د.عبدالرحيم ريحان

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

كيف نروج لرحلة العائلة المقدسة كطريق للحج المسيحى؟ دراسة جديدة

دراسة جديدة للدكتورة هايدى أحمد موسى الآثارية بوزارة الآثار تحت عنوان "أيقونة رحلة العائلة المقدسة و دورها فى الدعاية لرحلات الحج المسيحى لمصر تطبيقًا على بعض النماذج الآثرية المختارة" ترصد الأيقونات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة

وتؤكد الدكتورة هايدى أحمد موسى أن الرحلة بدأت بخروج يوسف النجار راكبًا على حمار وأركب السيدة العذراء والطفل ورافقهما سالومى واتخذت العائلة المُقدسة فى طريقها إلى مصر أكثر من مكان لترتاح و تستقر فيه لفترة وجيزة, و بالتالى تركوا أثارهم فى أكثر من بقعة من البقع التى أستقروا فيها, و كانت المدن الكبرى التى مروا بها حوالى عشرين مدينة أو منطقة, غير القرى العديدة التى فى الطريق, كما كانوا يعبرون النهر إلى الشرق أحيانًا و إلى الغرب أحيانًا أخرى

هذا و لقد أضفى الطريق الذى سلكته العائلة المقدسة عبر سيناء إلى مصر أهمية روحية عند المسيحيين الذين يعتبرون الطرق و المسالك و الدروب التى سلكتها العائلة المقدسة أثناء رحلة الهروب إلى مصر و العودة من مناسك الدين يجب على القادر أن يسلكها, وحثت على سلوكها بل و اعتبار كل مكان و موضع وطأته قدما المسيح مكان مقدس يجب زيارته و التعبد فيه, و عليه فقد تم تشييد العديد من الكنائس و الأديرة فى المحطات التى استراحت بها العائلة المقدسة

تصوير الرحلة

وتشير الدكتورة هايدى موسى أن تصوير موضوعى الرحلتين إلى أرض مصر و إلى بيت لحم على الأيقونات قد تشابها من حيث الشكل و التكوين فى الفنون المسيحية الشرقية, إلا أن الاختلاف بينهما هو أن الطفل يسوع لا يصور فى الرحلة إلى بيت لحم,كما نجد أن الفنانيين الشرقيين اتخذوا أحيانًا الإتجاه من البحرى إلى القبلى ليعبروا عن الذهاب إلى مصر, و الإتجاه من القبلى إلى البحرى للتعبير عن العودة إلى فلسطين,هذا و إن كان الفنان القبطى لم يهتم بتناول الرحلة إلى بيت لحم كمادة للتصوير, إلا أنه صور موضوع الرحلة إلى أرض مصر لأنها رحلة هامة تحمل الكثير من المعانى المعبرة عن المعاناة و الخوف و الحيطة و الحذر, و قد أبدع الفنان القبطى فى التعبير عن اتجاه الرحلة إلى أرض مصر من خلال أشجار النخيل التى تميز أرض مصر, و من خلال تصميم المبانى التى تعبر عن البيئة المصرية, و فى بعض الأحيان يعبر عن خروج الرحلة من خلال الخلفية التى تصور مبانى على الطراز البيزنطى جمالونية الأسقف تحتضنها أشجار الصنوبر و فى كلتا الرحلتين كانت تصور العائلة المقدسة فى صورة قافلة صغيرة يتقدمها الشيخ يوسف النجارالذى يمسك بإحدى يديه بلجام الحمار, الذى تمتطيه السيدة العذراء مريم و من أمامها الطفل يسوع

 وفى بعض الأحيان نجد السيدة العذراء تجلس بمفردها على الحمار, بينما الطفل يسوع يحمله يوسف النجار على كتفيه,و من خلف الركب تسير إمراءة فارعة الطول فى خريف العمر تحمل فى يدها صُرة بها متاع الأسرة من ملابس و طعام و شراب ,هذا و قد لاحظنا ندرة الصور الجدارية التى تصور رحلة العائلة المقدسة فى مصر فى المبانى القبطية التى ترجع إلى العصور الوسطى, فى حين نجد فى مصر العديد من الأيقونات التى تصور هذا الموضوع, و خاصة الأيقونات التى صُنعت خلال القرن الثامن عشر الميلادى

كيفية الترويج للرحلة

تطالب الدكتورة هايدى موسى بالإستعانة بهذه الأيقونات كرمز ترويجى فى الدعاية لرحلات الحج المسيحى لمصر, و ذلك من خلال الدعاية و الإعلان عن أهمية و قصة هذه الأيقونة و ربطها بما ورد من نصوص بالكتاب المُقدس, فالإعلان هو أحد أبرز عناصر المزيج الترويجى والذي يستخدم بشكل واسع من قبل كل المنشآت الصناعية والتجارية والخدمية فى عمل العديد من النماذج لأيقونة رحلة العائلة المقدسةالمُنفذة على مواد مختلفة كهدايا تذكارية وعرضها فى المعارض الداخلية والخارجية التى تقيمها وزارة السياحة وكذلك التعاون مع القطاع الخاص ليكونوا رعاة لرحلات الحج المسيحى لمصر,مع حثهم على القيام بعمل نماذج لأيقونة رحلة العائلة المُقدسة توزع كهدايا مجانية على الحجاج

وكذلك الترويج لقصة الرحلة من خلال الأفلام التسجيلية و الأفلام القصيرة, وعمل نماذج لأيقونة رحلة العائلة المُقدسة تخاطب الأطفال بشكل مُبسط, وتخصيص منطقة فى الواجهة الأمامية للكاتدرائيات الكبرى فى مصر والعديد من دول العالم لمحاكاة رحلة العائلة المقدسة من خلال تصميم بعض الظروف البيئية التى صاحبت هذه الرحلة المٌقدسة, وذلك لإيضاح الأهمية الدينية  والروحانيات, فضلاً عن إيضاح المتاعب و الآلام التى عانتها العائلة المُقدسة خلال رحلتها, و كذلك الكرامات و البركات التى حدثت فى الأماكن التى تشرفت بزيارة العائلة المُقدسة.

