د.عبدالرحيم ريحان

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

ليلة الرؤية فى العصر الإسلامى

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى فى العالم الإسلامى على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة فى ذاكرة العالم الإسلامى تبدأ بليلة الرؤية وقد تم احتفال ليلة رؤية الهلال فى عام 920هـ/1514م أيام السلطان الأشرف قانصوه الغورى بحضور القضاة الأربعة بالمدرسة المنصورية وحضر الزيني بركات بن موسى المحتسب فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب المحتسب ومشى أمامه السقاءون بالقرّب الجلدية وأوقدوا الشموع على الدكاكين وعلقوا المواقد والقناديل على طول الطريق إلى بيت الزيني بركات وذلك طبقًا لدراسة أثرية للدكتور على أحمد أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة

وفي مستهل الشهر جلس السلطان في ميدان القلعة وتقدم إليه الخليفة والقضاة الأربعة بالتهنئة ثم استعرض كميات الدقيق والخبز والسكر والغنم والبقر المخصصة لصدقات رمضان الذى عرضها عليه المحتسب بعد استعرضها فى أنحاء القاهرة تتقدمها الموسيقى.

يشير الدكتور على أحمد لاحتفال المماليك بشهر رمضان احتفالا كبيرا يتفق ومكانته الدينية عند المسلمين وقد شهد الرحالة ابن بطوطة الاحتفال بهذه المناسبة فى مدينة أبيار بالقرب من المحلة الكبرى وهو شكل متكرر فى جميع أنحاء البلاد ووصف هذا الاحتفال وصفا دقيقا فقال " وعادتهم أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضى ويقف على الباب نقيب المتعممين وهو ذو شارة وهيئة حسنة فإذا أتى أحد الفقهاء أو أحد الوجوه تلقاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا باسم الله سيدنا فلان الدين فيسمع القاضى ومن معه فيقف القاضى ومن معه فيقومون له ويجلسه فى مكان يليق به فإذا تكاملوا هناك ركبوا جميعا وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والصبيان وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة وهو مرتقب الهلال عندهم وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش فينزل القاضى ومن تبعه ثم يعودون إلى بعد صلاة المغرب وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس وقد يوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع ويصل الناس مع القاضى إلى داره ثم ينصرفون هكذا كان فعلهم فى كل سنة " وذكر إبن الحاج فى المدخل أن من عادة الناس أن يعلقوا الفوانيس التي جعلوها علما على جواز الأكل والشرب وغيرها ما دامت معلقة موقودة

وفى العصر العثمانى فى التاسع والعشرين من شعبان كان القضاة الأربعة يجتمعون وبعض الفقهاء والمحتسب بالمدرسة المنصورية بمنطقة  "بين القصرين" ثم يركبون جميعاً يتبعهم أرباب الحرف وبعض دراويش الصوفية إلى موضع مرتفع بجبل المقطم حيث يترقبون الهلال فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعل والقناديل إلى المدرسة المنصورية ويعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان ويعود إلى بيته في موكب حافل يحيط به أرباب الطرق والحرف بين أنواع المشاعل في ليلة مشهودة وفي صباح أول أيام رمضان يصعد المحتسب والقضاة الأربعة إلى القلعة لتهنئة "الباشا" الوالى فيخلع عليهم "قفاطين"

أقدم إنسان على الأرض عاش منذ مليون ونصف عام

التاريخ هو كل ما يخلفه الكائن الحى من معلومات عنه فإذا كانت هذه المخلفات خاصة بالإنسان فيسمى تاريخ البشرأو تاريخ البشرية وإذا كان متصل بإنتاج الإنسان فيسمى علم الآثار وتختلف أنواع التواريخ من تاريخ بشرى أو تاريخ لحيونات أو تاريخ الأرض أو تاريخ النبات وخلافه وتركزت العديد من العلوم المتصلة بالإنسان علي ثلاثة علوم علم الجيولوجيا وهو علم طبقات الأرض الذى يرجع إلى 4000 مليون إلى 2 مليون عام وعلم الأنثربولوجيا وهو علم دراسة الإنسانيات من 2 مليون عام إلى 700 ألف عام وعلم الأركيولوجيا وهو علم دراسة إنتاج الإنسان القديم من 700 ألف عام وحتى الآن

ومن هذا المنطلق كانت دراسة الأثرى المصرى الدكتور خالد سعد مدير عام إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة الآثار تحت عنوان " أدوات إنسان ما قبل التاريخ "

أقدم إنسان على الأرض

يشير الدكتور خالد سعد إلى أن النظريات العلمية الحديثة تؤكد أنه لا صلة بين الإنسان والقردة بكل أنواعها كما جاء فى نظرية داروين سواء فى السلوك أو الهيكل العظمى فالهياكل العظمية لجمجمة البشر تأكد أنها تختلف تماماً عن مثيلاتها للقرود وأعتمدت هذه الدراسات علي كم هائل من الأبحاث العلمية لعقد المقارنات بين الهياكل العظمية لكل من القرود والغوريلا وأشباه الإنسان والأورنجوتال والهياكل التي تنتمي إلي الفصائل البشرية سواء منتصب القامة أو العاقل أو الأكثر عقلاً وفرقت الأبحاث العلمية الحديثة بين الإنسان وأشباه الإنسان وهو أحد فصائل الرئيسيات ويعرف بـالهومينينى  Hominini وهو لايندرج تحت فصائل البشر ولا تحت فصائل القردة ولكنه يدخل ضمن شعبة الرئيسيات.

