كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 03, 2021 - 159 Views

إطلالة على معبد شاعار هشاما يم

Rate this item
(0 votes)

بقلم : د . إيمان محمد العابد 

وزارة السياحة والآثار

 لعهد قريب كان اليهود جزءً لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري ؛ وفي كثير من الأحيان كان أثرياؤهم يشكلون الطبقة العليا في المجتمع المصري ، ولم لا ؟!! وهم ـ آنذاك ـ كانوا ذوي سلطة ونفوذ وأصحاب الثروات مهيمنين على كبرى المراكز الحيوية في مصر اقتصاديا ً ، وكان هناك العديد من العائلات اليهودية الكبرى اقتصاديا ً التي ساهمت في تأسيس وبناء كيانات اقتصادية ومعمارية على درجة كبيرة من الأهمية . من منا لا يعرف أن مباني مثل شيكوريل ، وبنزايون ، وعدس ، وعمر أفندي وغيرها من الكيانات الاقتصادية كانت من منشآت اليهود ، وكان يعمل فيها مسلمون وأقباط ويهود .

إلى جانب هذه الكيانات الاقتصادية الهامة ، سعى اليهود لبناء العديد من دور العبادة الخاصة بهم لاسيما المعابد التي كانت تشكل بؤرا ً اجتماعية واقتصادية ودينية في الأساس ؛ فالغرض الذي تقام من أجله أي مؤسسة دينية هو إقامة الصلوات وغيرها من الشعائر الدينية المختلفة ، ولعل كثرة المعابد التي توجد على أرض مصر تعد  دليلا ً على تزايد أعداد اليهود الذين كانوا يعيشون في مصر سواء ً من أبنائها أو من غيرهم من اليهود اللاجئين الذين اضطرتهم ظروفهم المعيشية والحياتية الصعبة إلى ترك أوطانهم التي نشئوا بها ليحتموا بمصر ؛ لاسيما اليهود الأوروبيين ـ يهود الأشكيناز ـ

هذا ويعد معبد " شاعار هشاما يم " ـ أي ـ " بوابة السماء " من أهم المعابد اليهودية ؛ نظرا ً لكونه المعبد الرسمي للطائفة اليهودية الذي كانت تقام فيه صلوات السبت ، وتعقد فيه الاحتفالات بالأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية المختلفة .

عرف هذا المعبد أيضاً باسم "معبد الإسماعيلية " ؛ وقد تفوق هذا المعبد على سائر المعابد داخل مصر وخارجها بتفرده في موقعه ومدى ما يتسم به من ثراء فني وزخرفي سواء في العناصر الخشبية والرخامية أو الزجاجية أو المعدنية والتي تتميز بتناسق وحداتها ودقة صناعتها .

وقد أنشئ هذا المعبد عام 1905.م ويغلب عليه سمة الانسجام الملحوظ في عناصره ووحداته المعمارية والزخرفية ؛ حيث يجمع المعبد في بنائه فيما بين الأساليب العثمانية والمصرية القديمة ـ الفرعونية ـ

وكانت أهمية هذا المعبد نابعة من موقعه ؛ حيث يقع هذا المعبد في قلب القاهرة بشارع عدلي ، في منطقة كانت تعد من أرقى أحياء القاهرة العتيقة ، وقد ساهم في إنشائه عدد من أثرياء اليهود وخاصة عائلة موصيري ، هذا وتضم الساحة الأمامية للمعبد لوحتان رخاميتان مدون عليهما أكثر من مائة اسم لأثرياء اليهود الشرقيين الذين ساهموا بالتبرع لبناء المعبد وكان أبرزهم رئيس الطائفة اليهودية في مصر آنذاك "موسى قطاوي" إضافة إلى العائلات اليهودية البارزة آنذاك مثل عائلات موصيري وسوارس وهرارى وشيكوريل ودى منشه ورولو وزاكس وغيرهم ؛ كما قام المهندس المعماري " موريس يوسف قطاوي " بوضع تصميم المعبد بالاشتراك مع المعماري النمساوي "إدوارد ماتاسيك" ؛ ومن ثم كان لابد لهذا المعبد وأن يجمع فيما بين الفخامة والمهابة معماريا ً والثراء الزخرفي في عناصره الزخرفية وفخامة وروعة أثاثاته الفاخرة التي جلبت إليه خصيصا ً من إيطاليا وفرنسا . ـ ولم لا ـ وهو المعبد الرئيسي ليهود العاصمة الذين يقصدونه في صلواتهم واحتفالاتهم  .

يشغل المعبد مساحة تقدر بنحو 10.000 م2  لتتضمن مبنى المعبد وملحقاته ، وقد صمم المعبد على شكل مبنى مربع يتكون من طابقين وله بدروم ، وللمعبد مدخلان يقع المدخل الرئيسي بالجهة الجنوبية الغربية المطلة على شارع عدلي يتقدمه ردهة يُصعد إليها من الشارع بدرجات سلم تؤدى إلى ظلة مسقوفة بسقف محمول على جزء من عامود يكتنفه دعامتان والظلة بارزة عن الواجهة الرئيسية وعليها زخارف قوامها جامة مستديرة يتوسطها نجمة سداسية كثيراً ما توجد كعنصر زخرفي يميز الزخرفة اليهودية في المعابد وغيرها من المنشآت اليهودية الأخرى ، كما يحيط بالنجمة السداسية زخارف نباتية من فصوص بارزة كما يوجد في الجزء السفلي من الواجهة فتحتا شباك يغشيهما سياج حديدي ويطلان على البدروم .

