كاسل الحضارة والتراث Written by  آب 06, 2020 - 101 Views

صناعة الفخار في مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

بقلم علي سرحان

باحث آثارى بكلية الآثار جامعة جنوب الوادي

تتمثل مصادر دراسة صناعة الفخار في مصر القديمة في العديد من المصادر القديمة وما يمكن مقارنته بها من المصادر الحديثة ، تمثلت هذه المصادر بصفة أساسية في مناظر صناعة الفخار على جدران مقابر الأشراف ، ومن المصادر الأخرى التي يمكن الاعتماد عليها في دراسة الفخار المصري القديم: اللوحات ، والاوستراكا ، وبعض النصوص المصرية القديمة ، خاصة تلك التي تصاحب مناظر صناعة الفخار ، كل هذه المصادر مجتمعة تمكن من تفسير العديد من الشواهد المعاصرة في الوقت الحالي فيما يتعلق بإنتاج وتشكيل المنتجات الفخارية وكذلك فيما يتعلق بالمصطلحات المصرية الخاصة بصناعة الفخار ووظائف الأواني([1]).

من المصادر الأخرى لدراسة صناعة الفخار في مصر القديمة هو استخلاص المعلومات من الكثير من الشقف الفخاري والذي يمكن عن طريقه معرفة مواد الصناعة الرئيسية والمواد المضافة من أماكن مختلفة ومقارنتها ببعضها البعض ، ويمكن أيضا عن طريق ما يطلق عليه "قراءة الشقف"([2]) معرفة طرق الصناعة المتبعة .[3]

          بالإضافة إلى المصادر السابقة فهناك العديد من المصادر الأخرى التي يمكن الاستعانة بها في دراسة ورشة صناعة الفخار والفخاري تمثلت في البقايا الأثرية لورش صناعة الفخار والأفران والأدوات المستعملة في تلك الصناعة ([4]).

دراسة التشكيل اليدوي للفخار والحرق في الأفران المفتوحة:

الموقع:- تقع قرية الحجارة برم التي وجدت بها هذا النوع من الصناعة على بعد 25 كيلومتر إلى الشمال من مدينة الفيوم وحوالي 7 كيلومتر إلى الجنوب من المنطقة الأثرية بكوم أوشيم ، والقرية لا تبعد كثيرا عن طريق القاهرة – الفيوم ، وعلى الرغم من ذلك ما زالت على بدائيتها القديمة.

تمتاز هذه القرية بوجود صناعة الفخار البدائية دون غيرها من مناطق صناعة الفخار في مصر, والتي يمكن أن يطلق عليها صناعة الفخار في المنازل وهي الطريقة التي كانت متبعة - على الأرجح - في عصر ما قبل الأسرات والعصر العتيق في مصر, وهي طريقة بسيطة للغاية إذ يستعملها النساء في هذه القرية لعمل بعض الأواني ذات الاستخدام المحدود لحياتهم اليومية.

وصف الورشة:- تقع ورشة تشكيل الفخار في ارض فضاء إلى الجنوب من القرية في موضع ملاصق لأحد البيوت ، والجدير بالذكر أن هذه الأرض ليست ملكاً لصانعة الفخار وإنما بنوع من العطف سُمح لهذه السيدة باستغلالها.

تبلغ مساحة الورشة حوالي 35 متراً بعرض سبعة أمتار وطول  خمسة أمتار  ومحاطة بسياج يفصل بينها وبين الأرض الزراعية ، وتقع مكونات الورشة داخل هذا السياج ، نجد في الشمال مكان التشكيل والبلة([5]),  والى الجنوب بمسافة من مكان التشكيل توجد فرن الحريق ومخزن الوقود ومنشر التجفيف ، كل هذه الوحدات وجدت متجاورة.

