د.عبدالرحيم ريحان Written by  حزيران 27, 2022 - 243 Views

مغامر سيناء الأول مستكشف خبايا الصحراء أحمد أبو السعود شخصية كاسل الحضارة والتراث

Rate this item
(0 votes)

يمكنك قضاء سنوات بعد سنوات تعيش داخل شرنقة صنعتها لنفسك، تفتح المجال لتسرب اليأس والإحباط والتغرب إليك، وحان الوقت لتخرج من نفسك  إلى آفاق جديدة وعالم جديد يجمع بين ملامح وأحاديث البشر مع الحجر والشجر ونباتات وحيوانات الصحراء، تعيش ثقافات البادية بكل مكنوناتها
الحضارية وتصل الماضى بالحاضر لتصنع مستقبل باهر بين جماليات إبداعات الخالق حولك

ومن هذا المنطلق ستكون رحلتنا مع مكتشف صحراء سيناء الأول التي تقدمه كاسل الحضارة والتراث للعالم اليوم أحمد أبو السعود

نشأته

ولد أحمد أبو السعود عام 1981 في حي المهندسين بالقاهرة, حيث قضى طفولته و شبابه كأي شاب يشق  طريقه في العاصمة الصاخبة، درس التسويق و تخرج من كلية مودرن أكاديمي و انغرس في عالم شركات القطاع الخاص، فعمل في شركات اتصالات و دعاية و إعلان و تنظيم حفلات.

في عام 2006 فقد أبو السعود شقيقه الذي كان بمثابة أب و قدوه له بل كان كل شيء بالنسبة له، وحمد الله على قضاء الله وقدره وتخطى الأزمة لتتحول لديه إلى شرارة غيرت حياته إلى الأبد.

لم يعد قادرًا على التعايش مع حياة المدينة الجافة بعد ذلك، بصخبها وضجيجها، وهرب منها إلى الهدوء والسكينة، كان أبو السعود على يقين أنه بحاجة الى تغيير جذري و يجب عليه أن يستجيب لصراخه الداخلي, فشعر أنه ربما الشيء الذي كان يتوق إليه دون دراية طوال هذا الوقت وهو الرجوع إلى الطبيعة البشرية السليمة حيث يمضي الانسان وقته في الطبيعة يغامر ويستكشف بعيدًا عن نمط الحياة الخامل داخل المدن الأسمنتية.

السفر إلى سيناء

فقرر أن يسافر الي سيناء في استراحة سبعة أيام ليصفي ذهنه و يفكر في الخطوة التالية، وتحولت السبع أيام إلى سبع سنوات، والتقى بصديقين لهما نفس الفكر،  وبعد قضاء بعض من الوقت في شاطىء شبه مهجور بنويبع اتخذوا قرارًا عفويًا وقد شاء القدر أن تتغير حياتهم إلى لأبد.

مخيم الدايرة

مشروع مخيم "الدايرة" كان دائمًا بمثابة حلم مدفون لأبو السعود، و قرر أن يحققه عندما أصبحت الفرصة سانحة، فباع بيته بالقاهرة و بدأ مع أصدقائه ببناء المخيم من الصفر،
مخيم "الدايرة" هو مخيم مستدام وصديق للبيئة تم بناؤه منذ سبع سنوات على أحد الشواطىء العذراء بنويبع بدون أي بنية تحتية أو تجهيزات، حيث بنى أبو السعود و شركائه المخيم بأيديهم دون أي سابق خبرة عن طريق إعادة تدوير واستخدام كل ما توفر من موارد طبيعية وصناعية.
فاستخدموا الخوص و الخشب و القش و جمعوا المخلفات الصناعية المستخدمة في الشحن والتخزين و تعلموا كيفية تجسيد خيالهم و شغفهم في صياغة وإنشاء منزل جديد لهم بغض النظرعن مدى كون أفكارهم غير تقليدية

الفكرة الأساسية "للدايرة" تجسّدت في كونه مركزًا فنيًا على البحر وبالفعل أصبح المخيم مع الوقت موطنًا للفنانين والحالمين والمغامرين الذين كانوا دائما يتركون لمساتهم الفنية.
زار "الدايرة" العديد من الفنانين المشهورين والموهوبين وأقاموا حفلات وورش مختلفة لكافة الفنون فتجد المخيم اليوم مزينًا برسومات وابداعات مبهجة.