 واعتبر العلماء أن أقدم إنسان على الأرض هو الإنسان المنتصب القامة ويُعتقد أنه إنسان ما قبل التاريخ الذي عاش منذ مليون ونصف إلى 300 ألف عام ويعتقد علماء علم الإنسان(الأنثروبولوجى) أن الإنسان المنتصب يشبه إنسان اليوم ولكن مخه كان أصغر وأسنانه أكبر وبلغ طول الإنسان المنتصب القامة 150سم وكان يسير معتدلاً وقد صنع الإنسان المنتصب بعض الأدوات الحجرية منها الفأس ويُحْتمل أن يكون هؤلاء الأشخاص القدامى من أوائل البشر الذين تحكّموا في استخدام النار، وقد ظهروا في إفريقيا وكانوا من أوائل الذين هاجروا من القارة وذهبوا إلى شمال آسيا وأوروبا

هياكل الإنسان الأول

   عثر يوجين دوبوا وهو طبيب هولندى على أول بقايا الإنسان المنتصب عام 1891 فى جاوة (إندونيسيا) وقد عثر أيضاً على بقايا أخرى لأفراد الإنسان المنتصب بالقرب من مدينة هايدلبرج بألمانيا وبالقرب من بكين بالصين وفى عام 1984 تم العثور على هيكلين شبه كاملين للإنسان المنتصب وقد تم اكتشاف أحدهما ببحيرة توركانا بكينيا بواسطة ريتشارد ليكى من كينيا وآلن ووكر من بريطانيا

وقد تبين أن عمر العظام مليون وخمسمائة ألف عام وهى لأحد من أقدم أنواع الإنسان المنتصب القامة وقد خلت العـظام من الأسنان البالغة مما يدلّ على أن الشخص قد توفى وعمره حوالى 12 عام ويدل حجم عظمة الفخذ على أن طوله كان حوالى 168 سم ويعتبر هذا الهيكل الذى تنقصه بعض عظام الذراع والقدم أكثر الهياكل اكتمالاً من تلك التى تم العثور عليها لقدامى الأسلاف واكتشف الهيكل الآخر الذى عثر عليه عام 1984 بشمال شرق الصين ولكنه خلا من عظام الذراع والساق وعمره نحو 300 ألف عام وقد حققت هذه الاكتشافات للعلماء لأول مرة فرصة دراسة عظام صغار العمر من هذا النوع من الإنسان بالإضافة إلى دراسة عظام أخرى من جميع أجزاء الهيكل بدلاً من الاقتصار على الأسنان والجمجمة ويعتقد كثير من العلماء فى الغرب أن الإنسان المنتصب هو تطور لإنسان ماقبل التاريخ والذى يُعْرف بالإنسان الماهر وأنه هو السلف لنوعنا الذي يُسَمَّى بالإنسان العاقل وتوجد من فصيلة هذا الإنسان العديد من الهياكل العظمية المنتمية إلي الإنسان منتصب القامة منها ( الهيمو هابيلياس ) ( الإنسان الصانع )

كما عثر على هياكل الإنسان المنتصب القامة بشمال أفريقيا والصحراء الكبرى تعود أقدمها إلى مليون سنة وهو إنسان سيدي عبد الرحمن الثانى بالمغرب كشف عنها عام 1996 ويليه فى القدم إنسان تشاد واكتشفه الباحث الفرنسي إيف كوبنس 1961 فى التكوينات الرسوبية لصحراء جوارب بالمغرب كما عثر على نماذج أخرى من هذا الإنسان فى الدار البيضاء والرباط وسلا بالمغرب وباليكاو بالجزائر وقد أطلق عليه اسم محلى هو الأطلانثروب وهناك احتمالية العثور على بقايا أيضاً بمصر وتونس  وليبيا وموريتانيا بالتنقيبات العلمية لآثار ما قبل التاريخ وقد أكد العلماء توفر الأدوات الحجرية التي استعملها هذا الإنسان والتي تغطى كل شمال أفريقيا والصحراء  مما دفع الباحثين  إلى القول بأن إنسان الأطلانسروب عاش فى كل شمال أفريقيا والصحراء الغربية وليس فقط في المغرب والجزائر

الإنسان العاقل

تشير الدراسة إلى أن الإنسان العاقل  Homo  Sapiens)الهومو سابينس )  ظهر منذ حوالى  50000 عام ق.م. وهو الذي يعمر العالم اليوم  وإليه تنتمى   كل شعوب الأرض  ومع نهاية المرحلة الطويلة للعصر الحجرى القديم بأقسامه الثلاثة ونهاية الأدوار الجليدية فى أوروبا بدأ الجفاف في صحراء شمال أفريقيا وبدأت تنتشر بعض الموجات البشرية الجديدة جاء أغلبها من الصحراء الغربية واختلطت بالسكان الأصليين وامتزج فيهم وساهم معهم في تكوين التجمعات السكانية للمنطقة وعليه فالعنصر البشرى في شمال أفريقيا يكون قد التأم انطلاقاً من العناصر البشرية الأصلية التى عثر على بعض نماذج بقاياها في العديد من المواقع الأثرية بصحراء مصر الغربية إضافة إلى العناصر البشرية القادمة من صحراء شمال أفريقيا .