كما تطالب الدكتورة هايدى موسى بوجود منهجية علمية وإدارة واعية متفهمة لطبيعة المواقع التى زارتها العائلة المقدسة عند إدارتها, خاصة وأن هناك العديد من الأديرة و الكنائس بمحطات الزيارة تقع فى الصحراء ,و بالتالى فلابد من مراعاة الأحوال والتقاليد والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة فى محيط هذه الأماكن, مع توافر قاعدة بيانات إدارية تقدم الحلول الفعالة لإدارة هذة المواقع على الوجه الأكمل

تضافر الجهود

وتنوه الدكتورة هايدى موسى إلى ضرورة تضافر الجهات المعنية والمسئولة والتوقيع على برتوكلات تعاون فيما بينهم ومنهم وزارة الآثار والسياحة والثقافة والبيئة والصحة والداخلية والخارجية والدفاع والمحليات ووضع تصور و إفتراض لعدد الحجاج القادمين وكيفية التعامل مع هذه الأعداد من حيث طبيعة البرامج السياحية الملائمة لهم, خاصة وأنه من المتوقع زيادة هذه الأعداد خلال فترة الأعياد,مع وضع البرامج السياحية المختلفة المُدد و التكلفة والتى تخاطب كافة الشرائح المتوقع قدومها للحج، مع القيام بالحملات الإعلامية و الإعلانية السياحية فى الداخل والخارج

وكذلك الترويج الالكتروني عبر شبكة الإنترنت من خلال مواقع وزارات السياحة و الآثار و الثقافة على أن تكون بخمس لغات وإرسال نشرات إخبارية بالبريد الإلكتروني لشركات السياحة وإقامة المؤتمرات والندوات التثقيفية بحضور رجال الدين المسيحى وعمل توثيق لمواقع رحلات الحج المسيحى لمصر من خلال الواقع الإفتراضى مع عمل تطبيقات على الهواتف الجوالة توضح و تشرح مواقع الحج المسيحى و أهم معالمها الدينية و التاريخية و الأثرية و الفنية

وتتابع الدكتورة هايدى موسى بأن هناك حاجة ضرورية لعمل مسار للزيارة يوضح للزوار خط السير, مع عمل مطويات لأهم الفعاليات و الإحتفالات بالموالد فى أماكن الحج, وعمل لوحات تعريفية عند كل آثر أومبنى أو شجرة أو بئر ماء لتوضح أهم معالم الرحلة الدينية و التاريخية و الأثرية و الفنية وكذلك عمل مراكز للزوار فى كل موقع من مواقع الحج يتم فيها عرض أفلام قصيرة تشرح أهمية كل موقع فى مسار الرحلة,  وكذلك مشاركة الحجاج والزائرين بمحاكاتهم لرحلة العائلة المُقدسة من خلال إرتدائهم نفس الملابس وبعد الإنتهاء من الرحلة لابد من متابعة ما يكتبه هؤلاء الحجاج عن تجربتهم فى مصر, أو ما يتحدثون به في مجتمعاتهم وتقييم كل هذا، كما أنه من الضروري الحرص على استمرار علاقات الود والصداقة بهؤلاء الحجاج, و محاولة استمرار الإتصال بهم مع موافاتهم بالمطبوعات السياحية الدورية ودعوتهم لزيارة البلاد مرة أخرى

فى ذكرى دخول العائلة المقدسة إلى مصر

تكريم السيد المسيح فى القرآن الكريم والربوة هى أرض مصر 

فى ذكر دخول العائلة المقدسة إلى مصر الأول من يونيو نؤكد أن السيد المسيح عليه السلام له مكانة كبيرة فى الإسلام حيث ذكر فى القرآن الكريم فى 33 آية تضمنتها 13سورة  وقد ذكر أن عمر السيد المسيح حين توفاه الله  33 عام كما ذكر 37 عام وذكره فى القرآن الكريم 33 مرة يؤكد أن عمره كان 33 عامًا حين توفاه الله  وقد ذكر السيد المسيح بلفظ المسيح تارة وهو لقب له وبلفظ عيسى وهو اسمه العلمى وهو بالعبرية (يشوع) أى المخلص إشارة إلى أنه سبب لتخليص كثيرين من آثامهم وضلالهم كما ذكر بكنيته (ابن مريم) تارة أخرى

وقد ذكر السيد المسيح عليه السلام فى القرآن الكريم فى سورة البقرة فى  ثلاث آيات  وآل عمران خمس آيات والنساء أربع آيات والمائدة تسع آيات والأنعام آية واحدة والتوبة آيتين ومريم آية واحدة والمؤمنون  آية والأحزاب  آية والشورى آية والزخرف آيتين والحديد آية والصف آيتين وقد اصطفى سبحانه وتعالى السيدة مريم على نساء العالمين فى سورة آل عمران آية 42 }وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ{ كما ذكرت السيدة مريم 11 مرة بالقرآن الكريم فى سورة آل عمران وسورة باسم السيدة مريم وهى سورة مريم وسورة المؤمنون وسورة الزخرف وسورة التحريم وسورة النساء

وفى الآية 50 فى سورة المؤمنون }وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ{ فسّر البعض المقصود بالربوة ذات قرار ومعين هى أرض مصر التى لجأت إليها العائلة المقدسة وهى أرض بها نبات وربى ومن المعروف أن العائلة المقدسة استراحت بعد عبورها سيناء وصحراء مصر تحت ظل شجرة بحديقة البلسم التى أنشأتها كليوباترا السابعة (69 – 30 ق.م) بموقع المطرية حاليا وقد جاءت العائلة المقدسة مصر بعد إنشاء حديقة كليوباترا بخمسين عامًا وتعتبر شجرة المطرية هى الشجرة الوحيدة الباقية من حدائق البلسم وقد جلب أنطونيو أشجار البلسم من منطقة أريحا لتزرع فى مصر من أجل محبوبته كليوباترا وذكر المؤرخون بأن شجرة مريم الأصلية التى استراحت عندها العائلة المقدسة سقطت عام 1656م والشجرة الحالية نبتت من جذور الشجرة الأصلية وتعود لعام 1672م

كما ذكرت معجزات السيد المسيح الطبية فى القرآن الكريم فى سورة آل عمران آية 49 }أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ{ والأكمه هو الأعمى أو الأعشى أو الذي يولد أعمى والبرص بياض يصيب الجلد ومنه البهاق