 صانعة الفخار:- كان يعمل بالقرية العديد من صانعات الفخار  ، قل عددهم حتى وصل إلى عهد قريب إلى عشر سيدات, كن يقمن بصنع ما تحتاجه القرية من الأواني الفخارية اللازمة للمعيشة, ولكن مع ظهور البدائل الأخرى للأواني - مثل الأواني المعدنية والبلاستيكية- تقلص هذا العدد الآن إلى سيدتين فقط يواجهن صعوبة في تسويق منتجاتهن ، تبلغ أحدى هاتين السيدتين من العمر 65 عاماً ، وتعمل في هذا المجال منذ أن كان عمرها 30عاماً ، وقد تعلمت على يد أختها الكبرى التي بدورها تعلمت الحرفة من أمها.

مراحل التشكيل:-

المرحلة الأولى:  التي تبدأ بها هذه الصناعة هي تجميع المادة الخام من الحقول بعد استئذان أصحابها في ذلك ويطلق على هذه المادة الخام اسم (الطمية) ويشترط لصلاحيتها في تشكيل الأواني أن تكون متماسكة خالية من أية صخور صلبة وألا تحتوي على تراب ناعم ، وعلي ذلك فإنه يتعين على صانعة الفخار أن تنتقي بنفسها الطمي الملائم للتشكيل.

المرحلة الثانية:  وتتمثل في وضع الطمية بعد تجميعها في حفرة قطرها حوالي 75 سم وعمقها حوالي 30 سم ويطلق عليها اسم حفرة النقع أو البللة ، وتترك الطمية في الماء داخل البللة حوالي 10-12 ساعة تقريبا – و غالباً ما يكون هذا الوقت في المساء - حتى تزبد الطمية وتصير بحالة من الليونة تسمح بالتعامل معها في تشكيل الأواني ، في بعض الأحيان يتم دهس محتويات الحفرة وتتسبب هذه العملية في ترسيب المواد الصلبة في قاع الحفرة وفصلها عن الطمي الذي يكون عندئذ في حالة لينة وجاهزاً للتشكيل.

المرحلة الثالثة:  وهي مرحلة خلط الطمي بالمواد المضافة ، وفيها تقوم صانعة الفخار في الصباح بجمع المادة الخام من الطبقة العليا من حفرة النقع, والتي تكون المادة الخام ناعمة في هذه الحالة, غير أنها لا تكون جاهزة للتشكيل إذ يتعين على صانعة الفخار أن تقوم بإضافة بعض المواد المحسنة للقوام مثل الشقف المجروش (خرفيش) والذي يتم طحنه وغربلته حتى يتم التخلص من الحصى والطوب ثم يضاف إليه رماد الفرن ، تستغرق هذه المرحلة من الوقت ما بين 15 الى30 دقيقة ، وحتى لا تجف المادة الخام تقوم صانعة الفخار بحفظها جاهزة للاستخدام بتغطيتها بقطعة من القماش المبلل.

المرحلة الرابعة:  وهي مرحلة عجن الطين بالأصابع وتدويره على الأرض, وتتمثل أهمية هذه المرحلة في إخراج الهواء الزائد من كتلة الطين وفي تحسس ليونة الطين بالأصابع وفصل ما يمكن قد علق بها من صخور و التي يمكن أن يتسبب وجودها في تشقق الإناء أثناء عملية الحرق.

المرحلة الخامسة:  وهي ما تسمي "بخبط الطين" وفيه تفصل كتلة الطين إلى جزأين وتضرب في بعضها البعض وتكرر هذه العملية لعدة مرات والغرض منها التأكد من خلو المادة الخام من الهواء ولزيادة تماسكها حتى تصبح كتلة واحدة جاهزة للتشكيل.