تلتها مرحلة الإنسان المنتج (الحضارى) (Homo culture) وهي ليست سلالة بشرية وإنما تطور واضح للإنسان العاقل إنتشرفى معظم بلاد العالم ومن أشهرها الصحراء الغربية وأسس تجمعات سكانية تاركا رسوما ونقوشاً صخريةً ومطوراً لأدوات الإنسان العاقل ومبدعا فى استحداث أنماط كثيرة جدا لأدوات الصيد والزينة والحلي وقد عثر فى مناطق متعددة من الصحراء الكبرى على مجموعات هامة من الرسوم والنقوش الصخرية التى تمثل مشاهد من الحياة اليومية لإنسان تلك المرحلة بجانب قطعان من الحيوانات المتنوعة  بعضها انقرض  وبعضها انتقل إلى مكان آخر والبعض الآخر لا يزال موجوداً.

وقد رسم هذا الإنسان الحيوانات المصاحبة لهذه الفترة الزمنية سواء كانت في محيط مناطق سكنه وإقامته أو أماكن رعيه كالكباش والماعز والأفيال والزراف والنعام أو حتى التى  استئنسها لاحقاً كالأبقار والأغنام وأنواع من الماشية البرية أو حتى كلاب الصيد


       

آثار الإنسان الأول بسيناء منذ ما قبل التاريخ

تتمثل آثار الإنسان السيناوى الأول فى وجود مبانى حجرية يطلق عليها أهل سيناء النواميس، وأثبتت الدراسات المختلفة أنها تعود لعصر البرونز المبكر، ويعتقد أنها آثار خاصة بسكان سيناء الأصليين فلقد كشف عالم الآثار البريطانى بالمر عام 1869م عن مجموعة من هذه النواميس قرب عين حضرة ( طريق كاترين – نويبع) وقرب نويبع عثر بها على رؤوس سهام ودبابيس نحاس، وكشف روزنبرج عام 1967م عن مجموعة أخرى قرب عين حضرة وهذه النواميس تشبه خلايا النحل متجمعة وشكلها دائرى يتراوح قطرها ما بين 2.5 إلى 4م وارتفاعها 3م ، مبنية من بلاطات مسطحة كبيرة من أحجار غير منحوتة ويرجّح بالمر أنها معسكرات محصنة لأقوام يعتمدوا على رعى الأغنام استخدموا المساحات المفتوحة بين هذه الدوائر للأغنام والقطيع

 

منبر الظاهر جقمق وجماليات الفن الإسلامى

يشير عالم الآثار الإسلامية أبو العلا خليل لجماليات منبر آية فى الجمال فى الآثار الإسلامية بمصر وهو منبر السلطان الظاهر جقمق بمدرسة السلطان برقوق بشارع المعزلدين الله وكان جقمق جاركسى الجنس حضر إلى مصر ضمن جملة من أطفال صغار صحبة تاجر العبيد الخواجه كزلك وتداول بالبيع والشراء إلى أن استقر فى خدمة السلطان الظاهر برقوق الذى إعتقه وجعله خاصكياً أى من خواصه ولما توفى الظاهر برقوق عام 801هـ وتولى إبنه الناصر فرج جعل جقمق ساقياً أى من يتولى سقى الشراب قبله خشية أن يكون مسموماً

ويتابع أبو العلا خليل بأن نجم جقمق أخذ فى الصعود فى سلطنة المؤيد شيخ ثم فى سلطنة الأشرف برسباى الذى جعله وصياً على ولده الصغير العزيز يوسف وبوفاة السلطان برسباى استقر الأمراء على خلع السلطان الصغير العزيز بن برسباى وتولية السلطان الظاهر جقمق عام 842هـ ووفاءاً لسيده الأول السلطان الظاهر برقوق أقام السلطان الظاهر جقمق هذا المنبر بمدرسته بشارع المعزلدين الله

ويتكون المنبر من قاعدة وريشتين جانبيتين زخرفتا بأشكال من الأطباق النجمية وصدر يحتوى على باب المقدم ويعلوه النص التأسيسى " أنشأ هذا المنبر المبارك السلطان الملك الظاهر محمد ابوسعيد جقمق عز نصره " ويؤدى سلم المنبر إلى جلسة الخطيب ويعلوها جوسق أى خوذة تشبه رؤوس المآذن المملوكية زخرفت بعناصر نباتية ذات أوراق مذهبة

ويوضح أبو العلا خليل أن السلطان الظاهر جقمق صاحب هذا المنبر توفى ليلة الثلاثاء ثالث من شهر صفر سنة 857هـ وقد زاد على الثمانين من عمره وقراء القرآن الكريم من حوله ودفن بتربة أخيه الأمير جاركس القاسمى المصارع بالقرب من دار الضيافة تجاه سور القلعة بشارع السيدة عائشة حاليًا وقد توفى ولم يبنى مدرسة ولا تربة لأنه كان يرى أن إصلاح مايشرف على الهدم أولى من بناء جديد

مصلى أثرية لصلاة القيام بقلعة الجندى بسيناء

ارتبط شهر رمضان بصلاه التراويح، والتراويح جمع ترويحة وتطلق فى الأصل على الإستراحة كل أربع ركعات وهى صلاة أقامها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأمر الناس بها فى شهر رمضان سنه14هـ  ومن جميل ما اعتاد عليه الوالى عنبسة بن إسحاق عام 238هـ أنه كان يخرج وحده فى ظلمات الليل وينادى فى شهر رمضان بالسحور وكان فى بعض القلاع الإسلامية مثل قلعة الجندى بجنوب سيناء مكان مخصص لصلاة التراويح والعيدين عبارة عن مكان مكشوف وبه محراب يحدد اتجاه القبلة

وقد دخل الصحابى الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه مصر عن طريق سيناء  متخذًا طريق رفح – العريش - الفرما حيث وصل العريش 10 ذى الحجة 18هـ الموافق 12 ديسمبر 639م ولم يجد أى نوع من المقاومة ثم العريش فالفرما فى أول محرم 19هـ الموافق 2 يناير 640م وكانت سيناء أول منطقة بمصر تضاء بنور الحضارة الإسلامية