واتجهت معظم الكنائس فى العالم ناحية الشرق حيث يطلق على العنصر المعمارى المبنى باتجاه الشرق بالكنائس (شرقية الكنيسة) وهو العنصر الأساسى فى العمارة الكنسية وقد ذكر فى إنجيل متى 24 : 27 (لأنة كما أن البرق يخرج من المشارق و يظهر إلي المغارب هكذا يكون ‏أيضًا مجيء ابن الإنسان) أى مجئ السيد المسيح عليه السلام من الشرق  كما جاء فى إنجيل متى وذكر فى القرآن الكريم فى سورة مريم آية 16 ، 17 اتجاه السيدة مريم العذراء إلى الشرق حين جاءتها البشارة بنبى الله عيسى عليه السلام }وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا {وقد أمر سبحانه وتعالى كل المسلمين فى سورة البقرة آية 3 ، 4 بأن أول قواعد الإيمان هى الإيمان بالله سبحانه وتعالى والإيمان بالقرآن الكريم والإيمان بكل الرسل قبل محمد عليه الصلاة والسلام }وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{ ومنهم نبى الله عيسى عليه السلام بالطبع

منبر الظاهر جقمق وجماليات الفن الإسلامى

يشير عالم الآثار الإسلامية أبو العلا خليل لجماليات منبر آية فى الجمال فى الآثار الإسلامية بمصر وهو منبر السلطان الظاهر جقمق بمدرسة السلطان برقوق بشارع المعزلدين الله وكان جقمق جاركسى الجنس حضر إلى مصر ضمن جملة من أطفال صغار صحبة تاجر العبيد الخواجه كزلك وتداول بالبيع والشراء إلى أن استقر فى خدمة السلطان الظاهر برقوق الذى إعتقه وجعله خاصكياً أى من خواصه ولما توفى الظاهر برقوق عام 801هـ وتولى إبنه الناصر فرج جعل جقمق ساقياً أى من يتولى سقى الشراب قبله خشية أن يكون مسموماً

ويتابع أبو العلا خليل بأن نجم جقمق أخذ فى الصعود فى سلطنة المؤيد شيخ ثم فى سلطنة الأشرف برسباى الذى جعله وصياً على ولده الصغير العزيز يوسف وبوفاة السلطان برسباى استقر الأمراء على خلع السلطان الصغير العزيز بن برسباى وتولية السلطان الظاهر جقمق عام 842هـ ووفاءاً لسيده الأول السلطان الظاهر برقوق أقام السلطان الظاهر جقمق هذا المنبر بمدرسته بشارع المعزلدين الله

ويتكون المنبر من قاعدة وريشتين جانبيتين زخرفتا بأشكال من الأطباق النجمية وصدر يحتوى على باب المقدم ويعلوه النص التأسيسى " أنشأ هذا المنبر المبارك السلطان الملك الظاهر محمد ابوسعيد جقمق عز نصره " ويؤدى سلم المنبر إلى جلسة الخطيب ويعلوها جوسق أى خوذة تشبه رؤوس المآذن المملوكية زخرفت بعناصر نباتية ذات أوراق مذهبة

ويوضح أبو العلا خليل أن السلطان الظاهر جقمق صاحب هذا المنبر توفى ليلة الثلاثاء ثالث من شهر صفر سنة 857هـ وقد زاد على الثمانين من عمره وقراء القرآن الكريم من حوله ودفن بتربة أخيه الأمير جاركس القاسمى المصارع بالقرب من دار الضيافة تجاه سور القلعة بشارع السيدة عائشة حاليًا وقد توفى ولم يبنى مدرسة ولا تربة لأنه كان يرى أن إصلاح مايشرف على الهدم أولى من بناء جديد

 

الجامع الغمرى بباب الشعرية وكرامات الشيخ البدرانى

هو الشيخ الزاهد العابد الكريم الورع أمين الدين بن النجار البدرانى المصرى إمام جامع سيدى محمد الغمرى بشارع أمير الجيوش المطل على ميدان باب الشعرية والذى قال عنه المؤرخ الشعرانى فى الطبقات الكبرى أنه كثير العبادة والكرامات

وعن حياة هذا الشيخ يقول الباحث الآثارى أبو العلا خليل أن الشيخ أمين الدين كان قارئاً للقرآن بصوت ماسمع السامعون بمصر مثله وكان الناس يأتون للصلاة خلفه من جميع أنحاء البلاد لحسن صوته وخشوعه وكثرة بكائه حتى يبكى غالب الناس خلفه وكان الناس يخرجون من الجامع عقب الصلاة فى مثل خروج الناس فى الحج وإذا سافر لأمر ما كان الجامع الغمرى كالجسد بلا روح

ويتابع أبو العلا خليل ان الشيخ كان فى غاية التواضع وعطوفاً على الفقراء والمساكين وأصحاب الاحتياجات الخاصة يجلب لهم كل شئ بنفسه من الأسواق ويأكل معهم  وكان يحمل الخبز على رأسه من الفرن وكل من يراه من أكابر القوم وهو يحمل الخبز ينزل من على فرسه ويقبل يده ويسير معه  ولا يقدر على الركوب حتى يفارقه الشيخ

وللشيخ أمين الدين البدرانى كرامات يقول عنها المؤرخ الشعرانى فى كتاب الطبقات الكبرى  (ومما رأيته له من الكرامات أننى كنت أقرأ عليه شرح البخارى باب جزاء الصيد فذكر عبارة " جزاء التيتل " فقلت ماهو التيتل؟ فقال إن شاء الله تراه فى هذا الساعة والتيتل هو الذكر المسن من الأوعال جمع وعل وهو من الماشية فخرج التيتل من المحراب فوقف على كتفى فرآيته شبيه ما بين الحمار والتيس وله لحية صغيرة ووضع فمه على كتفى فقال هاهو ثم دخل الحائط فقبلت رجله فقال اكتم مارأيته حتى أموت) ولم يذكر المؤرخ الحادثة إلا بعد وفاته

 ويتابع أبو العلا خليل بأن الشيخ أمين الدين ظل إمامًا للجامع الغمرى 57 سنة لم يدخل عليه وقت الصلاة الا وهو فى طهر دائم وما نام عن قيام الليل فى صيف ولا شتاء إلى أن جاء الأجل فى شهر ذى القعدة عام 929هـ ودفن بتربته خارج باب النصر وعن حسن خاتمة الشيخ يقول الشعرانى ( كان الشيخ مريضا فزحف إلى ميضأة الجامع وتوضأ فغلب عليه المرض فوقع فى الميضأة بثيابه وعمامته ومازال الشيخ يتحامل على نفسه فطلع وثيابه تقطر ماءاً وصلى بالناس صلاة المغرب ثم مات بعد صلاة العشاء فى تلك الليلة

