني الرداد في إدارة مقياس النيل جعلهم يتولون إدارة المسجد المجاور له أيضًا والإشراف عليه، خاصة وأن بعضهم سلك مجال الفقه والدراسات الدينية، فيذكر ابن الزيات في هذا الصدد : " وحوش الفقهاء أولاد ابن أبي الرداد وهو فيما بين التزمنتي والورادي وبه عمود مكتوب عليه الشيخ إسماعيل بن يحيى بن محمد ابن أبي الرداد " فضلاً عن ذلك فإن مراسم تخليق مقياس النيل، كان يسبقها تواجد للقراء والفقهاء بالمسجد لقراءة القرآن والذكر قبل قدوم الخليفة والوزير لتخليق المقياس، وهو ما جعلهم أيضًا الأولى بالإشراف على المسجد.

وأدرك الفاطميون منذ قدومهم إلى مصر أن بفيضان النيل يتعلق الرخاء أو المجاعة التي يسود أحدهما في مصر لذلك كان أمر الإعلان عن زيادة النيل من الأمور المهمة التي فطن إليها الخلفاء منذ المعز لدين الله (362-365هـ/972-975م)، فقد أمر المعز في شهر شوال من عام 362هـ/972م بإبطال النداء على زيادة النيل، والاكتفاء بكتابة رقعة للخليفة وأخرى للوزير بزيادة النيل اليومية، حتى إذا تمت زيادته ووصل ذراع المقياس إلى ستة عشر ذراعًا ـ حد الوفاء ـ أبيح النداء

والمتأمل لهذا الأمر يدرك أن لهذا الإجراء بعدًا سياسيًا وآخر اقتصاديًا، أما السياسي فيكمن في تركيز معرفة أمر النيل وفيضانه في أيدي أكبر شخصيتين في الدولة وهما الخليفة والوزير، وهو في حقيقته تدعيم لمركزية الحكم، أما الاقتصادي فقد استهدف الحد من مشاعر القلق لدى الناس، والحد من جشع التجار، إذ كثيرًا ما كانت تؤدي معرفة تجار الغلال بأمر النيل إلى إخفاء الغلال رجاء ارتفاع أسعارها، أو أن يجتهد كل من يملك مالاً في الإقبال على شراء الحبوب وتخزينها، مما يُحدث  اضطرابًا في الأسواق وندرة الغلال، فضلاً عن إشاعة الهلع والاضطراب بين الناس فيذكر المقريزي في أحداث عام 398هـ/1007م : "وتوقفت زيادة النيل، فاستسقى الناس، وخرجوا ومعهم النساء والصبيان مرتين، وقُرئ سجل بإبطال المكوس والمؤن التي تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز "وفي موضع آخر في أحداث عام 414هـ/1023م يذكر: " انصرف ماء النيل انصرافًا فاحشًا ولم ترو منه الضياع، وكثر ضجيج الناس واستغاثتهم، وخرج أكثرهم بالمصاحف منشورةً إلى الجبل يدعون الله فلم يُغاثوا، وتعذر وجود الخبز، وازدحم الناس على شراء الغلال، ووقف سعر التليس على دينار إلا أنه لا يوجد إذا طُلب، وأبيع سرًا التليس القمح بدينارين، والحملة الدقيق بدينارين وربع "وقد تكررت هذه الأحداث كرد فعل لنقص النيل في سنوات عديدة منها على سبيل المثال أعوام 415هـ/1024م، 422هـ/1030م، 444هـ/1052م، 446هـ/1054م، 453هـ/1061م

وعلى الرغم من أن أمر المنع بالنداء على زيادة النيل جاء مبكرًا مع أول الخلفاء الفاطميين، إلا أنه ـ على ما يبدو ـ لم يستمر طويلاً، إذ إن الرحالة ناصر خُسرو الذي زار مصر في المدة من 439-442هـ/1047-1050م يذكر

" ومنذ أول يوم للفيضان يطوف منادون في المدينة ينادون بأن الله تعالى قد زاد النيل كذا إصبعًا ويذكرون مقدار زيادته كل يوم، وحين تبلغ الزيادة ذراعًا كاملاً تُضرب البشائر ويفرح الناس "