وتتابعت العصور الإسلامية على أرض سيناء وتحولت أرضها الطاهرة إلى منابر إشعاع حضارى من خلال آثار إسلامية عديدة الدينية منها والحربية والمدنية وتعددت أماكن الصلاة فمنها المسجد الجامع الذى يشترط فيه وجود المنبر لإقامة كل الصلوات وصلاة الجمعة والمسجد لإقامة الصلوات عدا صلاة الجمعة لعدم وجود منبر والمصلى وهو مكان مكشوف لصلاة القيام فى رمضان وصلاة العيدين وله محراب يحدد اتجاه القبلة وكانت هذه المنشئات القوة الروحية كما كانت مدرسة لطرز العمارة والفنون الإسلامية

أمّا قلعة الجندى فهى مسجلة كأثر من الآثار الإسلامية عام 1989  وتبعد 100كم جنوب شرق السويس وبناها صلاح الدين من عام 1183 إلى عام 1187م من الحجر الجرانيتى والجيرى والرملى تضم مسجدين ومصلى لصلاة القيام والعيدين عبارة عن مكان مكشوف له محراب يحدد اتجاه القبلة في جدار طوله 15.9م وبنى المحراب من الحجر المنحوت وعرضه 80 سم وعمقه 84 سم

وأنِشأ صلاح الدين بقلعة الجندى جامعًا كبيرًا يضم مئذنة بقيت قاعدتها بالطرف الغربى من واجهته الشمالية الغربية وله مدخل معقود بعقد مدبب يعلوه بقايا شرفات وتعد واجهته الجنوبية الشرقية من أهم الواجهات، حيث كان يوجد بها النص الإنشائى للجامع والصهريج الموجود أسفله وهو الآن بمتحف الفن الإسلامى بباب الخلق.

وتوجد بهذه الواجهة فتحة باب تؤدى للصهريج أسفل الجامع كما تتميز الواجهة الشمالية الشرقية بوجود شباكين ويتوج كل شباك عتب حجرى به زخارف إشعاعية تخرج من دائرة مركزية تنتهى بأشكال محارية

وتخطيط الجامع من الداخل مستطيل مقسم إلى ثلاثة أروقة وكان يسقف الجامع سقف مسطح من براطيم خشبية (كتل خشبية ممتدة بين طرفي السقف وتغلف بالتلوين والتذهيب) من فلوق النخيل مازالت بقاياها

حكايات مصرية - الجامع الغمرى بباب الشعرية وكرامات الشيخ البدرانى

هو الشيخ الزاهد العابد الكريم الورع أمين الدين بن النجار البدرانى المصرى إمام جامع سيدى محمد الغمرى بشارع أمير الجيوش المطل على ميدان باب الشعرية والذى قال عنه المؤرخ الشعرانى فى الطبقات الكبرى أنه كثير العبادة والكرامات

وعن حياة هذا الشيخ يقول الباحث الآثارى أبو العلا خليل أن الشيخ أمين الدين كان قارئاً للقرآن بصوت ماسمع السامعون بمصر مثله وكان الناس يأتون للصلاة خلفه من جميع أنحاء البلاد لحسن صوته وخشوعه وكثرة بكائه حتى يبكى غالب الناس خلفه وكان الناس يخرجون من الجامع عقب الصلاة فى مثل خروج الناس فى الحج وإذا سافر لأمر ما كان الجامع الغمرى كالجسد بلا روح

ويتابع أبو العلا خليل ان الشيخ كان فى غاية التواضع وعطوفاً على الفقراء والمساكين وأصحاب الاحتياجات الخاصة يجلب لهم كل شئ بنفسه من الأسواق ويأكل معهم  وكان يحمل الخبز على رأسه من الفرن وكل من يراه من أكابر القوم وهو يحمل الخبز ينزل من على فرسه ويقبل يده ويسير معه  ولا يقدر على الركوب حتى يفارقه الشيخ

وللشيخ أمين الدين البدرانى كرامات يقول عنها المؤرخ الشعرانى فى كتاب الطبقات الكبرى  (ومما رأيته له من الكرامات أننى كنت أقرأ عليه شرح البخارى باب جزاء الصيد فذكر عبارة " جزاء التيتل " فقلت ماهو التيتل؟ فقال إن شاء الله تراه فى هذا الساعة والتيتل هو الذكر المسن من الأوعال جمع وعل وهو من الماشية فخرج التيتل من المحراب فوقف على كتفى فرآيته شبيه ما بين الحمار والتيس وله لحية صغيرة ووضع فمه على كتفى فقال هاهو ثم دخل الحائط فقبلت رجله فقال اكتم مارأيته حتى أموت) ولم يذكر المؤرخ الحادثة إلا بعد وفاته

 ويتابع أبو العلا خليل بأن الشيخ أمين الدين ظل إمامًا للجامع الغمرى 57 سنة لم يدخل عليه وقت الصلاة الا وهو فى طهر دائم وما نام عن قيام الليل فى صيف ولا شتاء إلى أن جاء الأجل فى شهر ذى القعدة عام 929هـ ودفن بتربته خارج باب النصر وعن حسن خاتمة الشيخ يقول الشعرانى ( كان الشيخ مريضا فزحف إلى ميضأة الجامع وتوضأ فغلب عليه المرض فوقع فى الميضأة بثيابه وعمامته ومازال الشيخ يتحامل على نفسه فطلع وثيابه تقطر ماءاً وصلى بالناس صلاة المغرب ثم مات بعد صلاة العشاء فى تلك الليلة