ومن المصادفة الغريبة أثناء تصوير الجامع مرور أحد الفرّانين يحمل خبزًا على درّاجة وكأنها تؤكد على أفضال الشيخ الكريم الذى كان يحمل الخبز من الفرن بنفسه لفقراء المسلمين وكام محل مسجد الغمرى مدرسة أنشأها الأمير سيف الدين يزكوج الأسدى أحد أمراء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب 592هـ وجعلها وقفاً على فقهاء المذهب الحنفى

ويوضح أبو العلا خليل أن مدرسة يزكوج الأسدى حين أوشكت على الاندثار قيض الله لها الولى الصالح سيدى محمد الغمرى نسبة إلى مولده بمدينة منية غمر عام 786هـ وكان للشيخ الغمرى همة كبيرة فى إقامة الجوامع والزوايا وعمارة أماكن العبادة التى أوشكت على الاندثار والتى بلغت نحو الخمسين مبنى ومن بينها مدرسة يزكوج الأسدى التى أصبحت الجامع الغمرى الباقى حتى الآن

دراسة تكشف عن سبيل وقبة نقيب الأشراف بقرافة الإمام الشافعى

كشفت دراسة أثرية للباحث الآثارى أبو العلا خليل عن سبيل ومدفن بشارع الإمام الليث بقرافة الإمام الشافعى وهو غير مسجل فى عداد الآثار ولم يذكر فى أى دراسات أثرية سابقة خاصة بالأسبلة العثمانية

ونلقى الضوء على هذا الكشف الهام الذى يشمل سبيل لسقى العطشى من المارة ومدفن لصاحب المنشأة وهو الفقيه حسن بازناده أفندى نقيب الأشراف بمصر على عهد الوالى العثمانى محمد باشا رامى حين كانت مصر ولاية تابعة للسلطان العثمانى بأسطنبول عام 1116هـ / 1704م

وقد أقام الشريف حسن أفندى سبيله بشارع سيدى عقبة بالإمام الشافعى لسقى العطشى من المارة وهو من أقرب القربات لعل يصل إليه دعاء المرتوين من مائه له ولأجداده الراقدين بمدافنهم بجوارالسبيل  ويعلو شباك التسبيل النص الإنشائى التالى (أنشأ هذا السبيل ابتغاء مرضاة الله تعالى الفقيه السيد حسن بازناده نقيب الأشراف بمصر سنة 1116هـ)

والأشراف هم أصحاب الشرف بنسبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولى أمرهم  "نقيب الأشراف" وهو المسئول عن حفظ قوائم المنتمين إلى السلالة النبوية الشريفة ويوزع عليهم المخصصات النقدية أو العينية المقررة لهم من الخزانة وكانت الدول العثمانية حريصة على تعيين نقيبًا تركيًا للأشراف فى مصر

وقد أوضحت الدراسة أن الرحالة التركى أوليا جلبى الذى زار مصر عام 1092هـ / 1680م ذكر فى كتابه سياحتنامة مصر أن نقيب الأشراف كان تحت سلطانه 46000 نسمة من السادة الأشراف القاطنين بالقاهرة والقطر المصرى وإذا كان حفل استقبال الباشا الوالى العثمانى الجديد عند حضوره من إسطنبول انقلبت الشوارع إلى خضرة من العمائم وهو اللون المميز للأشراف تحت العلم المحمدى وهم يمرون بالآداب الرسولية فى صفوف منتظمة راكبين جيادًا أصيلة

وأشارت |إلى أن عائلة الشريف حسن أفندى نالت رضى الدولة العثمانية حتى كانت النقابة لأبيه وجده وعمه من قبله ونقلت عن أحمد شلبى بن عبد الغنى الحنفى فى "أوضح الإشارات" (وفى يوم الجمعة سابع رجب عام 1121هـ /1709م توفى حسن أفندى نقيب الأشراف بالقاهرة ودفن بالقرافة وكانت جنازته حافلة جمعت الخاص والعام، وكان هذا المنصب لجده ولأبيه وعمه وبموته خرجت النقابة من العائلة اذ لم يترك إلا بنتًا واحدة زوجّها قبل أيام من وفاته، وفى ثانى يوم أقيم فى منصب النقابة السيد مصطفى بن السيد أحمد الرفاعى إلى أن يرد جواب من الديار الرومية بتعيين نقيب جديد للأشراف)

تاج الجوامع جامع عمرو بن العاص

جامع عمرو بن العاص هو ثانى جامع أقيم فى مصر بعد جامع سادات قريش ببلبيس بمحافظة الشرقية أنشأه بالفسطاط الصحابى الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه  عام 21 هـ ، 641م بعد فتحه لمصر واشترك فى تحديد قبلته ثمانون من الصحابة يصفه المؤرخ إبن دقماق فى كتاب الإنتصار لواسطة عقد الأمصار

( إمام المساجد ومقدم المعابد قطب سماء الجوامع ومطلع الأنوار اللوامع موطن أولياء الله وحزبه طوبى لمن حافظ على الصلوات فيه وواظب على القيام بنواحيه وتقرب منه إلى صدر المحراب وخر إليه راكعاً وأناب )

وفى لقاء منبر الحضارة مع باحث الآثار الإسلامية الشهير أبو العلا خليل يوضح أن عمرو بن العاص رضى الله عنه  اختار بناء جامعه على الضفة الشرقية للنيل فى منطقة بها أشجار كروم وتبعد نحو مائة متر جنوب حصن بابليون وكان جامع عمرو عند إنشائه يقع مباشرة على النيل وقد أخذ مجرى النيل ينتقل تدريجيا نحو الغرب حتى صار على ماهو عليه الآن والجامع الحالى لا يشتمل على شئ من الجامع الأصلى القديم الذى بناه عمرو غير مساحة الأرض التى كان قد بنى عليها وتقع هذه المساحة فى النصف الشرقى من رواق القبلة أى على يسار الواقف فى رواق القبلة تجاه المحراب