المرحلة السادسة:  وهي "التشكيل" والذي يتم على صحفة قديمة من الفخار - أو أي شيء دائري متاح مثل طبق أو ما شابه - تملأ بالطمي الجاف أو الرمل و تسمي (البانية), حيث توضع عليها كتلة المادة الخام ثم تفتح بالأصابع وتسحب لأعلي مع تدوير البانية باليد كلما اقتضت الحاجة ويتم بعد ذلك رفع جدران الإناء بسحبه إلى أعلى بالتدريج حتى نصل إلى الشكل المطلوب ، وفي بعض الأحيان كانت تقتضي الحاجة إضافة رقعة أخرى من الطين على شكل دائرة رفيعة تلصق بحافة الإناء و تسحب لأعلى و تكرر الدوائر واحدة بعد الأخرى حتى نصل إلى الشكل و العمق المطلوب للإناء.    

المرحلة السابعة (التجلد):  بعد العملية السابقة يترك الإناء ليجف ليوم واحد و هذه المرحلة تسمي "مرحلة التجلد" بعدها يفصل الإناء من على البانية و يقلب على فوهته تسوى القاعدة باستخدام آلة حادة ينزع بها الطين الزائد سواء من على سطح القاعدة أو من على سطح جدران الإناء من الخارج ، ثم يصقل الإناء و ينعم بعد ذلك بترطيب سطح الإناء بالماء ثم تمرير اليد على سطح الإناء مع التدوير و يترك الإناء بعد ذلك ليجف لمدة من ثلاثة إلى سبعة أيام حسب درجة حرارة الجو وذلك لضمان خلوها من الماء تماما قبل عملية الحرق.[6]

تجمع الأواني التي تم جفافها و ترص في حفرة غير عميقة بقطر لا يزيد عن متر واحد يطلق عليها اسم (الركاية) و تسد كومة الأواني المرصوصة بقطع من الفخار المحروق مستطيلة الشكل يطلق عليها اسم (بطاط) و "يليس" هذا الجمع بالكامل بالطين حتى يمنع الهواء من دخول الركاية و تغطي الكومة بالكامل بالوقود المبدئي وهو عبارة عن أعواد الحطب والبوص وقش الأرز ، وتستغرق هذه المرحلة - والتي يطلق عليها اسم التحمية- من 15-30 دقيقة ، ثم يزاد الوقود الرئيسي ، وهو عبارة عن روث الحيوان الجاف ، وعلى صانعة الفخار ألا تزيد من الحرارة بشكل فجائي بل يتم ذلك بصورة تدريجية  و يتم زيادة الوقود كلما اقتضت الحاجة ،  إلى أن نصل إلى درجة الحرارة المناسبة للتسوية ، وتستمر عملية الحرق لمدة ساعتين تترك بعدها النار لتنطفئ من تلقاء نفسها ، تترك الركاية لتبرد بعد ذلك لمدة يوم كامل قبل أن تفتح ليستخرج منها الأواني المحروقة إذ أن فتح "الركاية" وهي مازلت ساخنة يؤدي إلى تغرض الأواني للهواء وهي ساخنة وبالتالي تشققها.

[1]-  Redmount, C., "Ceramic" in: The Oxford Encyclopedia of ancient Egypt, edited by, Redford, D., The American University in Cairo press: 2001, p.248.

[2] - مصطلح "قراءة الشقف" Reading of pottery هو مصطلح قصد به استنباط المعلومات الخاصة بطرق التشكيل ومعاملة السطح عن طريق ملاحظة العلامات الواردة على سطح الإناء الفخاري.

[3] أشرف زين العابدين السنوسي ، فخار الدولة القديمة دراسة وتأريخ وتصنيف ومقارنة بمناظر المقابر ، رسالة ماجستير جامعة القاهرة 2008 ص20.

[4]-  Redmount, C. op.cit, p.249.

[5]- موضع تخمر الطين.

[6] أشرف زين العابدين السنوسي ، فخار الدولة القديمة دراسة وتأريخ وتصنيف ومقارنة بمناظر المقابر ، رسالة ماجستير جامعة القاهرة 2008 ص 22 : 30.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.