والملاحظ من خلال نص ناصر خسرو أن السلطة السياسية لم تمنع النداء بالمرة، بل تدرجت في الإعلان عن الزيادة بذكر الأصابع فقط، لطمأنة الناس وإقرار الأوضاع الاقتصادية، وقد انعكس ذلك على عامة الناس، إذ اتخذوا من المناداة للتبشير بمبادئ الفيضان في أوائله سببًا للارتزاق بما يسديه إليهم الناس عند هذه البشرى، حتى وإن كانت على ذكر الأصابع فقط ويذكر السيوطي: " إذا نادوا على النيل قالوا : نِعمٌ لا تُحصى من خزائن لا تُفنى، زاد الله في النيل المبارك كذا "

ونوه إلى الفاطميون وتخليق المقياس، والتخليق في اللغة هو التعطير والتطييب، يذكر ابن منظور : " والخلوق والخِلاق : ضرب من الطيب، وقيل : الزعفران، وقد تخلق وخلقته : طليته بالخلوق، وهو طيب معروف من الزعفران وغيره من أنواع الطيب "ومن الجدير بالذكر أن تخليق المقياس والاحتفال بهذه المناسبة أمر لم يعرف إلا مع الدولة الفاطمية، إذ لم نجد له أي إشارة أو ذكر في الدولتين الطولونية والإخشيدية.

وعلى الرغم من اتجاه بعض المؤرخين إلى الربط في تحديد تاريخ الاحتفال بتخليق المقياس بأول إشارة لهذا الاحتفال في أحداث عام 517هـ/1123م أي في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله (495-524هـ/1101-1130م)، ونفى وجود أي أثر لهذا الاحتفال قبل هذا التاريخ إلا أننا ومن خلال نص مهم للمؤرخ المسبحي (ت 420هـ) في حديثه عن أحداث عام 415هـ/1024م يمكن أن نستنتج أن بداية الاحتفال بتخليق المقياس بدأت في عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله (411-427هـ/1020-1035م)، إذ يذكر المسبحي : " وفي رابعه ـ شهر رجب ـ زين العامة أسواق البلد وخَلقوا وجوه الصبيان ونادوا بوفاء النيل ستة عشر ذراعًا، فخُلع على ابن أبي الرداد خِلعًا دبيقي مذهبة ورداء محشيًا مذهب وعمامة شرب مذهبة .... وبلغ الماء إصبعين من سبعة عشر ذراعًا فكان يومًا حسنًا كثر فيه سرور الناس "

والمتأمل لكلمة خَلقوا وجوه الصبيان الواردة في النص، يدرك للوهلة الأولى أن تخليق العامة لوجوه أطفالهم ما هو إلا انعكاس لتخليق الدولة لمقياس  النيل في هذا اليوم، خاصة وأن باقي النص يتحدث عن الإنعام والخلع على متولي المقياس ابن أبي الرداد، فلا يمكن إذًا للعامة أن تحتفل بشيء دون أن يكون له أثر في الواقع الرسمي للدولة، ويقوي هذا الاحتمال أن في عصر الخليفة المستنصر بالله (427-487هـ/1035-1094م) وهو الخليفة التالي للظاهر لإعزاز دين الله، تم إصلاح مقياس النيل وأنشأ الوزير بدر الجمالي جامع المقياس، وهو الذي  ارتبط به بعد ذلك مبيت القراء ليلة الاحتفال بتخليق المقياس، إذًا يمكن إرجاع بداية تخليق المقياس إلى عصر الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله، أما عن وجود وصف تفصيلي لعملية التخليق وموكب الخليفة في هذا الاحتفال فمعلوماتنا عنه تبدأ بالفعل مع عصر الخليفة الآمر بأحكام الله، خاصة مع ما عُرف عن وزيره المأمون البطائحي من تجديده وإنعاشه للرسوم والاحتفالات الفاطمية في عهد الآمر.