تخطيط الجامع

 يصف أبو العلا خليل تخطيط جامع عمرو بأنه أقدم الطرز المعمارية لبناء المساجد وأهمها وهو الطراز المشتق من عمارة الحرم النبوى الشريف أى الطراز الذى يتألف من صحن أوسط مربع يحيط به من جوانبه الأربعة أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة كما استوحى عمرو فى تخطيطه بناء داره خارج من جهة الشرق ومحاذى لجداره وترك بينها وبين المسجد طريقاً يبلغ عرضه نحو أربعة أمتار أسوة بمسجد النبى صلى الله عليه وسلم وداره فى المدينة المنورة

ومن جميل ما ذكره عبد الرحمن بن عبدالحكم فى فتوح مصر وأخبارها ( كتب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما : أنا قد اختطنا - أى بنينا - لك داراً عند المسجد الجامع فكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز يكون له داراً بمصر ! وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين وعرفت هذه الدار " دار البركة") كما بنى عمرو الى جوار الجامع حمام عرف  بحمام الفأر  وعن ذلك يذكر السيوطى فى حسن المحاضرة (اختط عمرو بن العاص الحمام التى يقال لها حمام الفأر لأن حمامات الروم كانت كبار فلما بنى هذا الحمام ورأوا صغره قالوا : من يدخل هذا الحمام ! هذا حمام فأر ) وبعد أن فرغ عمرو من بناء جامعه اتخذ له منبراً على غرار منبر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة فلما علم الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه غضب وأمر بكسر المنبر - والحديث لإبن ظهيرة فى الفضائل الباهرة - وأرسل إليه : أما يكفيك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت قدميك فكسره عمرو

حكاية المئذنة

ويوضح الباحث فى الآثار الإسلامية أبو العلا خليل لمنبر الحضارة أن جامع عمرو بن العاص نال على مر الزمان رعاية وعناية الولاة والحكام وكانت أولى العمائر على يد الوالى مسلمة بن مخلد الأنصارى والى مصر من قبل الخليفة الأموى معاوية بن أبى سفيان سنة 53 هـ ، 673م وكان سبب هذه العمارة أن المسجد ضاق بالمسلمين فشكوا إلى مسلمة فكتب مسلمة إلى الخليفة معاوية يطلب منه الإذن فى ذلك فهدم مسلمة المسجد وزاد فى مقدمته أى عند الجانب المواجه للقبلة وأضاف رحبة أمام هذا الجانب صار الناس يصيفون فيها كما زاد فى الجامع من ناحيته الشرقية  مما يلى دار عمرو بن العاص حتى ضاق الطريق بينه وبين الدار كما زود مسلمة فى هذه العمارة المسجد بمئذنة والتى صارت بعد ذلك أساساً لظهور أحد المعالم المهمة فى تصميم المساجد ذلك أن مسلمة بن مخلد بنى فى أركان الجامع أربع صوامع ليلقى منها الآذان ونقش اسمه عليها وأمر المؤذنين أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل وأمر ألا يضرب فيه ناقوس عند الفجر كما كان يضرب أولاً

وذكر الكندى فى  كتاب الولاة والقضاة (أن مؤذنوا جامع عمرو بن العاص كانوا يؤذنون للفجر أولاً فإذا فرغوا من آذانهم أذن كل مؤذن فى مساجد الفسطاط فى وقت واحد فكان لآذانهم دوى شديد)

دار عمرو

يشير أبو العلا خليل للزيادة الثانية بالمسجد على يد الوالى عبد العزيز بن مروان من قبل الخليفة الأموى عبد الملك بم مروان عام 79هـ ، 698م فزاد فى الجانب المواجه للقبلة حيث أدخل فيه الرحبة التى كان قد أضافها مسلمة بن مخلد عام 53هـ ، 673م ومن الملاحظ أنه لم يستطع أن يوسع الجامع من جانبه الشمالى الشرقى لوجود دار عمرو بن العاص عند هذا الجانب  وعمل الوالى عبد العزيز بن مروان على أن يوفر للمسجد وسائل الهدؤ والوقار ورتب به قراءة المصحف وكان هو أول من فعل ذلك

وذكر ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة  (ويقال أنه دخل المسجد يوما عند طلوع الفجر فرأى فى أهله ثقل فأمر بإغلاق أبواب المسجد عليهم ثم أخذ يستطلع حالهم رجلاً رجلاً فكان يقول للرجل ألك زوجة ؟ فيقول لا فيقول زوجوه ألك خادم ؟ فيقول لا  فيقول أخدموه أحججت ؟ فيقول لا فيقول أحجوه  أعليك دين ؟ فيقول نعم فيقول أقضوا دينه فأقام المسجد بعد ذلك دهراً عامراً)

تصويب القبلة وإدخال المنابر

يوضح أبو العلا خليل أن ثالث الزيادات بجامع عمرو كانت على يد الوالى قرة بن شريك من قبل الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك عام 93هـ ، 711م واستغرقت عاماً كاملاً ذادت فيه مساحة الجامع حيث أدخل فيه أجزاء من دار عمرو ودار ابنه عبد الله فى الجانب الشمالى الشرقى كما وسع قليلا من ناحية القبلة وقد انتهز قرة بن شريك هذه الفرصة فصوب اتجاه القبلة وكانت منحرفة قليلا عن الاتجاه الصحيح

 وفى عام 94هـ ،713م أضاف قرة بن شريك منبر خشبى لجامع عمرو وقد تبع ذلك إدخال المنابر فى قرى مصر أما الزيادة الرابعة بجامع عمرو فكانت عام 133هـ ،750م على يد القائد العباسى صالح بن على بعد سقوط الخلافة الأموية وصارت مصر بالتبعية ولاية إسلامية تابعة للخليفة العباسى ببغداد وفيها قام صالح بن على بتوسعة المسجد من الركن الشمالى الغربى وأدخل فيه دار الصحابى الجليل الزبير بن العوام بتلك الجهه وأضاف باباً للمسجد فى جداره الشمالى عرف بباب الكحل لأنه كان يقع فى مواجهة زقاق الكحل

