كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 29, 2020 - 130 Views

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ودوره في تنشيط السياحة الدينية

Rate this item
(1 Vote)

  د. اسماء ادريس محمد 
دكتوراه فى الارشاد السياحى

يعد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أحد الاحتفالات المهمة والمحببة لدى المصريين وذلك لميولهم الديني وحبهم لسيدنا رسول الله  ، ولم لا ؟ فمن لم يفرح بسيدنا محمد لم يرى فرحاً أبداً ، ولا يفرح بمولد النبى  إلا مؤمن ، فيوم مولده هو اليوم الذى استنار بطلعته الوجود ، وأضاءت منه عوالم الغيب والشهود ، فقد جرت عادة الممالك الإسلامية شرقاً وغرباً بالاحتفال به ، وتعظيمه وإجلاله ، ولم يحدث ذلك إلا بعد القرون الفاضلة الثلاثة التي شهد رسول الله  بخيريتها ، غير أنه بدعة حسنة ، لاشتمالها الإحسان على الفقراء ، وتلاوة القرآن الكريم ، والذكر ، والصلاة على سيدنا رسول الله  ، وإظهار السرور والفرح بمولده الشريف.

   وكيف لا يحتفل المصريون بمولده   وهو الذى غير وجه التاريخ ، فقد جاء عليه أفضل الصلاة والسلام هادياً ومعلماً ليعلم البشرية كلها كيف تحيا ، وكيف تسعد، جاء ليعلم الحكام كيف يحكمون، ويعلم الفقراء كيف يتعففون ، ويعلم الأقوياء كيف يتواضعون للضعفاء. صلى الله عليك يا سيدى يا رسول الله .

تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عبر العصور

    كان الفاطميون أول من احتفلوا بمولد سيدنا النبي الكريم  ؛ وكان من مظاهر الاحتفال به أن يعمل فى دار الفطرة عشرون قنطاراً من السكر اليابس حلواء يابسة ، وتعبأ في ثلاث مائة صينية من النحاس ، فتفرق تلك الصواني على أرباب الرسوم من أصحاب الرتب ، من أول النهار إلى ظهره ، فأول أرباب الرسوم قاضى القضاة ، ثم داعى الدعاة ، ويدخل فى ذلك القراء بالحضرة ، والخطباء والمتصدرون بالجوامع بالقاهرة والفقراء والمساكين.

    أما فى عصر الدولة الأيوبية ، حرص صلاح الدين الأيوبى (589-567 هـ / 1174–1193م ) منذ توليه حكم مصر على محو كافة الظواهر الاجتماعية التى ميزت العصر الفاطمى، وكان منعه للاحتفالات الدينية بمصر فقط مخالفة لما كان يقوم به الفاطميون فى مصر .

        وفى العصر المملوكي كان هناك حرص شديد من سلاطين المماليك على إعادة الاحتفالات الدينية الإسلامية التى ألغيت فى العصر الأيوبى ، وكان من هؤلاء الملوك الذين اهتموا اهتماماً كبيراً فاق الوصف بالاحتفال بمولد النبى - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -  الملك الظاهر برقوق ، أما السلطان الملك الأشرف قايتباى  فقد تحدث عن كرمه واهتمامه بهذا الاحتفال الشريف كل المصادر والمراجع وعلى رأسهم ابن إياس الذى وصف بالتفاصيل الدقيقة كل ما كان يحدث أثناء الاحتفال بمولد أشرف الخلق سيدنا محمد ﷺ .

     وفى العصر العثماني فقد تبدلت الأحوال كثيراً ، وقلت أهمية الاحتفال بالمولد النبوى ، وربما يرجع ذلك إلى تصرفات الجنود العثمانيين غير الأخلاقية فى البلاد ، وحالة الفوضى التى تسببوا فيها.        

    أما فى أيام الحملة الفرنسية  فقد حرص نابليون بونابرت على إقامة الاحتفالات الدينية ، باعتبارها نوعاً من أنواع السياسة التى اتبعها حتى تميل له قلوب الشعب المصرى ، لعلمه الشديد بطبيعة الشعب المصرى ومدى حرصه على إقامة هذه الاحتفالات ، وخاصة الاحتفال بمولد أشرف الخلق سيدنا محمد ﷺ .