ومن المصادفة الغريبة أثناء تصوير الجامع مرور أحد الفرّانين يحمل خبزًا على درّاجة وكأنها تؤكد على أفضال الشيخ الكريم الذى كان يحمل الخبز من الفرن بنفسه لفقراء المسلمين وكام محل مسجد الغمرى مدرسة أنشأها الأمير سيف الدين يزكوج الأسدى أحد أمراء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب 592هـ وجعلها وقفاً على فقهاء المذهب الحنفى

ويوضح أبو العلا خليل أن مدرسة يزكوج الأسدى حين أوشكت على الاندثار قيض الله لها الولى الصالح سيدى محمد الغمرى نسبة إلى مولده بمدينة منية غمر عام 786هـ وكان للشيخ الغمرى همة كبيرة فى إقامة الجوامع والزوايا وعمارة أماكن العبادة التى أوشكت على الاندثار والتى بلغت نحو الخمسين مبنى ومن بينها مدرسة يزكوج الأسدى التى أصبحت الجامع الغمرى الباقى حتى الآن

مزملة السلطان برقوق تحفة معمارية بشارع المعز

المزملة هى دخلة عميقة مستطيلة الشكل توجد على أحد جانبى الدهليز المؤدى الى صحن المساجد والمدارس الإسلامية ويغطى تلك الدخلة حجاب من خشب الخرط يتوسطه باب ذى مصراعين ويوضع داخل هذه الدخلة قدور فخارية مملوءة بالماء وتكسى هذه القدور أو تلف أو تزمل بالقماش المبلول لحفظ الماء من العفن

ويوضح عالم الآثار الإسلامية أبو العلا خليل أن المعمار اختار هذا الموضع بالذات لأنه المكان الذى يدور فيه الهواء دورة تبريد لوجود ملقفين هوائيين بكل من طرفيه يساعد على تجديد حركة الهواء المبرد للماء فى الأزيار والقدور الموجودة بالمزملة ولأنه المكان القريب من أرباب الوظائف الدينية من الشيوخ والدارسين من ناحية أخرى

ويشير أبو العلا خليل أن مزملة مدرسة السلطان الظاهر برقوق بشارع المعز تعد تحفة معمارية فنية رائعة  محفورة فى ذاكرة التاريخ وينقل عن المقريزى فى الخطط بأن الأمير جهاركس الخليلى كان يتولى الإشراف على عمارة المدرسة التى أنشأها الملك الظاهر برقوق بخط بين القصرين " شارع المعزلدين الله حاليا " وعلم أن قاضى القضاة شمس الدين محمد بن أحمد الطرابلسى شرع عام 788هـ فى عمارة دار خربة تعرف بدار المظفر تجاه حارة برجوان وهذه الدار تنسب إلى المظفر أبومحمد جعفر بن أميرالجيوش بدرالجمالى المتوفى عام 514هـ وكان يسكن بها فعرفت به وظهر تحت الردم عتبة عظيمة من حجر صوان يشبه أن تكون عتبة دار المظفر فبعث الأمير جهاركس الخليلى بالرجال لهذه العتبة وتكاثروا على جرها الى المدرسة فجعلها فى المزملة التى تشرب منها الناس بدهليز المدرسة الظاهرية

دراسة تكشف عن سبيل وقبة نقيب الأشراف بقرافة الإمام الشافعى

كشفت دراسة أثرية للباحث الآثارى أبو العلا خليل عن سبيل ومدفن بشارع الإمام الليث بقرافة الإمام الشافعى وهو غير مسجل فى عداد الآثار ولم يذكر فى أى دراسات أثرية سابقة خاصة بالأسبلة العثمانية

ونلقى الضوء على هذا الكشف الهام الذى يشمل سبيل لسقى العطشى من المارة ومدفن لصاحب المنشأة وهو الفقيه حسن بازناده أفندى نقيب الأشراف بمصر على عهد الوالى العثمانى محمد باشا رامى حين كانت مصر ولاية تابعة للسلطان العثمانى بأسطنبول عام 1116هـ / 1704م

وقد أقام الشريف حسن أفندى سبيله بشارع سيدى عقبة بالإمام الشافعى لسقى العطشى من المارة وهو من أقرب القربات لعل يصل إليه دعاء المرتوين من مائه له ولأجداده الراقدين بمدافنهم بجوارالسبيل  ويعلو شباك التسبيل النص الإنشائى التالى (أنشأ هذا السبيل ابتغاء مرضاة الله تعالى الفقيه السيد حسن بازناده نقيب الأشراف بمصر سنة 1116هـ)

والأشراف هم أصحاب الشرف بنسبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولى أمرهم  "نقيب الأشراف" وهو المسئول عن حفظ قوائم المنتمين إلى السلالة النبوية الشريفة ويوزع عليهم المخصصات النقدية أو العينية المقررة لهم من الخزانة وكانت الدول العثمانية حريصة على تعيين نقيبًا تركيًا للأشراف فى مصر

وقد أوضحت الدراسة أن الرحالة التركى أوليا جلبى الذى زار مصر عام 1092هـ / 1680م ذكر فى كتابه سياحتنامة مصر أن نقيب الأشراف كان تحت سلطانه 46000 نسمة من السادة الأشراف القاطنين بالقاهرة والقطر المصرى وإذا كان حفل استقبال الباشا الوالى العثمانى الجديد عند حضوره من إسطنبول انقلبت الشوارع إلى خضرة من العمائم وهو اللون المميز للأشراف تحت العلم المحمدى وهم يمرون بالآداب الرسولية فى صفوف منتظمة راكبين جيادًا أصيلة