حكاية فوارة المسجد

ويستمر أبو العلا خليل مشيرًا إلى أن الزيادة الخامسة فى جامع عمرو بن العاص تعتبر أكبر الزيادات وآخرها وقد احدثت فى عهد والى مصر عبدالله بن طاهر من قبل الخليفه العباسى المأمون عام 212هـ ، 827م حيث أضاف عبدالله بن طاهر مساحة جديدة إلى المسجد من ناحية الجنوب تعادل المساحة التى كان عليها وأصبحت مساحة المسجد على ماهو عليه الآن 120م طول ، 112م عرض

وفى صحن جامع عمرو بن العاص بنى أسامه بن زيد التنوخى متولى الخراج -أى الضرائب- بمصر سنه 97هـ وفى خلافه سليمان بن عبد الملك بناء ذو قبة عرف ببيت المال ليحفظ به مال الدولة كما تودع به أموال اليتامى حفظاً لها من الضياع

 وفى سنه 378هـ فى خلافه العزيز بالله ثانى الخلفاء الفاطميين بمصر قام الوزير يعقوب بن كلس ببناء فوارة (فسقية) تحت بيت المال ونصب فى الفوارة حباب الرخام للماء -أى أزيار- وقد زار الرحالة ابن سعيد المغربى جامع عمرو بن العاص فى أواخر العصر الأيوبى فكتب يقول  (والجامع قديم البناء غير مزخرف يتخذه أهل الفسطاط مكاناً للنزهة فيجلسون فى أرجائه ويتناولون طعامهم والصبية يطوفون عليهم بأوانى الماء والصبيان يلعبون فى صحنه والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك والأهالى يعبرون فيه بأقدامهم من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق غير أنى وجدت فيه كثير من الإرتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك فعلمت أنه سر مودع من وقوف الصحابه رضوان الله عليهم فى ساحته عند بنائه)

 وفى عام 702هـ ، 1303م تعرضت البلاد لزلزال مدمر أدى إلى تصدع جدران المسجد فقام الأمير سلار على عهد السلطان المملوكى الناصر محمد بن قلاوون بعمل عماره كبيره للجامع بقى منها الآن محراب جصى لايزال يشاهد فى واجهة الجامع الرئيسية من الخارج بالإضافة إلى بعض الشبابيك الجصية فى ذلك الجدار وللمحراب شريط من الكتابة العربية بالخط الثلث الجميل من بينها اسم "سلار" وكذا زخارف نباتيه غاية فى الدقه والإبداع

 المنارتين والمحرابين

وفى العصر العثمانى شهد جامع عمرو بن العاص إصلاحات الأمير مراد بك عام 1212هـ ، 1797م وعن ذلك يذكر الجبرتى فى عجائب الآثار فى التراجم والأخبار  (لما رأى الأمير مراد بك خراب جامع عمرو وسقوط سقوفه فخطر بباله تجديده وأنفق عليه أموالاً عظيمه فأقام أركانه وشيد بنيانه ونصب أعمدته وبنى به منارتين وهما الباقيتان إلى الآن وفرشه جميعاً بالحصر الفيومى وعلق به قناديل وأثبت مراد بك تاريخ هذه العمارة فى ألواح تاريخية فوق الأبواب الغربية والمحرابين الكبير والصغير برواق القبلة) ولما دخلت الحملة الفرنسية مصر جرى على مسجد عمرو ماجرى على غيره من الهدم والتخريب وأخذت أخشابه وفى جدار القبلة يوجد محرابان يرجعان إلى عهد مراد بك

ضريح عبد الله بن عمرو

يقع فى الركن الشمالى الشرقى برواق القبلة ضريح ينسب للصحابى الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص الذى توفى ودفن فى داره  عام 65هـ عندما قدم الخليفه الأموى مروان بن الحكم إلى مصر لاستخلاصها من والى مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهرى من قبل عبد الله بن الزبير لما بويع بالخلافه فى مكة المكرمة

ويذكر الكندى فى كتاب الولاة والقضاة  (فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته الى المقبرة لشغب الجند على الخليفه مروان بن الحكم فدفن بداره) وكانت دار عبد الله مجاورة لدار والده عمرو بن العاص وهما بالجهة الشرقية ناحية رواق القبلة للمسجد بحدوده القديمة وكان بينهما وبين المسجد طريق لعبور المارة  وذكر إبن تغرى بردى فى كتاب النجوم الزاهرة أنه فى عام 93هـ قام الوالى قرة بن شريك بعمل زيادة للمسجد من جهتة الشرقية فأخذ بعض دار عمرو بن العاص وإبنه عبد الله فى المسجد وأخذ منهما الطريق الذى بين المسجد وبينهما وظل قبر عبد الله بن عمرو مجهول الإسم والمعالم لأنه لم يكن من المعهود ولا من المقبول دفن الموتى داخل المساجد حتى العصر العثمانى فقام الأمير مراد بك بعمل عمارة كبيرة بالمسجد فلعله أراد إحياء وجود مقبرة عبد الله بن عمرو داخل المسجد فبنى المقصورة وعليها قبة ويعتاد المصريون صلاة آخر جمعة فى رمضان بمسجد عمرو بن العاص إحياءاً لذكرى مؤسس الجامع الذى توفى ليلة عيد الفطر أى فى آخر أيام رمضان

 

 

بوابة قصر الغورى بشارع الصليبة

كانت خاتمة حياة السلطان الغورى فى موقعة مرج دابق عام 922هـ حين أستشعر هزيمته اعتراه رجفة وسقط من على ظهر فرسه وكان بطيناً سميناً فدهسه الفرس بحوافره وتوفى على الفور وهو ملقى على الأرض ودخل السلطان العثمانى سليم الأول القاهرة منتصرا وجلس على عرش السلطان الغورى وسكن  بقصره بشارع الصليبه بالسيدة زينب لتصدق فيه الآية الكريمة (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوم اخرين)

ويشير الباحث الآثارى أبو العلا خليل من خلال كتاب إبن إياس بدائع الزهور فى وقائع الدهور وفى شهر رجب عام 913 هـ / 1508م  كان انتهاء العمل مما جدده السلطان الغورى من العمارة بالقصر الكبير فلما تم ذلك صنع به وليمة كبيرة حضرها القضاة والأمراء وقرأ بها القرآن قرّاء البلد قاطبة ومدت الأسمطة (موائد الطعام)  

وقد جار الزمان على قصر السلطان الغورى ولم يتبقى منه سوى البوابة الرائعة المكونة من عقد مدائنى يعكس طراز المداخل فى عصر المماليك وعلى جانبى المدخل يوجد مكسلتان أى مصطبتان لجلوس الحراس وعلى يمين  المدخل يوجد شرفة محمولة على كوابيل حجرية وكانت تستخدم كبرج للحراسة والمراقبة وعليها رنك (شعار)  السلطان الغورى داخل دائرة.

