كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 20, 2021 - 294 Views

عاشا معًا وماتا ودُفنا معًا في تابوت مزدوج ..قصة تابوت الأخوين بالمتحف الوطني باسكتلندا

Rate this item
(2 votes)

بقلم - أحمد فتحي

باحث في شئون الآثار المصرية والإسلامية

دائمًا ما كانت توابيت الدفن في مصر القديمة موضعًا للدهشة والانبهار في كافة أشكالها سواء من حيث طرق صناعتها أو تشكيلها بحيث تكون على هيئة جسد المتوفى نفسه مما يتوافق مع عقيدة المصري الدينية أو من حيث ما تحويه من فنون أبدع المصري في تنفيذها سواء بالحفر والنحت أو بالرسم والنقش فقد وصلتنا العديد والعديد من التوابيت التي اختلفت موادها الخام بين الأخشاب والأحجار وهي عبارة عن سجل حافل بالفنون علاوة على ما تقدمه من معلومات هامة سواء عن هوية أصحابها وتاريخهم بشكل خاص أو عن تاريخ الفن في مصر القديمة بشكل أعم وأشمل.

والحديث عن فنون صناعة وتشكيل التوابيت في مصر القديمة يتطلب العديد من المؤلفات ليس فقط السطور أو الصفحات لتشمل ما تحويه وسنخص في موضوعنا هذا واحدًا من أندر وأعجب التوابيت التي وصلتنا من مصر القديمة, فندرته وغرابته ليست لقدمه تاريخيًا أو ما يحويه فنيًا بل لأبعد من ذلك بكثير فنحن في صدد الحديث عن تابوت دفن مصنوع لشخصين عاشا معًا وماتا ودُفنا معًا وليس لشخص واحد كما هو المعتاد والمتعارف عليه وكما يقبله العقل أيضًا.

وصف التابوت :

التابوت المزدوج أو كما يُعرف بتابوت الأخوين باسكتلندا حيث يُحفظ التابوت وما كان يحويه من جثامين للطفلين وبردية جنزية في المتحف الوطني باسكتلندا, وهو تابوت خشبي مستطيل عُثر عليه في طيبة لأخوين عاشوا وتوفوا معًا في أواخر العصر الروماني بمصر حوالي (175م : 200م), حيث ساد في هذا العصر إسلوب فني جنائزي يدمج بين الطقوس والمظاهر المتوارثة في العقيدة المصرية القديمة وما طرأ على المجتمع المصري من ثقافة كلاسيكية رومانية انصهرت جميعها لتقدم لنا مزيج مختلف نجد أثره في تدهور صناعة التوابيت بعض الشيء وتغير في الملامح وأساليب النحت والتصوير وساعد في انتشار هذا النمط الفني عدة عوامل أهمها تحول المصريين من الديانة المصرية القديمة إلى الديانة المسيحية الوافدة الجديدة فلم يعد هناك داعٍ لتطبيق الطقوس الكهنوتية المتبعة في الديانة القديمة بشكل كامل كالتحنيط وصناعة التوابيت المشكلة على هيئة أجساد وعلى الرغم من ذلك استمرت تلك العادات في الدفن لكن على نطاق أضيق وبدأت في التدهور حتى انتهت بشكل كامل.

الغريب بالأمر أن التابوت تم صنعه ونقشه على أساس أن يُدفن به الأخوين معًا, وهو شيء لم يحدث من قبل, حتى أننا نجد بداخل التابوت تصوير مكرر مرتين للإلهة نوت ربة السماء في المعتقد المصري القديم وكانت غالبًا ما تصور بداخل التوابيت لإعتقاد المصري أنها تحمي المتوفى, وفي هذا التابوت نجد تصوير الإلهة نوت مكرر مرتين إذ يحتوي التابوت على صورتين لنوت, لتكون واحدة لكل طفل من الأخوين بصفتها الأم الأسطورية التي تمنح  قيامة الميت، الذي يعتبر في مصر القديمة مولودًا جديدًا ولنا أن نتخيل أنه ربما تمت مراعاة هذا الإزدواج في كل مراسم الدفن خلال الطقوس الجنائزية، ويمكن أيضًا أن تتضاعف طقوس الحداد لإحياء الجثة في دفن هذين الطفلين.

مومياوات الطفلين :

يحتفظ المتحف بجثامين الطفلين وهي في حالة جيدة جدًا من الحفظ فقد تم تحنيطهما بعناية فائقة ولُفت الجثامين بإتقان في لفائف الكتان مما يُشير إلى مكانة أسرتهم الرفيعة في المجتمع المصري آنذاك ومما يؤكد لنا حفاظ بعض الأسر المصرية على عادات الدفن القديمة.