وأشارت |إلى أن عائلة الشريف حسن أفندى نالت رضى الدولة العثمانية حتى كانت النقابة لأبيه وجده وعمه من قبله ونقلت عن أحمد شلبى بن عبد الغنى الحنفى فى "أوضح الإشارات" (وفى يوم الجمعة سابع رجب عام 1121هـ /1709م توفى حسن أفندى نقيب الأشراف بالقاهرة ودفن بالقرافة وكانت جنازته حافلة جمعت الخاص والعام، وكان هذا المنصب لجده ولأبيه وعمه وبموته خرجت النقابة من العائلة اذ لم يترك إلا بنتًا واحدة زوجّها قبل أيام من وفاته، وفى ثانى يوم أقيم فى منصب النقابة السيد مصطفى بن السيد أحمد الرفاعى إلى أن يرد جواب من الديار الرومية بتعيين نقيب جديد للأشراف)

دراسة أثرية تؤرخ لشرّاعة باب ضريح السيدة نفيسة بمتحف الفن الإسلامى

دراسة جديدة للباحث الآثارى أبو العلا خليل تكتب شهادة ميلاد وبطاقة هوية لقطعة أثرية هامة جدًا بمتحف الفن الإسلامى غير مؤرخة ولا يوجد عليها أى بطاقة تعريف

ونلقى الضوء على هذه الدراسة الهامة التى تعد إعادة اكتشاف علمية لهذه القطعة الأثرية التى تعرض بقاعة العرض الأيوبى بمتحف الفن الإسلامى وتمثل شرّاعة من تشبيكات الخرط الجميلة وقد تم تحديد هوية هذه القطعة بدراسة النص الوارد عليها المكون من خمسة أسطر بخط الثلث  " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أنه حميد مجيد هذا مشهد السيدة نفيسة إبنة الحسن بن زيد بن أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليهم أجمعين توفيت السيدة نفيسة صلوات الله عليها فى شهر رمضان المعظم سنة ثمان ومائتين)

وتوضح الدراسة أنه طبقًا للنص فإنها شرّاعة باب ضريح السيدة نفيسة رضى الله عنها  وبحسب وصف حالة الشرّاعة فإنها خاصة بفتحة باب مقنطر والباب المقنطر يقصد به الباب ذو العقد الذى ليس له عتب مستقيم سواءً كان العقد مدببًا أو دائريًا أو مدائنيًا

وعن سبب إقامة مثل هذه الشرّاعة الخشبية بأعلى باب ضريح السيدة نفيسة رضى الله عنها فى العصر الأيوبى أوضحت الدراسة من خلال ما ذكره المقريزى فى كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك (وفى خامس عشر من شهر المحرم سنة 638هـ  زمن السلطان الصالح نجم الدين أيوب نزل خمس نفر فى الليل من الطاقات الزجاج إلى المشهد النفيسى وأخذوا من فوق القبر ستة عشر قنديلًا من فضة فقبض عليهم من الفيوم وأحضروا فى رابع صفر فاعترف أحدهم بأنه هو الذى نزل من طاقات القبة الزجاج وأخذوا القناديل وبرأ بقية أصحابه فشنق تجاه المشهد فى عاشره وترك مدة متطاولة على الخشب حتى صار عظاما) ولعل إقامة هذه الشراعة الخشبية الجميلة بأعلى باب ضريح السيدة نفيسة جاء على إثر هذا الحادث وحماية للضريح الشريف من السرقة وقد تعرّض لسرقة قناديله ليلًا

تاج الجوامع جامع عمرو بن العاص

جامع عمرو بن العاص هو ثانى جامع أقيم فى مصر بعد جامع سادات قريش ببلبيس بمحافظة الشرقية أنشأه بالفسطاط الصحابى الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه  عام 21 هـ ، 641م بعد فتحه لمصر واشترك فى تحديد قبلته ثمانون من الصحابة يصفه المؤرخ إبن دقماق فى كتاب الإنتصار لواسطة عقد الأمصار

( إمام المساجد ومقدم المعابد قطب سماء الجوامع ومطلع الأنوار اللوامع موطن أولياء الله وحزبه طوبى لمن حافظ على الصلوات فيه وواظب على القيام بنواحيه وتقرب منه إلى صدر المحراب وخر إليه راكعاً وأناب )

وفى لقاء منبر الحضارة مع باحث الآثار الإسلامية الشهير أبو العلا خليل يوضح أن عمرو بن العاص رضى الله عنه  اختار بناء جامعه على الضفة الشرقية للنيل فى منطقة بها أشجار كروم وتبعد نحو مائة متر جنوب حصن بابليون وكان جامع عمرو عند إنشائه يقع مباشرة على النيل وقد أخذ مجرى النيل ينتقل تدريجيا نحو الغرب حتى صار على ماهو عليه الآن والجامع الحالى لا يشتمل على شئ من الجامع الأصلى القديم الذى بناه عمرو غير مساحة الأرض التى كان قد بنى عليها وتقع هذه المساحة فى النصف الشرقى من رواق القبلة أى على يسار الواقف فى رواق القبلة تجاه المحراب