بطاقة هوية وتعريف علمى لدورق ربيعة ابن أحمد بن طولون بمتحف الفن الإسلامى

دراسة للباحث الآثارى أبو العلا خليل تضع بطاقة هوية وتعريف لدورق زجاجى بمتحف الفن الإسلامى بدون أى تعريف

الدورق صنع من عجينة معتمة غير شفافة غاية فى الدقة والجمال وصاحبه هو الأمير ربيعة بن أحمد بن طولون الذى قتل على آثر ثورته على ابن أخيه هارون بن خمارويه يوم الثلاثاء 11 شعبان سنة 284هـ/897م

وهو مسجل برقم 13104 وقد اقتناه متحف الفن الإسلامى عن طريق الشراء من التاجر موريس نجمان بالقاهرة سنة 1935 وكتب المتحف فى سجلاته (دورق يحمل نصا بالخط يقرأ "عمل أحمد بن هنيدا" والدورق صغير الحجم ذو بدن كمثرى الشكل له فوهة بيضاوية ينتهى طرفها بجزء صغير مسحوب هو مكان صب المياه ويقابله مقبض يتألف من شريط زجاجى ينثنى من أعلاه ليكّون نتوءً يرتكز عليه إبهام اليد عند الإستعمال ويشتمل الدورق على سطرين من الكتابة بالسطر العلوى "مما عمل للأمير ربيعة" والسطر الثانى "عمل نصير بن أحمد بن هيثم "

 

كتّاب العلائى شهادة ميلاد لمولود أثرى جديد بشارع المعز

أثرًا هام بشارع المعز لدين الله الفاطمى ليس له شهادة ميلاد لقلة المصادر التى تحدثت عنه ويمثل الأثر بقايا كتاب الأمير أرغون العلائى  الذى يقع على يسار الداخل إلى مجموعة السلطان المنصور قلاوون بشارع المعزلدين الله والتى تضم القبة الضريحية والمدرسة والبيمارستان ويتكون من بائكة من أربعة عقود متجاورة وقد استخرج شهادة ميلاد هذا الأثر الهام باحث الآثار الإسلامية أبو العلا خليل ومن خلال البحث فى المصادر التاريخية القليلة التى كتبت عنه تم ولأول مرة استخراج شهادة ميلاد علمية آثارية لهذا الأثر لينضم للآثار الإسلامية الخالدة بالقاهرة التاريخية

ومنشئ هذا الأثر هو الأمير أرغون العلائى الناصرى عام 746هـ على عهد السلطان المملوكى الكامل شعبان بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون وهذه العقود هى بقايا كتاب أنشأه الأمير أرغون وخصصه لتعليم أيتام المسلمين القرآن الكريم وكان هذا الكتاب ضمن عدة أعمال أقامها أرغون حين كان مشرفا على البيمارستان أى المستشفى المنصورى بداخل مجموعة السلطان المنصور قلاوون وكان أرغون أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون ولذا عرف بأرغون الناصرى  وقد تهدم هذا الكتاب وبقى منه هذه العقود

الأمير أرغون مربيًا

.وفى رحلتنا مع باحث الآثار الإسلامية أبو العلا خليل يكشف عن شخصية منشئ هذا الكتّاب وهو الأمير أرغون العلائى الناصرى عام 746هـ على عهد السلطان المملوكى الكامل شعبان بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون وكان أرغون أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون ولذا عرف بأرغون الناصرى ورقاه السلطان الناصر محمد فى خدمته وجعله لالا- أى مربياً- لولده آنوك ولم يلبث أن عزله من وظيفته حين علم بشغف آنوك بمغنية تعرف بالزهرة وعن ذلك يذكر المقريزى فى كتاب السلوك (ولما بلغ السلطان ذلك استدعى آنوك وهم بقتله بالسيف فمنعته أمه وجواريه وأرعد آنوك من الخوف ولزم الفراش وتغير بعدها السلطان على لالاه- أى مربيه- أرغون العلائى وأقام طيبغا المجدى عوضه)

زواج الأمير أرغون

يشير أبو العلا خليل إلى أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون توفى عام 741هـ وترك من أولاده الذكور إثنى عشر ولداً ذكرا وبوفاة الناصر أقبل كبار أمراء المماليك على الزواج من جوارى السلطان طمعاً فى اعتلاء أبناء هؤلاء الجوارى للسلطنة وكان من نصيب الأمير أرغون العلائى الزواج من جارية السلطان وأم ولديه الصالح إسماعيل والكامل شعبان وبالتالى لم يكن لهؤلاء الأطفال وأمهاتهم حيلة أمام قوة الأمراء المتصارعين على المسرح السياسى ففى عام 743هـ اتفق الأمراء على سلطنة الصالح إسماعيل بن الناصر محمد وهو الرابع ممن ولى السلطنة من أولاد الناصر محمد وصار فيها الأمير أرغون العلائى زوج أم السلطان الصالح إسماعيل رأس نوبة أى المتحدث فى شأن المماليك السلطانية ويكون رأس المشورة ومدبر الدولة وكافل السلطان فكثرت إقطاعاته وأملاكه وأمواله

السلطان الكامل شعبان

 وينقل الباحث الآثارى أبو العلا خليل عن المقريزى فى كتاب السلوك عن حوادث شهر جمادى الآخرة عام 743هـ (أنعم السلطان الصالح إسماعيل على الأمير أرغون العلائى زوج أمه بعشرين ألف دينار ومائتى ألف درهم)  وفى عام 746هـ توفى الصالح اسماعيل وله من العمر نحو عشرين سنة واستطاع أرغون أن يولى السلطنة للكامل شعبان كونه أيضا ربيبه أى إبن زوجته وشقيق الصالح إسماعيل وذلك على غير رغبة الأمراء ونال أرغون ثقة السلطان الكامل شعبان حتى أسكنه بجواره فى دار الحكم بقلعة الجبل وجعله مسؤلاً عن بيمارستان جده المنصور قلاوون بشارع بين القصرين (المعزلدين الله حاليا)