لا يحمل التابوت أية إشارات من نقوش أو كتابات تفيدنا في البحث عن هوية الطفلين أو أسرتهما لكنه كان يحمل بجعبته ما قد يقدم أدلة قاطعة حيث عُثر بداخله على برديات جنائزية مدونة بالخط الهيراطيقي وهو الخط المُبسط من اللغة المصرية القديمة المعقدة والصعبة بعض الشيء في خطها الهيروغليفي الذي يتطلب الكثير من العناء والدقة للكتابة به فكان الخط الهيراطيقي البديل الأمثل لتدوين كافة الأمور الدنيوية والإجتماعية ومنه خرج إلينا الخط الديموطيقي الأكثر سهولة في التدوين حتى إنتشرت اليونانية في مصر فنشأ الخط القبطي آخر مراحل تطور اللغة المصرية القديمة.

برديات كتاب التنفس تُفسر غموض قصة الطفلين :

البرديات التي تُركت مع الجثث المحنطة وتُعرف بكتاب التنفس وهو أحد أشكال تطور كتاب الموتى المألوف في مصر القديمة وتحوي تعاويذ من المفترض أنها تساعد المتوفى في قيامته مرة أخرى في الحياة ما بعد الموت وتؤرخ كل النسخ المحفوظة من كتب التنفس بالعصرين اليوناني والروماني وإن كانت أقدم النسخ التي وصلتنا من هذا النوع من الكتب الجنائزية ترجع إلى نهايات عصر الأسرة الثلاثين ومحفوظ بمتحف اللوفر, وتكمن أهمية هذا الكتاب الجنزي أنه يقدم تصور عقائدي مصري يشير إلى أن كتاب التنفس الأول كانت قد كتبته الإلهة إيزيس من أجل زوجها الإله أوزيريس بينما كتاب التنفس الثاني والذي نجد نماذجه في العصر الروماني كهذه البرديات يعكس لنا نفس التصور بإختلاف بسيط وهو أن الإله تحوت قد نسخه وهذا يقدم لنا صورة كاملة عن التطورات التي مرت بها الديانة المصرية القديمة بدءًا من عصور ما قبل التاريخ ومرورًا بالعصور المصرية القديمة ووصولًا إلى كل من العصرين اليوناني والروماني حتى إختفت الديانة المصرية بشكل كامل, ومثل هذه الكتب الجنزية كانت من صنع وتأليف وتقديم كهنة آمون في طيبة وهي تساعد في امتداد وجود اسم المتوفى وتمنع الموت الثاني للخطيئة المميتة, وهي الخطيئة التي يستحق عليها صاحبها العقوبة السرمدية وعادة ما يتكون كتاب التنفس من نصوص مختلفة بشكل كبير تتحدث عن تابوت المتوفى والمواد التي يُصنع منها ومن ثم خطاب لحراس الباب وحماة العالم الآخر, وذلك حتى يتمكن المتوفى من المرور من خلالهم, كما يحوي بعض التعاويذ والإعترافات الإنكارية التي يعترف بها المتوفى علاوة على ما يحويه من أدعية وتدرع إلى آلهة العالم الآخر وإبتهالات من أجل حماية اسم المتوفى وينتهي غالبًا بخطاب موجه للإلهة نوت بصفتها أم للمتوفى الذي يتمثل بأوزيريس وعادة ما كان يوضع كتاب التنفس داخل التابوت بجانب المومياء أو أسفل رأس المتوفى, وتُشير البرديات إلى أن الجثامين تعود لطفلين يدعى الأول بيتامين (بيتامون / بيدامون) ابن تارينوت، والثاني بينهوربابيك ابن أمينوب, وهما أخوين غير شقيقين أي أنهما لديهما نفس الأب ولكن لأمهات مختلفات, وهذه النقطة ربما هي الأكثر غرابة وإثارة في قصتهما العجيبة فكيف لنا أن نعيد التصور لأسرة هذا الزوج الذي فقد إثنين من أبناؤه من زوجتين مختلفتين في ظروف غامضة وبسبب مجهول فما الذي تعرضت له هذه الأسرة أدى إلى فقدها لطفلين في آن واحد.

خضعت تلك الحالة النادرة لدراسات العلماء والباحثين الذين جذبتهم هذه الظاهرة العجيبة والتي لا نكاد نسمع عن مثيل لها قط في الحضارة المصرية وذهب البعض إلى أنه ربما كان الطفلين توأمان وربما كانا يعانيان من إلتصاقًا جسديًا وهو الأمر الذي تم دحضه في مهده حيث أن الطفلين غير شقيقين وليسا من أم واحدة فهما ليسا بتوأمين بالأساس كما أن مومياواتهما لا تشير إلى هذا قط, بل وأنهما أيضًا ليسا في نفس العمر فالأخ الأكبر (بينهوربابيك) توفى وهو يبلغ من العمر ثلاثة سنوات وثلاثة أشهر, بينما الأخ الأصغر (بيتامون / بيدامون) توفى ولا يزيد عمره عن إثنى عشر شهرًا فقط, وهذا ما يدعنا نفكر في أنه ربما سبب الوفاة كان مرضًا أصيب به الطفلين أو وباءًا أخذهما في هذا السن الصغير وكيف عانت تلك الأسرة من مرارة فقدان الطفلين في آن واحد.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.