على كل الأحوال فقد كانت عملية تخليق المقياس من الاحتفالات الرسمية في الدولة الفاطمية، يؤكد ذلك حرص الخلفاء على حضورها كمقدمة للاحتفال بعد ذلك بكسر الخليج، وقد أمدنا ابن الطوير بوصف دقيق لهذا الاحتفال قائلاً :" ولوفاء النيل عندهم قدر عظيم ويبتهجون به ابتهاجًا زائدًا، وذلك لأنه عمارة الديار المصرية، وبه التئام الخلق على فضل الله، فيحسن عند الخليفة موقعه ويهتم بأموره اهتمامًا عظيمًا أكثر من كل المواسم، فإذا أصبح الصبح من هذا اليوم وحضرت مطالعة ابن أبي الرداد إليه بالوفاء ركب إلى المقياس لتخليقه، فيستدعى الوزير على العادة فيحضر إلى القصر فيركب بزي أيام الركوب من غير مظلة ولا ما يجرى مجراها، بل في هيئة عظيمة من الثياب، والوزير تابعه في الجمع الهائل على ترتيب الموكب، ويخرج من القصر شاقًا القاهرة إلى باب زويلة ....... فإذا اجتمع في العشارى من جرت عادته بالاجتماع  اندفع من باب القنطرة طالبًا باب المقياس العالي على الدرج التي يعلوها النيل. فيدخل الوزير و معه الأستاذون بين يدي الخليفة إلى الفسقية، فيصلي هو والوزير ركعات كل واحد بمفرده، فإذا فرغ من صلاته حضرت الآلة التي فيها الزعفران والمسك فيدَيفها في إناء بيده بآلة معه، ثم يتناولها صاحب بيت المال فيناولها لابن أبي الرداد فيلقى نفسه في الفسقية وعليه غلالته وعمامته، والعمود قريب من درج الفسقية، فيتعلق فيه برجليه ويديه اليسرى ويُخلقه بيده اليمنى وقراء الحضرة من الجانب الآخر يقرءون  القرآن نوبةً نوبةً، ثم يخرج على فوره راكبًا في  العشارى المذكور، وهو بالخيار إما أن يعود إلى دار الملك ويركب منها عائدًا إلى القاهرة، أو ينحدر في العشارى إلى المقس فيتبعه الموكب فيسير من هناك إلى القاهرة، ويكون في البحر في ذلك اليوم ألف قرقورة مشحونة بالعالم فرحًا بوفاء النيل "

ولاشك أن بتفاصيل هذا الاحتفال بعض الدلالات السياسية والدينية التي أرادت الدولة الفاطمية الإشارة إليها أو تأكيدها منها على سبيل المثال :

1-    خروج الخليفة والوزير بزي مخصص شاقين شوارع القاهرة إلى باب المقياس، إعلان رسمي من قبل الدولة للخاصة والعامة بوفاء النيل وتعظيمًا له.

2-    صلاة الخليفة والوزير داخل المقياس وقبل عملية التخليق، هي شكر وامتنان لله على وفاء النيل، وتحمل ـ أيضًا ـ في مغزاها الأعمق، ترسيخ للطقس الإسلامي للشكر الذي يمحو من  الذاكرة مشهد إلقاء عروس النيل المزعوم.

3-    اصطحاب صاحب بيت المال وكونه الوسيط بين الخليفة ومتولي المقياس، فيه إشارة إلى وجوب أداء الخراج بعد تمام وفاء النيل، وارتباط النيل بخراج الأرض.

4-    تخليق ابن أبي الرداد للمقياس باليد اليمنى، هو ترسيخ لفضيلة وسنة التيامن التي حث عليها الإسلام.

5-    وجود قراء الحضرة أثناء عملية التخليق هو مباركة له، واستكمالاً للشكل الديني للاحتفال الذي حرصت عليه الدولة.

ومن الجدير بالذكر أنه لم يكن هناك يوم محدد للاحتفال بتخليق المقياس مثل باقي الأعياد والمواسم، وإنما جُعل الاحتفال مقرونًا ببلوغ ماء النيل مقدار الستة عشر ذراعًا، وبالتالي إذا قل عن ذلك لا يُخلق المقياس كذلك أحيانًا ما كان الخليفة يُنيب وزيره في مهمة تخليق المقياس كما حدث في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله، فيذكر ابن المأمون في أحداث 518هـ/1124م : " وفي العاشر من الشهر المذكور، يعني شهر رجب، وَفَّى النيل ستة عشر ذراعًا فتوجه المأمون إلى صناعة العمائر بمصر ورُميت العشاريات بين يديه وقد جُددت وزُينت جميعها بالستور الدبيقي الملونة، والكوامخ والأهلة الذهب والفضة، وشمل الإنعام أرباب الرسوم على عادتهم، وعدى في إحدى العُشاريات إلى المقياس وخَلق العمود بما جَرت به عادتهم من الطيب، وُفرقت رسوم الإطلاق وانكفأ إلى دار الذهب وأمر بإطلاق ما يخص المبيت في المقياس بجميع الشهود والمتصدرين "

ويبدو من خلال النص السابق أن رسوم الاحتفال بتخليق المقياس قد  استقرت حتى أن الخليفة الآمر بأحكام الله فوض في هذه المرة وزيره المأمون البطائحي لتخليق المقياس بنفسه، ليستعد الخليفة بعد أيام من ذلك للاحتفال بكسر الخليج أو السد إذانًا بدخول الماء الجديد للترع والقنوات، فقد ذكر ابن المأمون بعد ذلك وصفًا دقيقًا مستفيضًا للاستعداد لهذا اليوم