تخطيط الجامع

 يصف أبو العلا خليل تخطيط جامع عمرو بأنه أقدم الطرز المعمارية لبناء المساجد وأهمها وهو الطراز المشتق من عمارة الحرم النبوى الشريف أى الطراز الذى يتألف من صحن أوسط مربع يحيط به من جوانبه الأربعة أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة كما استوحى عمرو فى تخطيطه بناء داره خارج من جهة الشرق ومحاذى لجداره وترك بينها وبين المسجد طريقاً يبلغ عرضه نحو أربعة أمتار أسوة بمسجد النبى صلى الله عليه وسلم وداره فى المدينة المنورة

ومن جميل ما ذكره عبد الرحمن بن عبدالحكم فى فتوح مصر وأخبارها ( كتب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما : أنا قد اختطنا - أى بنينا - لك داراً عند المسجد الجامع فكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز يكون له داراً بمصر ! وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين وعرفت هذه الدار " دار البركة") كما بنى عمرو الى جوار الجامع حمام عرف  بحمام الفأر  وعن ذلك يذكر السيوطى فى حسن المحاضرة (اختط عمرو بن العاص الحمام التى يقال لها حمام الفأر لأن حمامات الروم كانت كبار فلما بنى هذا الحمام ورأوا صغره قالوا : من يدخل هذا الحمام ! هذا حمام فأر ) وبعد أن فرغ عمرو من بناء جامعه اتخذ له منبراً على غرار منبر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة فلما علم الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه غضب وأمر بكسر المنبر - والحديث لإبن ظهيرة فى الفضائل الباهرة - وأرسل إليه : أما يكفيك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت قدميك فكسره عمرو

حكاية المئذنة

ويوضح الباحث فى الآثار الإسلامية أبو العلا خليل لمنبر الحضارة أن جامع عمرو بن العاص نال على مر الزمان رعاية وعناية الولاة والحكام وكانت أولى العمائر على يد الوالى مسلمة بن مخلد الأنصارى والى مصر من قبل الخليفة الأموى معاوية بن أبى سفيان سنة 53 هـ ، 673م وكان سبب هذه العمارة أن المسجد ضاق بالمسلمين فشكوا إلى مسلمة فكتب مسلمة إلى الخليفة معاوية يطلب منه الإذن فى ذلك فهدم مسلمة المسجد وزاد فى مقدمته أى عند الجانب المواجه للقبلة وأضاف رحبة أمام هذا الجانب صار الناس يصيفون فيها كما زاد فى الجامع من ناحيته الشرقية  مما يلى دار عمرو بن العاص حتى ضاق الطريق بينه وبين الدار كما زود مسلمة فى هذه العمارة المسجد بمئذنة والتى صارت بعد ذلك أساساً لظهور أحد المعالم المهمة فى تصميم المساجد ذلك أن مسلمة بن مخلد بنى فى أركان الجامع أربع صوامع ليلقى منها الآذان ونقش اسمه عليها وأمر المؤذنين أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل وأمر ألا يضرب فيه ناقوس عند الفجر كما كان يضرب أولاً

وذكر الكندى فى  كتاب الولاة والقضاة (أن مؤذنوا جامع عمرو بن العاص كانوا يؤذنون للفجر أولاً فإذا فرغوا من آذانهم أذن كل مؤذن فى مساجد الفسطاط فى وقت واحد فكان لآذانهم دوى شديد)

دار عمرو

يشير أبو العلا خليل للزيادة الثانية بالمسجد على يد الوالى عبد العزيز بن مروان من قبل الخليفة الأموى عبد الملك بم مروان عام 79هـ ، 698م فزاد فى الجانب المواجه للقبلة حيث أدخل فيه الرحبة التى كان قد أضافها مسلمة بن مخلد عام 53هـ ، 673م ومن الملاحظ أنه لم يستطع أن يوسع الجامع من جانبه الشمالى الشرقى لوجود دار عمرو بن العاص عند هذا الجانب  وعمل الوالى عبد العزيز بن مروان على أن يوفر للمسجد وسائل الهدؤ والوقار ورتب به قراءة المصحف وكان هو أول من فعل ذلك

وذكر ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة  (ويقال أنه دخل المسجد يوما عند طلوع الفجر فرأى فى أهله ثقل فأمر بإغلاق أبواب المسجد عليهم ثم أخذ يستطلع حالهم رجلاً رجلاً فكان يقول للرجل ألك زوجة ؟ فيقول لا فيقول زوجوه ألك خادم ؟ فيقول لا  فيقول أخدموه أحججت ؟ فيقول لا فيقول أحجوه  أعليك دين ؟ فيقول نعم فيقول أقضوا دينه فأقام المسجد بعد ذلك دهراً عامراً)

تصويب القبلة وإدخال المنابر

يوضح أبو العلا خليل أن ثالث الزيادات بجامع عمرو كانت على يد الوالى قرة بن شريك من قبل الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك عام 93هـ ، 711م واستغرقت عاماً كاملاً ذادت فيه مساحة الجامع حيث أدخل فيه أجزاء من دار عمرو ودار ابنه عبد الله فى الجانب الشمالى الشرقى كما وسع قليلا من ناحية القبلة وقد انتهز قرة بن شريك هذه الفرصة فصوب اتجاه القبلة وكانت منحرفة قليلا عن الاتجاه الصحيح

 وفى عام 94هـ ،713م أضاف قرة بن شريك منبر خشبى لجامع عمرو وقد تبع ذلك إدخال المنابر فى قرى مصر أما الزيادة الرابعة بجامع عمرو فكانت عام 133هـ ،750م على يد القائد العباسى صالح بن على بعد سقوط الخلافة الأموية وصارت مصر بالتبعية ولاية إسلامية تابعة للخليفة العباسى ببغداد وفيها قام صالح بن على بتوسعة المسجد من الركن الشمالى الغربى وأدخل فيه دار الصحابى الجليل الزبير بن العوام بتلك الجهه وأضاف باباً للمسجد فى جداره الشمالى عرف بباب الكحل لأنه كان يقع فى مواجهة زقاق الكحل