إنشاء الكتّاب

ويتابع أبو العلا خليل ناقلاً عن إبن تغرى بردى فى كتاب النجوم الزاهرة عن حوادث عام 746هـ أن السلطان الكامل شعبان خلع على زوج أمه الأمير أرغون العلائى واستقر فى نظر البيمارستان المنصورى فنزل إليه أرغون وأصلح أموره وأنشأ بجوار باب البيمارستان المذكور مكتب سبيل لقراءة الأيتام ووقف عليه وقفاً

ويعرّف الدكتور محمد حمزة الحداد أستاذ الآثار الإسلامية وعميد كلية الآثار جامعة القاهرة فى كتابه "قرافة القاهرة" مصطلح مكتب السبيل بأنه وقف فى سبيل الله كغيره من المنشأت الخيرية وليس لأنه بنى فوق السبيل الخاص بشرب المياه كما يعتقد البعض وقد تهدم المكتب المذكور ولم يبق منه غير هذه العقود

وينقل أبو العلا خليل عن إبن حجر العسقلانى فى كتاب الدرر الكامنة على نسبة هذه العقود للأمير أرغون العلائى أنه هو الذى أنشأ كتاب السبيل على باب بيمارستان المنصور قلاوون لما ولى نظره وينقل عن المقريزى فى السلوك لمعرفة دول الملوك أن أرغون أنشأ بجوار باب البيمارستان مكتب سبيل لقراءة أيتام المسلمين القرآن الكريم ووقف عليه وقفاً بناحية من الضواحى

حكاية البيمارستان

لعل ذكر المؤرخين لعبارة "باب البيمارستان" دون ذكر الضريح والمدرسة والذى يضم الباب ثلاثتهم لعظم دور البيمارستان فى حياة العامة كأشهر مستشفى لعلاج الأمراض فى العصور الوسطى ويضيف الدكتور أبوالحمد محمود فرغلى أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة فى الدليل الموجز لأهم الآثار الآسلامية والقبطية ولغلبة اسم البيمارستان على هذه المجموعة البنائية لأنه السبب فى إنشائها

نهاية أرغون

يوضح أبو العلا خليل أن قلوب الأمراء تنكرت على السلطان الكامل شعبان لسوء سيرته حتى بعث إليه الأمير يلبغا اليحياوى أنى أحد الأوصياء عليك وأنه مما قاله لى والدك الناصر محمد رحمة الله فى وصيته اذا أقمتم أحد من أولادى ولم ترتضوا سيرته جروه برجله وأخرجوه وأقيموا غيره وأنت أفسدت المملكة والمصلحة أن تعزل نفسك عن الملك ليتولى غيرك وأشار أرغون على السلطان الكامل بأن يركب بنفسه إليهم ويتنازل عن السلطنة ولم يرضى الأمراء بتنازل السلطان الكامل شعبان عن السلطنة وضرب أحد الأمراء الأمير أرغون العلائى بدبوس حتى أرماه عن فرسه إلى الأرض ثم ضرب بسيف قطع خده وقبضوا عليه وحبسوه بسجن الإسكندرية وبعثوا إليه من يقتله فى محبسه وكان هذا آخر العهد بذكر الأمير أرغون

ضريح إبن هشام النحوى بقرافة باب النصر

إبن هشام النحوى هو الشيخ الإمام العالم العلاّمة إبن هشام جمال الدين بن عبدالله بن يوسف بن عبدالله المصرى فارس اللغة العربية ومالك زمامها وشيخ مشايخ النحاة في زمانه ولد  فى شهر ذى القعدة من عام 708هـ بمدينة القاهرة وتلقى بها دراسته الأولى حيث تعلم العلوم الدينية وحفظ القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية كالنحو والصرف ومازال فى سعيه لطلب العلم حتى فاق الأقران والشيوخ وصار حجة فى علم اللغة العربية وعقدة فى الفنون الأدبية فجمع وصنف وقرط الآذان - أى كأنه ألبسها قرطًا وهو الحلق- فأسكت من حضر ونفع الطلبة وأفاد وأجاب عن المسائل النحوية وأجاد

يشير الباحث الآثارى أبو العلا خليل إلى أن الفقيه إبن هشام النحوى تعلم الفقه فى أول عمره على المذهب الشافعى وقبل وفاته بخمس سنوات انتقل إلى المذهب الحنبلى وحضر مدارس الحنابلة ومن جميل شعره  (ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ...ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل / ومن لم يذل النفس فى طلب العلا ...يسير يعيش دهراً طويلاً أخا ذل ).

وكان إبن هشام النحوى والحديث لإبن حجرالعسقلانى فى كتاب الدرر الكامنة ذو قدرة شديدة فى التعبير عن مقصوده بما يريد مسهباً وموجزاً مع التواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق ورقة القلب مع كثرة الديانة والعبادة مما جعله موضع تقدير وإعجاب معاصريه من العلماء والفقهاء.

ويضيف أبو العلا خليل من خلال ما ذكره إبن مفلح المقدسى فى كتاب المقصد الأرشد (شاع ذكر إبن هشام النحوى فى الآفاق وانتهت إليه مشيخة النحو فى الديار المصرية وصار فرداً فى هذا الفن)

 وقد ذكر إبن خلدون شيخ مؤرخى المغرب فى كتابه الشهير " المقدمة " عن إبن هشام النحوى (مازلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له إبن هشام أنحى من سيبويه) ومن مؤلفاته الشهيرة في النحو كتابه الأعراب عن قواعد الإعراب وكتاب مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب ويقول عنه إبن حبيب صاحب تذكرة النبيه (ولو لم يكن له غير كتابه مغنى اللبيب لكفاه وأغناه)

وفى عشية الخميس خامس ذى القعدة سنة 761هـ فجعت النحاه والأدباء بوفاة شيخ النحو وحجة العرب جمال الدين إبن هشام النحوى ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر بعد صلاة الجمعة ورثاه الشعراء بقصائد طوال منها (تهن جمال الدين بالخلد أننى ...لفقدك عيشى ترحة ونكال/ فما لدروس غبت عنها طلاوة ...ولا لزمان لست فيه جمال

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.