 قصة الحب

التقى أبو السعود بحب حياته بالصدفة البحتة، حيث جاءت كضيفة في مخيمه و كانت هي أيضًا تشعر بالضيق من القاهرة وأرادت البحث عن شغفها و تغيير حياتها، وبدأت حياته الأسرية وأنجبا طفلين تربيا في أحضان الطبيعة مع أسرة عاشقة للجمال، وبدأت الأسرة في المغامرات الاستكشافية للصحراء بمساعدة دليل من أهل المنطقة له خبرة طويلة

البحث عن أسرار سيناء

بدأ أبو السعود باصطحاب أحد الرحالة البدو المتمرسين, متعلما منه مهاراته و خبرته, ليتمكن من القيام برحلات طويلة على الأقدام داخل الصحراء و التغلب عليها, و مع الوقت, وجد نفسه مفتونا بصحراء سيناء، و قرر أن يكرس وقته وجهده لاستكشافها والتعرف على كنوز وخبايا الجبال والوديان.
وأول ما لفت نظره صخرة واحدة بها كل ألوان قوس القزح على سطحها، ويتذكر أيضا لحظة كادت أن تبكيه حيث وضع هاتفه لتصوير فاصل زمني يوضح كيف أن نباتًا صغيرًا جدًا كان يسعى بجهد للنمو من تحت الصخور في بيئة قاسية وقاحلة للغاية جعلته يدرك أن كل مشقة يمكن التغلب عليها.

بدأ يدرك أن الصحراء هي توثيق فعلي لملايين السنين من الانجرافات وعوامل التعرية التي سببتها المياه والنار والرياح وتوثيق لكل مسار تركته جميع أشكال وأنواع الحياة إنها بيئة قديمة قدم الزمن، احتضنته الصحراء وأحيته من جديد، لقد فهم أخيرًا أن الكلمات التي غالبًا ما تتكرر بلا تفكير مثل "الطاقة" و "الشفاء" يمكن أن تعني شيئًا في الواقع، تم استبدال ألمه بشغف جديد لا يموت، شغف دفعه دائمًا لتحدي نفسه ليصبح نسخة أفضل يومًا بعد يوم  ليحب الحياة ويقدرها لمدى سحرها وعمقها اللامحدود.

كما أن علاقته الفريدة بالصحراء جعلته يتغلب على مخاوفه الغريزية فلم يعد يخشى الموت، فهو بالنسبة له يمثل الجلوس على حافة جبل تشعر وكأنك انتصرت على كل شيء وأنك تجلس على قمة العالم، لكنك تفهم أيضًا مدى صغرك وهشاشتك، بحيث يمكنك ببساطة أن تسقط مثل صخرة صغيرة وتختفي.
 لكن هذا هو جوهر ما يعنيه أن تكون إنسانًا، فنحن قادرون على مثل هذه الأشياء العظيمة ونحن أيضًا لسنا سوى مجرد ذرات صغيرة من الغبار.

استمرت رحلته لفترة طويلة، وكان لديه الكثير من الجبال لتسلقها حتى قرر أن الوقت قد حان أخيرًا لاصطحاب أشخاص آخرين في رحلات مماثلة حتى يروا الصحراء من خلال عينيه.