   وفى عصر محمد على باشا فيلاحظ من المصادر أنه لم يكن هناك اهتمام بذكر احتفالات كبيرة قامت فى عهده بشكل عام ، وربما يرجع السبب في ذلك إلى  انشغال محمد على بتحقيق حلم الإمبراطورية المصرية ، والدفاع عن أرض مصر ضد الإنجليز، لذلك أتصور أن محمد على باشا فى هذه الظروف التى كان يمر بها لم يكن لديه الوقت أو الفكر للاهتمام بإقامة احتفالات بشكل عام سواء أكانت دينية أم عامة .   

 الاحتفال بالمولد النبوى فى الوقت الحاضر 

  أما عن الاحتفالات التى تتم فى الليلة الختامية بالقاهرة والتي تعد من أكثر الاحتفالات شعبية هى احتفالات الطرق الصوفية ( اللوحات أرقام 1، 2 ، من تصوير الباحثة ) ؛ والتى تبدأ من منطقة

                                                     الدراسة بالقاهرة بخروج كل الطرق الصوفية المشاركة فى الاحتفال بموكب هائل يرتدى فيه أفراد كل طريقة ملابس خاصة بجماعتهم ، فمريدو أو أبناء الطريقة الرفاعية على سبيل المثال يرتدون اللون الأسود ، ومريدو وأتباع الطريقة البيومية  يرتدون الملابس البيضاء وشارات حمراء اللون على الأكتاف ( لوحة رقم 3 ، تصوير الباحثة  ) ، أما مريدو وأتباع الطريقة الجعفرية فيرتدون الملابس البيضاء وشارات خضراء اللون على الأكتاف ، وكل هؤلاء الطرق الصوفية يخرجون بعد صلاة العصر مباشرة من مسجد سيدنا صالح الجعفري بالدراسة وحتى مسجد سيدنا ومولانا الإمام الحسين - رضى الله عنه-  حاملين الرايات والبيارق ، وكل طريقة من الطرق تسير فى الموكب بمجموعة من المنشدين الذين يمدحون رسول الله وآل بيت النبى عليه أفضل الصلاة والسلام ومعهم رجال يحملون بعض الآلات الموسيقية كالدفوف والطبول والزمامير ، وبالطبع يستخدمون الميكروفونات نظراً  لوجود أعداد غفيرة من أعضاء الطرق الصوفية والجماهير الغفيرة القادمة من كل حدب و صوب ، بالإضافة إلى عديد من الأجانب القادمين لمشاهدة مظاهر الاحتفال بالمولد النبوى ، وعندما تصل كل طريقة بمريديها إلى ميدان سيدنا الحسين ، نجد أن هناك منصة مرتفعة يقف عليها  شيخ مشايخ الطرق الصوفية يحيى الطريقة ويقرأ معهم الفاتحة وتمر طريقة ، وتأتى طريقة أخرى تقوم بالشئ نفسه ، ويقوم عديد من رجال هذه الطرق بالتقاط كثير من الصور مع شيخ مشايخ الطرق الصوفية .

   وبعد صلاة المغرب تقام احتفالية أخرى منظمة من قبل الأزهر يحضرها كبار رجال العلماء من الأزهر الشريف ، يلقى فى هذه الاحتفالية رجال الأزهر كلمات عن الدروس المستفادة من هجرة سيدنا رسول الله  وينتهز بعض الباعة هذا الاحتفال لبيع بعض المنتجات المحلية الشعبية التراثية فى المولد ؛ ومنها الطبول الصغيرة ، والمزامير ، والدفوف ، والعروسة المصنوعة من البلاستيك ، والأحذية الجلدية المزركشة الزاهية الألوان ، والملابس البراقة ، وأساور شعبية مقلدة ، ودمى للأطفال مصنوعة من الخشب ذات اللون الأحمر البراق ( لوحة رقم 4 ، تصوير الباحثة ) ، بالإضافة إلى بيع عديد من المأكولات الشعبية ؛ مثل الترمس ، والحمص ، والمشبك ، والذرة .

