كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 19, 2020 - 177 Views

التجربة الأسبانية و المتحف المصري الكبير

Rate this item
(0 votes)

كتب د. ياسر الليثي

الباحث الأنثروبولوجي

في إحدي زياراتي لدولة أسبانيا أثناء أحد المؤتمرات المختصة بانثروبولوجيا ما قبل التاريخ سنة 2018, قمت بزيارة العديد من المناطق الأثرية التي تعود إلي فترة ماقبل التاريخ بشبة الجزيرة الإيبيرية مثل كهف ألتاميرا في قرية سانتيانا ديل المار بمدينة سانتاندير في أقليم الباسك و كهف كوجول لا روكا دي لوس موروس بمدينة ليريدا في أقليم كاتالونيا , حيث عاشا إنسان نياندرتال و إنسان كرومونيان في عصور ما قبل التاريخ بتلك المناطق علي السواء و تركوا بها من الاثار و الرسوم الكهفيه ما يساعد في فهم أصول حضارات أسبانيا القديمه.

أكثر ما لفت أنتباهي هناك هو كيف استطاعت السلطات الاسبانية في سانتاندير و ليريدا الاستفادة من سياحة الكهوف و رسوم ما قبل التاريخ بهما ,  فعلي سبيل المثال  تم الاستفادة من كهف التاميرا في الرواج السياحي منذ ستينات القرن الماضي ولكن عندما تأثرت الرسومات بسبب العرق الّذي كانت تفرزه أجساد السائحين المرتادين للكهف الأصلي,  تم إغلاقه لأول مرة بين عامي 1977 و1982, ثم تم فتحه مرة أخري , و لكن بعد تعرضه لمزيد من التدهور، رغم تقليص عدد الزائرين ، تقرّر إغلاقه مرة ثانية في سنة 2002 , و خاصة بعد تحذير الكثير من العلماء من إعادة فتحه نظرا لحساسيته, لذلك ففي سنة 2004 جرى تدشين نسخة طبق الاصل مطابقة للكهف الاصلي الذي يوجد في "سانتيانا ديل مار" , تلك النسخة الجديدة تقع بالقرب من الكهف الأصلي على بعد نحو 30 كيلو مترا غربي سانتاندر , و بدأت السلطات في استخدامها كمتحف لفن ما قبل التاريخ مقابل تذكرة يبلغ ثمنها 20 يورو للفرد الواحد و قد بلغ عدد الأشخاص الّذين زاروا النسخة المطابقة للكهف 240 ألف شخص  في ذلك العام ما كان له مردود إيجابي للدخل الوطني الإسباني.

كل ذلك و من خلال تخصصي في اثار ما قبل التاريخ جعلني افكر أن مصر التى حباها الله بتنوع سياحى و اثري لاتملكه أي دولة آخرى، كان لها نصيبا الأسد من هذا الإرث الأثري العظيم  قد يضعها فى مصاف الدول التى تمتلك كهوفا سياحية نادرة الوجود,  و قد استطاع  بالفعل بعض كهوف مصر أن يجذب آلاف السائحين على الرغم من غياب الخطط الترويجية لهذا النوع من السياحة، الذى يجمع فى طياته المغامرة  والاستكشاف عن أصول مصر الفرعونية و اين عاشوا أجداد فراعنة مصر الأوائل ,  مثل كهوف هضبة الجلف الكبير التي تقع ي جنوب غرب مصر و التي تضم  العديد من الكهوف التي تعود لعصور ما قبل التاريخ ، و تحتوي علي العديد من المخربشات المحفورة في الصخر و الرسوم الصخرية الملونه , مثل التي توجد في كهف( وادي صوره ) و هو أحد أجمل و أهم كهوف هضبة الجلف الكبير  و الذي يحتوي علي رسومات صخرية ترجع الى ما قبل التاريخ اكتشفت في عام 2002 , منها رسوم لاشكال بشرية راقصة وحيوانات غريبة بلا رأس وهي تعتبر المفاتيح الجديدة لمعرفة أسباب ظهور , أزدهار الحضارة المصرية الفرعونية لاحقا.