وعلى الجانب الآخر انعكس اهتمام الدولة بالمقياس وتخليقه على عامة المصريين، فكانوا يحتفلون أيضًا بهذا اليوم بتزيين الأسواق والدور والاحتشاد لرؤية الموكب الخلافي، فضلاً عن حرصهم على تخليق وجوه صبيانهم بالطيب تيمنًا بتخليق عمود المقياس في ذلك اليوم وقد كان تفاعل العامة مع هذا الحدث سببًا لانتباه بعض الشعراء الذين صوروا هذا الحدث من خلال أشعارهم، فما أحسن قول الشاعر شهاب الدين أحمد بن العطار في تهتك الناس يوم تخليق المقياس عند اجتماعهم :

تهتك الخلق للتخليق قلت لهم

                           ما أحسن الستر قالوا السترُ مأمولُ

ستر الإله علينا لا يزال فما

                           أحلى تهتكنا والستـر مسبـول( )

كما تطرق إلى الخلع على متولي المقياس وموكبه حيث لم تكتف الدولة الفاطمية بما كانت تمنحه لمتولي المقياس من راتب أو نفقات للإشراف على المقياس، بل امتد ذلك إلى الإنعام عليه بالخِلع والتشريف، والخِلع والخِلعة كلمة عربية تعني ما يُخلع على الإنسان من الثياب والملابس القيمة، التي يمنحها الحكام والخلفاء لرجال الدولة ورعاياهم مكافأة وتشريفًا لهم، وقد كان متولي المقياس ممن شملتهم خِلع الدولة منذ قدوم الفاطميين إلى مصر، فكان القائد جوهر الصقلي أول من خَلع على ابن أبي الرداد، فيذكر ابن الهيتمي : " وكانت خِلعته من ثوب دبيقي حريري وطيلسان وعمامة شرب مذهبة بالإضافة إلى أكياس الذهب "وقد كان الخلع على متولي المقياس يتم بانتظام بعد تخليق المقياس واحتفال كسر الخليج.

وقد حفظ لنا ابن الطوير وصفًا دقيقًا لخِلعة متولي المقياس وموكبه بعد تخليق  المقياس، فيذكر : " ثم يصير ابن أبي الرداد باكر ثاني ذلك اليوم إلى القصر بالإيوان الكبير الذي فيه الشباك إلى باب بجواره خِلعَة معبأة هناك فيؤمر بلبسها ويخرج من باب العيد شاقًا بها بين القصرين من أوله قصدًا لإشاعة ذلك، فإن ذلك من علامة وفاء النيل ولأهل البلاد إلى ذلك تطلع، وتكون خِلعه مذهبة؛ وإذا كان من العدول المحنكين فيُشَرَّف في الخِلعة بالطيلسان المقور ويُندب له من التغييرات ولمن يريده خمس تغييرات مركبات بالحلي، ويُحمل أمامه على أربعة بغال مع أربعة من مستخدمي بيت المال أربعة أكياس في كل كيس خمسمائة درهم ظاهرة في  أكفهم، وبصحبته أقاربه وبنو عمه وأصدقاؤه، ويندب له الطبل والبوق ويكتنف به عدة كثيرة من المتصرفين الرجالة. فيخرج من باب العيد ويركب إحدى التغييرات، وهي أميزها، وشُرِّف أمامه بحملين من النقارات التي قدمنا ذكرها، يعني في ركوب أول العام من زي الموكب. فيسير شاقًا القاهرة والأبواق تضرب أمامه كبارًا وصغارًا والطبل وراءه مثل الأمراء، وينزل على كل باب يدخل منه الخليفة ويخرج من باب القصر فيُقبله ويركب. وهكذا يعمل كل مَن يُخلع عليه من كبير وصغير من الأمراء المطوقين إلى مَن دونهم سيفًا وقلمًا. ويخرج من باب زويلة طالبًا مصر من الشارع الأعظم إلى مسجد عبدالله إلى دار الأنماط جائزًا على الجامع إلى شاطئ البحر، فيعدي إلى المقياس بخِلعِه وأكياسه، وهذه الأكياس مُعَدة لأرباب الرسوم عليه في خِلَعِه ولنفسه ولبني عمه بتقدير من أول الزمان "وفي نص آخر لابن المأمون يشير إلى الخلع والتشريف على ابن أبي الرداد للمرة الثانية في احتفال كسر الخليج، فيذكر : " ووصلت الكسوة المختصة بفتح الخليج، وهي برسم الخليفة ...... وبقية ما يخص المستخدمين وابن أبي الرداد في تخوت، وفي كل تخت عِدة بَدلات "كذلك يذكر في موسم كسر الخليج عام 517هـ/1123م : "ووصلت كسوة الموسم المذكور من الطراز، وإن كانت يسيرة العُدة فهي كثيرة القيمة، ولم تكن للعموم من الحاشية والمستخدمين، بل للخليفة وإخوته وأربع من خواص جهاته والوزير وأولاده وابن أبي الرداد "