   ومن العادات التى يحرص الشعب المصرى عليها فى الاحتفال بمولد سيدنا النبى  هى شراء حلوى المولد وعروسة المولد ، وتعد من الجوانب الترفيهية التى لازمها الاستمرار ، وربما يرجع السبب فى ذلك إلى أنهما أصبحا رمزاً للمناسبة ، ومن ثم يمثل الحرص على شرائهما نوعاً من التكريس الذى يهدف إلى المحافظة على التراث ، ويرى البعض أنها تمثل نوعاً من الفرحة بالمناسبة ، ويعد هذا الاحتفال من أكثر الاحتفالات شعبية فى مدينة القاهرة ويمكن استغلاله سياحياً وخاصة إذا تم الترويج له بشكل جيد .

  هذا وقد أعددت استبياناً لمعرفة إذا ما كان هناك تسويق لمنتج الاحتفالات الدينية الإسلامية فى القاهرة وخاصة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بشكل فعال ، هل ستكون نتيجة هذا التسويق جذب أعداد سياحية أكثر لمصر مهتمة بهذا النوع من السياحة أم لا ؟ أرسلت الاستبيان لعدد 110 شخصاً من جنسيات مختلفة ، قام بالرد على أسئلة الاستبيان ما يقرب من 90 شخصاً ، 80 % من الشرائح التي عرض عليها الاستبيان تتراوح أعمارهم ما بين 40 إلى 60 عاماً ، 20% تتراوح أعمارهم ما بين 25 إلى 39 عاماً ، 90% من الذين قاموا بالرد على الاستبيان من السيدات ، وتبين فى ضوء هذا الاستبيان أن الشرائح المختلفة من السائحين التى أرسل إليها الاستبيان موافقون بنسبة 100% على حضور احتفالات دينية فى القاهرة لعدة أسباب ذكروها فى الاستبيان منها:   

  • الرغبة فى التعرف على الثقافة المصرية عن قرب .
  • سماع موسيقى مصرية ، ورؤية صناعات يدوية وملابس مختلفة يجعلهم أكثر تفتحاً لاستقبال أشياء جديدة عن ثقافتهم .
  • الصور رائعة وتعرض التنوع فى الفلكلور المصري .

المصادر

  • الصفوي ( مصطفى القلقاوى الصفوى، ت 1230هـ / 1815م) ، صفوة الزمان فيمن تولى على مصر من أمير وسلطان ، تحقيق محمد عمر عبد العزيز عمر ، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2006م .
  • القلقشندي ( أبو العباس أحمد بن على ، ت 821هـ / 1418م ) ، صبح الأعشى فى كتابة الإنشا ، ج 3 ، دار الكتب الخديوية ، المطبعة الأميرية بالقاهرة ، 1332هـ / 1914م .
  • ابن المأمون ( الأمير جمال الدين أبو على موسى بن المأمون البطائحى ، ت 588هـ / 1183م )، نصوص من أخبار مصر، تحقيق أيمن فؤاد سيد ، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ، القاهرة ، د.ت .
  • المقريزي ( تقى الدين أبو العباس أحمد بن على بن عبد القادر ، ت 845 هـ / 1442م ) :
  • السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق محمد عبد القادر عطا ، ج2 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1997م .
  • المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ( الخطط المقريزية ) ، ج2 ، ج4 ، تحقيق أيمن فؤاد سيد ، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامى - لندن ، 1425 هـ/ 2004م .

المراجع  

  • أولج فولكف ، القاهرة مدينة ألف ليلة وليلة ( 969 – 1969م ) ، ترجمة أحمد صليحة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1986م .
  • عرفة عبده ، موالد مصر المحروسة بين الماضي والحاضر، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ، القاهرة ، 2005م .
  • على باشا مبارك ، الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة ، ج3 ، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية ، القاهرة ، 1435هـ/ 2014م .
  • محمد حسام الدين إسماعيل ، مدينة القاهرة من ولاية محمد على إلى إسماعيل ( 1805 – 1879م )، الطبعة الأولى ، دار الآفاق العربية للنشر، القاهرة ، 1997م .
  • محمد خالد ثابت ، تاريخ الاحتفال بمولد النبى  ومظاهره فى العالم ، المقطم للنشر والتوزيع ، القاهرة ،  1436هـ/ 2015م .
  • منى الفرنوانى ، الاحتفالات الشعبية الدينية ، دراسة لديناميات التغير وقوى المحافظة والتجديد ، مطبوعات مركز البحوث والدراسات الاجتماعية ، الطبعة الأولى ، كلية الآداب، جامعة القاهرة ،2002م .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.