اليوم أصبح هو نفسه مرشد صحراء معتمد و مخضرم و أصبح أيضا الوحيد في المنطقة الذي يُسمح له بالذهاب في رحلات بدون مرافقة أهل المنطقة و قام بتمهيد و تحديد مسارات رحلات جديدة داخل الصحراء لتكون سهلة على الزوار خلال جولاته معهم، و اهتم أيضا بتنظيم رحلاته لتنظيف الجبال من المخلفات التي تشوه منظر الطبيعة التي أحبها.

بعد تعلمه كيفية التغلب على تحديات الصحراء  أراد أيضا أن يكون مرشد و دليل جيد للناس وسط الجبال فقرر تعلم الاسعافات الأولية الطبية التي تمكنه من انقاذ حياة أحد في حالة حدوث اي حالة طارئة خصوصًا في أقسى البيئات الطبيعية، وفي عام 2017حصل على تدريب طبي في كورس الاسعافات الدورية في البرية من أعرق و أقدم مدرسة للطب البري في العالم.

 في مجموعة رحلاته الفريدة من نوعها, يسعى أبو السعود جاهدًا لتزويد الضيوف بنفس التجربة التي مر بها عندما اكتشف حبه للصحراء و هي تجربة يصفها بأنها جددت له صحته الجسدية  والنفسية و فتحت له آفاق ذهنه، فرحلاته تتمحور حول تجربة تأملية تدفع الأفراد لتحدي أجسادهم والتغلب على مخاوفهم في بيئة طبيعية برية وهادئة تمامًا بعيدًا عن التكنولوجيا.

اكتشاف النقوش والرسومات

 العام الماضي، و في أثناء أحد الرحلات الاستكشافية فوجيء أبو السعود عندما رأى نقوشًا على الصخور تبدو أثرية وتحتوي رسومات لحيوانات مثل جمال وغزلان وتحتوي أيضا رموز غير مفهومة فتابع التسلسل لهذه النقوش والتي أهدته إلي المزيد والمزيد من النقوش، عبارة عن أشكال لأشخاص يمتطون جمال ويتصارعون بأسلحة بدائية مثل الرماح، و نقوشًا أكثر بدائية لأشخاص رافعين أيديهم فاتحين أكفهم
اكتشف أبو السعود ايضا بعض النقوش المتروكة من جنود في حرب أكتوبر
وبعد بحث مكثف  وبعد التواصل مع الخبراء و الجهات المعنية تبين أن هذه نقوش نبطية وثمودية  وهناك رسومات لجمال تعبر وكأنها تكشف طريقًا للتجار خلال خط سيرهم، وتبدوا كمحطات واستراحات القوافل التجارية التي أنشأت علي طرق التجارة في سيناء خلال ذلك العصر كما أن هناك نقوشًا من أزمنة أخرى.
 
كتب الاكتشاف باسم أبو السعود وتم تسمية المكان باسم "وادي النقوش" وفتح هذا الاكتشاف الباب لدراسات وأبحاث كثيرة ما زالت و ستظل جارية حيث أن الوادي وما ورائه يخبئون بدون شك أسرارًا أخرى.

وادى السحالى
 
جدير بالذكر أنه من الاكتشافات الأخرى لمجموعة أبو السعود هو المكان المعروف الان باسم "وادي السحالي"، هذا الوادي كان مكانًا منسيًا  ومختبئ داخل أعماق صحراء نويبع و في أثناء احدى الرحلات وجدت مجموعة ابو السعود نفسها في وادي يبدوا ساحرًا فكانت الجبال متزينة بألوان نابض وكانت هناك ما يمكن تسميتها بدولة، سكانها عبارة عن سحالي و حربائيات بجميع أشكالهم وأنواعهم وألوانهم المختلفة فمن هنا اتت تسمية المكان

 تم توثيق قصة أبو السعود في فيلم قصير اسمه "ما وراء الحافة" و ما زالت المغامرة مستمرة ينضم اليها رفقاء جدد و تسعى الى استكشافات و آفاق جديدة.

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.