وهناك مدخل آخر فرعى يقع بالجهة الشرقية يطل على ممر جانبي يؤدى إلى ساحة المعبد والتي تضم مكتبة للتراث اليهودي ومكتب خاص بالطائفة اليهودية ؛ وقد زخرفت الواجهة من الخارج بزخارف نباتية وهندسية ارتبطت بالديانة اليهودية مثل النخلة " شجرة الحياة " والنجمة السداسية .

ويوجد عدد من النوافذ المغطاة بالزجاج الملون ، يعلوها زخارف نباتية وهندسية وأشكال تمثل ألواح الشريعة ، وتطل هذه الشبابيك على صالة المعبد الداخلية .

ومن الداخل يتبع المعبد في تخطيطه المعماري الطراز البازيليكي وهو التخطيط المتبع في سائر المعابد اليهودية حيث ينقسم المعبد عن طريق الأعمدة إلى ثلاثة أروقة طولية يعلوها شرفة خُصصت للنساء ، ويوجد بالأروقة نوافذ مستطيلة مغطاة بالزجاج الملون المزخرف بشكل النجمة السداسية يحيط بها زخارف هندسية على شكل معينات .

يضم الطابق السفلي قاعة الصلاة الرئيسية ؛ وهي عبارة عن مساحة مربعة حوالي 15×15 م ويوجد بأركانها الأربعة أربع دعامات تحمل أربعة عقود نصف دائرية يعلوها قبة المعبد وقد فتح برقبة القبة ثمانية نوافذ معقودة بعقود نصف دائرية.

ويتوسط قاعة الصلاة المنضدة والهيكل المقدس ؛ ومما لا شك فيه أن هذه القاعة تعد من أجمل قاعات الصلاة في معابد مصر ؛ بل تعد الأجمل على الإطلاق في الشرق كله .فجدرانها مدهونة بالألوان الأزرق ، الأبيض ، الأخضر ، وفي مواضع عديدة زينت الجدران بأشجار النخيل والنجمة السداسية ؛ فضلا ً عن تغشيات الزجاج الملون التي جعلت من قاعة الصلاة مكانا ً مضاء ً بأشعة الشمس . أما أرضية المعبد فهي من الرخام ، ويوجد بالمعبد صفوف من المقاعد الخشبية لجلوس المصلين .

هذا وتقع منصة الوعظ في الجزء الغربي بالمعبد ، وتعد الأكبر من نوعها في المعابد المصرية ، وهي مصنوعة من الرخام الأبيض على هيئة مستطيل يتقدمها درابزين من الرخام يتخذ شكلا ً نصف دائري مُحلى بقواطع من الحديد ويصعد إليها بست درجات من الرخام من كل جانب .

أما عن الهيكل ؛ فيقع بالجهة الشرقية ويصعد إلية بثلاث درجات سلم وعلى جانبيها درابزين من الرخام محلى بقواطع طوليه من الحديد ، ويتقدم الهيكل شكل شرفة يُصعد إليها من الجانبين عن طريق ست درجات سلم رخامية ، والهيكل يبرز عن الجدار الشرقي بحوالي نصف متر وهو مغطى من أسفل بوزرات رخامية وبه دولاب لحفظ أسفار التوراة ـ أي ـ " أرون قودش" ؛ والهيكل مغطى بستارة كبيرة من القطيفة الحمراء عليها عبارات باللغة العبرية .

هذا وتوجد شرفة النساء بالطابق العلوي ؛ حيث تطل على قاعة الصلاة الرئيسية وتحيط بصالة المعبد من جهاتها الشمالية والجنوبية والغربية ويُصعد إليها عن طريق عدة أبواب من عدة جهات .

تقع المكتبة في مبنى ملحق بالمعبد بالركن الشمالي الغربي ؛ كان معداً فيما مضى لإقامة حفلات الزواج ؛ حيث المكتبة عبارة عن قاعة كبيرة تحتوي على مجموعة ضخمة من الكتب باللغات العربية والعبرية والأوروبية في مجالات الدين والتاريخ والحضارة والأدب والعلوم فضلا ً عن المخطوطات والكتب القديمة والتي تم تجميعها من المعابد اليهودية الموجودة بحارة اليهود وحى العباسية ومكاتب الطائفة اليهودية ، كما تضم بعض أدوات العبادة اليهودية مثل المزوازة والبوق وقد افتتحت المكتبة فى 24 يناير 1989 م تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار .

وختاما ً ، وعقب هذه الإطلالة العابرة على واحد من أهم المعابد اليهودية في مصر يتضح لنا جليا ً مدى ما كان يتمتع به المجتمع المصري من مظاهر التسامح والإخاء ؛ فلولا هذا التسامح وذلك الإخاء ما كان لمثل تلك الكيانات المعمارية والاقتصادية المهيبة التي أسسها اليهود في مصر من وجود !!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.