حكاية فوارة المسجد

ويستمر أبو العلا خليل مشيرًا إلى أن الزيادة الخامسة فى جامع عمرو بن العاص تعتبر أكبر الزيادات وآخرها وقد احدثت فى عهد والى مصر عبدالله بن طاهر من قبل الخليفه العباسى المأمون عام 212هـ ، 827م حيث أضاف عبدالله بن طاهر مساحة جديدة إلى المسجد من ناحية الجنوب تعادل المساحة التى كان عليها وأصبحت مساحة المسجد على ماهو عليه الآن 120م طول ، 112م عرض

وفى صحن جامع عمرو بن العاص بنى أسامه بن زيد التنوخى متولى الخراج -أى الضرائب- بمصر سنه 97هـ وفى خلافه سليمان بن عبد الملك بناء ذو قبة عرف ببيت المال ليحفظ به مال الدولة كما تودع به أموال اليتامى حفظاً لها من الضياع

 وفى سنه 378هـ فى خلافه العزيز بالله ثانى الخلفاء الفاطميين بمصر قام الوزير يعقوب بن كلس ببناء فوارة (فسقية) تحت بيت المال ونصب فى الفوارة حباب الرخام للماء -أى أزيار- وقد زار الرحالة ابن سعيد المغربى جامع عمرو بن العاص فى أواخر العصر الأيوبى فكتب يقول  (والجامع قديم البناء غير مزخرف يتخذه أهل الفسطاط مكاناً للنزهة فيجلسون فى أرجائه ويتناولون طعامهم والصبية يطوفون عليهم بأوانى الماء والصبيان يلعبون فى صحنه والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك والأهالى يعبرون فيه بأقدامهم من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق غير أنى وجدت فيه كثير من الإرتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك فعلمت أنه سر مودع من وقوف الصحابه رضوان الله عليهم فى ساحته عند بنائه)

 وفى عام 702هـ ، 1303م تعرضت البلاد لزلزال مدمر أدى إلى تصدع جدران المسجد فقام الأمير سلار على عهد السلطان المملوكى الناصر محمد بن قلاوون بعمل عماره كبيره للجامع بقى منها الآن محراب جصى لايزال يشاهد فى واجهة الجامع الرئيسية من الخارج بالإضافة إلى بعض الشبابيك الجصية فى ذلك الجدار وللمحراب شريط من الكتابة العربية بالخط الثلث الجميل من بينها اسم "سلار" وكذا زخارف نباتيه غاية فى الدقه والإبداع

المنارتين والمحرابين

وفى العصر العثمانى شهد جامع عمرو بن العاص إصلاحات الأمير مراد بك عام 1212هـ ، 1797م وعن ذلك يذكر الجبرتى فى عجائب الآثار فى التراجم والأخبار  (لما رأى الأمير مراد بك خراب جامع عمرو وسقوط سقوفه فخطر بباله تجديده وأنفق عليه أموالاً عظيمه فأقام أركانه وشيد بنيانه ونصب أعمدته وبنى به منارتين وهما الباقيتان إلى الآن وفرشه جميعاً بالحصر الفيومى وعلق به قناديل وأثبت مراد بك تاريخ هذه العمارة فى ألواح تاريخية فوق الأبواب الغربية والمحرابين الكبير والصغير برواق القبلة) ولما دخلت الحملة الفرنسية مصر جرى على مسجد عمرو ماجرى على غيره من الهدم والتخريب وأخذت أخشابه وفى جدار القبلة يوجد محرابان يرجعان إلى عهد مراد بك

ضريح عبد الله بن عمرو

يقع فى الركن الشمالى الشرقى برواق القبلة ضريح ينسب للصحابى الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص الذى توفى ودفن فى داره  عام 65هـ عندما قدم الخليفه الأموى مروان بن الحكم إلى مصر لاستخلاصها من والى مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهرى من قبل عبد الله بن الزبير لما بويع بالخلافه فى مكة المكرمة

ويذكر الكندى فى كتاب الولاة والقضاة  (فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته الى المقبرة لشغب الجند على الخليفه مروان بن الحكم فدفن بداره) وكانت دار عبد الله مجاورة لدار والده عمرو بن العاص وهما بالجهة الشرقية ناحية رواق القبلة للمسجد بحدوده القديمة وكان بينهما وبين المسجد طريق لعبور المارة  وذكر إبن تغرى بردى فى كتاب النجوم الزاهرة أنه فى عام 93هـ قام الوالى قرة بن شريك بعمل زيادة للمسجد من جهتة الشرقية فأخذ بعض دار عمرو بن العاص وإبنه عبد الله فى المسجد وأخذ منهما الطريق الذى بين المسجد وبينهما وظل قبر عبد الله بن عمرو مجهول الإسم والمعالم لأنه لم يكن من المعهود ولا من المقبول دفن الموتى داخل المساجد حتى العصر العثمانى فقام الأمير مراد بك بعمل عمارة كبيرة بالمسجد فلعله أراد إحياء وجود مقبرة عبد الله بن عمرو داخل المسجد فبنى المقصورة وعليها قبة ويعتاد المصريون صلاة آخر جمعة فى رمضان بمسجد عمرو بن العاص إحياءاً لذكرى مؤسس الجامع الذى توفى ليلة عيد الفطر أى فى آخر أيام رمضان

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.