كهف وادي صورا و الذي يحوى 5000 صورة مرسومة بالالوان او محفورة على الصخر في الصحراء الشاسعة غير المأهولة القريبة من الحدود الجنوبية الغربية لمصر مع كل من ليبيا والسودان , و كل تفاصيلة المرسومة  تشير الى ان تاريخ الموقع يرجع الى 12000عام على الاقل وانها قد تكون من أعمال مجموعات الصيادين( أبناء الحضارة الخورسامية المصرية الماقبل تاريخية)  الذين ربما كان نسلهم من أوائل من استوطنوا وادي النيل بعد ذلك,  الذي كان في ذلك الوقت مليئا بالمستنقعات ولا يسهل العيش في, ففي عام  10000قبل الميلاد تقريبا كانت الامطار الموسمية تسقط على منطقة الجلف الكبير و كل الصحراء الغربية مفسحة المجال لظهور مناطق السافانا التي تجذب مجموعات الصيادين , وبحلول عام 5300 قبل الميلاد توقف سقوط المطر وتراجعت المستوطنات البشرية الى المناطق المرتفعة, ما جعلهم يتمركزون في هضبة الجلف الموتفعة, و لكن وبحلول عام 3500 قبل الميلاد اختفت تلك المستوطنات بالكامل , أي أنه بسبب تغير مناخ حياة السافانا طيلة ثلاثة أو أربعة الاف عام في منطقة الصحراء زحفت البيئة الصحراوية واضطر الناس الى التحرك شرقا صوب وادي النيل مما أسهم في قيام الحضارة المصرية وجنوبا صوب القارة الافريقية , وتزامن هذا النزوح الجماعي مع ظهور الحياة المستقرة على طول نهر النيل والتي ازدهرت لاحقا وأثمرت الحضارة الفرعونية التي هيمنت على المنطقة الاف السنين وساعدت فنونها وهندستها المعمارية ونظامها في الحكم في تشكيل الثقافة العالميه , الأمر الذي ينهي الهوس و الجنون بفكرة الكائنات الفضائية، وأن مبان ضخمة مثل الأهرامات لا يمكن أن يتم بنائها بأدوات بدائية وأن التفسير الوحيدة بالنسبة لأصحاب نظريات المؤامرة هو أن هذه الكائنات كانت تزور الأرض باستمرار ولذا لابد أن تترك أثارا وتم تزييف صور للنقوش الفرعونية بحيث تظهر وكأن هناك طائرات هليكوبتر أو غواصات منقوشة على الجدران المصرية، لكنها فى الحقيقة مجرد صور مزيفة.

كل ذلك جعل هذا الكهف مقصدا للسياح الباحثثين عن أصول الثقافة و الحضارة المصرية و لكن بعد حادث أختطاف السياح  في عام 2008، ثم احداث الثورات العربية و الحروب الليبية و الارهاب الداعشي بجوار منطقة الجلف الكبير, قامت الأجهزة المسئولة في مصر بإغلاق المنطقة و بالتالي منعت زيارة الكهف, هذا بالإضافة إلي مشقة الوصول إلي منطقة الجلف الكبير علي السائحين عندما كانت المنطقة مفتوحة, كل ذلك حرم مصر من أحد أهم أنواع السياحة في العالم و هو سياحة ما قبل التاريخ و كذلك حرم العالم كلة من متعة زيارة موقع مثل وادي صورا بما يحتوية من كنوز تاريخية,  الأمر الذي جعلني أفكر في تطبيق التجربة الاسبانية بمصر , فاثناء وجودي باسبانيا تعرفت علي العديد من الرساميين و الفنانيين المتخصصين في رسوم ما قبل التاريخ , عدد منهم هو من قام بعمل رسوم النسخة طبق الأصل من رسوم كهف ألتاميرا و كذلك نسخة ألتاميرا بالمتحف الوطني بمدريد, مثل الفنان الباليوليتيكي و صديقي خوسيه خو  و الذي يعيش أقليم الباسك موطن الرسوم الصخرية, و  الذي قام بعمل  750 نسخة متماثلة من العصر الحجري القديم ,  و أقام العديد من لبمعارض و لديه متحف لفن العصر الحجري صنعه هو بالفعل و يسمي متحف  )هيزور موسيوا(   , ولقد تحدثت معهم في تطبيق نفس الفكرة في مصر عن طريق عمل نسخة طبق الأصل من كهف وادي صورا في المتحف المصري الكبير, و قد أبدوا هؤلاء الفنانون أستعدادهم التام للقيام بذلك علي اضل شكل ,  و هو الامر الذي لو تم تحقيقه سوف يساعد مصر في صيد اكثر من عصفور بحجر واحد مثل تقصير المسافة علي السائحين لرؤية رسوم الكهف, و زيادة الدخل القومي المصري من خلال بيع تذاكر نسخة هذا الكهف, بالإضافة إلي قطع الطريق علي الإدعائات الكاذبة عن الحضارة المصرية من خلال شرح رسوم الحضارة الخورماسية (و التي عاشت في منطقة الكهف بألاف السنين قبل فراعنة وادي النيل و هي أصل الحضارة الفرعونية في ما قبل التاريخ) للسائحين حتي يتعرفوا علي اصول الحضارة الفرعونية في فترة ما قبل التاريخ و لكي يعلم العالم أجمع أن الحضارة الفرعونية لم تهبط من السماء و لكنها اتت من حضارة مصرية عظيمة سابقة  تسمي الحضارة الخومارسية, ثم بعد ذلك شرح الفترة التاريخية الفرعونية في باقي صالات المتحف الكبير, و قد قمت بإعداد ملف كامل عن هذا المشروع من أجل عرضة علي السادة المسؤليين لبحث سبل تنفيذه الأمر الذي أراه إضافة حقيقة للأرتقاء أكثر و أكثر بصرح عظيم مثل المتحف المصري الكبير كمزار سياحي عالمي مهم قادر علي تحقيق جدوي  ثقافية عظيمة بالرد العلمي و الثقافي و الانثروبولوجي علي كل الافتراءات و الاكاذيب التي جرت و تجري حول الحضارة الفرعونية , و في نفس الوقت قادر علي تحقيق جدوي دعائية و اقتصادية قومية كبري للسياحة المصرية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.