ويوضح النص السابق مدى المكانة التي احتلها متولى المقياس في الدولة الفاطمية، إذ عُد من كبار المستخدمين المخصوصين بالخَلع بعد الوزير، ويؤكد ما سبق تفرد خِلعته كمًا ونوعًا، فيذكر المسبحي عن عدد قطعها : " وأعطى ست عشرة قطعة ثياب " كذلك احتوت خِلعته على أفخر أنواع النسيج، إذ يذكر ابن المأمون : " وتقدم بالخَلع على ابن أبي الرداد : بدلة مذهبة، وثوب دبيقي حريري، وطيلسان مقور بياض مذهب، وشقة سقلاطون وشقة تحتاني، وشقة خز، وشقة دبيقي "

على الجانب الآخر حظي مقياس النيل ومتوليه باهتمام الشعراء وعنايتهم، سواء خلال العصر الفاطمي أو ما تلاه من عصور، فجاءت أشعارهم مشيدةً بهذا المرفق وأهميته، ومادحةً فيمن يقوم على إدارته، فقال القاضي عبدالخالق بن الهوان الإخميمي :

هل مثل مصر بظهر الأرض من دارِ

                          أعيـش فيهـا بمقيـاس وآثـارِ( )

وقال الشاعر الطنبدي :

إن مصرًا لأطيب الأرض عندي

                           ليس في حسنها البديع التباسُ

وإن قستها بأرض سواها

                           كان بيني وبينك المقياس

وفي عمود المقياس قال الشاعر بدر الدين بن الحاجب :

لله يوم الوفاء والناس قد جُمعوا

                           كالروض تطفو على نهر ازاهرهُ

وللوفاء عمود من أصابعه

                           مخلق تملأ الدنيا بشائره

وقال الشهاب البزاعي :

وإن أردت فشاطئ نيل مصر

                           فكم من راحته ثم للأرواح والمقلِ

مقياسه قائم بالقسط بسطته

                           تقضي بحكم على التيار منفصلِ

بانت أصابعه عن كل ساريةٍ

                           من السحاب برى السهل والجبلِ

واختتم حديثه بأن مقياس النيل في العصر الفاطمي احتل مكانةً وأهميةً كبيرتين فاقتا ما سبقه من عصور، وقد استطاعت الدراسة إبراز بعض النتائج، منها

1-    أن احتفال تخليق  المقياس لم يُعرف بأي حال من الأحوال إلا مع الدولة الفاطمية.

2-    حَرص الخلفاء الفاطميين على حضور احتفال تخليق المقياس، مع إضفاء الصبغة الدينية على هذا الاحتفال كشأن جميع احتفالاتهم.

3-    رجحت الدراسة بداية ظهور احتفال تخليق المقياس مع عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله.

4-    أوضحت الدراسة وجود عدة ألقاب أطلقتها الدولة الفاطمية على متولي المقياس، كثقة الدولة، وأمين النيل، وقاضي البحر، وهو ما يعكس مكانته وأهميته في العصر الفاطمي.

5-    أظهرت الدراسة مدى عناية الدولة الفاطمية واهتمامها بمقياس النيل وعمارته، من خلال المخصصات المالية التي قدرتها لصيانته وإصلاحه، خاصةً في عهد الخليفة المستنصر بالله، وعدم التهاون في أي تقصير يصيبه.

6-    أوضحت الدراسة ارتباط بعض الرسوم والمواكب والاحتفالات بمقياس النيل ومتوليه واعتبارها جزءً من الرسوم والاحتفالات الرسمية للدولة الفاطمية.

7-    أظهرت الدراسة أثر الاحتفال بتخليق المقياس في الوجدان الشعبي، من خلال مشاركة  العامة للدولة في تخليق وجوه أطفالهم، والاحتشاد لرؤية الموكب الخلافي.

وتضمن اليوم الثالث زيارة ميدانية لمعالم الفيوم الآثارية والتراثية  

 

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.