كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 24, 2020 - 60 Views

الحلقة الرابعة حي راقودة الوطني وسيرابيس

Rate this item
(0 votes)

كتبت الباحثة الآثارية أمنية صلاح

باحث دكتوراه فى الفنون القبطية

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أحياء الإسكندرية القديمة، وسندخل اليوم إلى حي راكوتيس (راقودة) وهو الحي الوطني للمصريين، والذي خطط المهندس "دينوكراتيس" مدينة الإسكندرية بالشرق منه.. كما أوضحنا من قبل.

وهذا الحي احتوى على معبد السرابيوم الذي خُصص للإله "سيرابيس"، ولنتعرف أكثر إلى ماهية الإله "سيرابيس" لا بد وأن نلقي نظرة سريعة على الحياة الدينية في مدينة الإسكندرية البطلمية:

  • تنصيب ملوكهم فراعنة

فقد كانت سياسة البطالمة الدينية من أهم الأسس التي قامت عليها السلطة المركزية في مصر؛حيث عملوا على استغلال معتقدات المصريين في دعم مركزهم.. تمامًا مثلما فعل أسلافهم من الحكام الفراعنه حينما أضفوا القدسية على شخصهم بالتأليه لضمان الرضوخ التام من العامة..إذن كان أهم الأساليب التي اتخذها ملوك البطالمة هي تنصيب أنفسهم فراعنه على غرار ما فعله الإسكندر عند زيارته معبد الإله أمون وترسيمه إبنًا للإله، (كما أنه من المرجح أن يكون رُسّم فرعونًا أيضًا)

وكان بطلميوس الثاني "فيلادلفوس" قد قطع شوطًا محسوسًا نحو التشبه بالفراعنة؛ لأنه تزوج من شقيقته أرسينوي الثانية.. وهو ما يخالف التقاليد الإغريقية،.فلا جدال في أن الفراعنة اعتادوا على اتخاذ زوجاتهم الشرعيات من بين أخواتهم لاعتقادهم أن الزوجة المنحدرة من سلالة ملكية لم تكن فقط قادرة على صيانة الدم الملكي نقيًا، بل كانت أيضًا تنقل من فرعون إلى آخر الصفة الإلهية التي كانت تعزي إلى الفراعنة منذ أقدم العصور، وهذا على غرار زواج أوزيريس من أخته إيزيس وزواج ست من أخته نفثيس.

على أي حال فقد اعتُبر زواج فيلادلفوس من أخته أرسينوي الثانية "فيلادلفيا" سابقة، حذا حذوها كافة الملوك البطالمة تقريبًا منذ عهد بطلميوس الرابع. وأصبحت القاعدة منذ زواج فيلادلفوس من أرسينوي الثانية أن يطلق على كل الملكات لقب "الأخت"، حتى إذا لم يكن أخوات بعولتهن، ومثل ذلك برينيكي الثانية زوجة بطليموس الثالث.

  • الإبقاء على المعبودات المصرية

وبجانب تأليه أنفسهم، أبقى ملوك البطالمة على المعبودات المصرية القديمة.. فقد أدرك الإسكندر والبطالمة من بعده أن من أهم أسباب كره المصريين للفرس انتهاكهم حرمة الديانة المصرية وسخريتهم من المعبودات المحلية، ولذلك فقد وضعوا نصب أعينهم الاعتراف بالديانة المصرية دينًا رسميًا، فطفق الملوك يشيدون المعابد على الطراز الفرعوني لعبادة الآلهة المصرية.. كمعبد حورس في إدفو، ومعبد حورس وسوبك في كوم أمبو، وقد شيد فيلادلفوس عددًا كبيرًا من المعابد المصرية اختص إيزيس باثنين منها.

  • اليهودية

وبجانب الديانات السابقة .. كان اليهود من أهم وأكبر الجاليات الأجنبية التي استوطنت الإسكندرية، فسرعان ما تركوا اللغة الآرامية واتخذوا من اليونانيه لغه رسمية، وأكبر دليل على ذلك هو الترجمة السبعينية في عهد فيلادلفوس (وهي ترجمة التوراة إلى اليونانية. ومع تقادم السنين تأغرق اليهود  تمامًا وأصبحت اليونانيه هي لغتهم الوحيده حتى أن المراسم الدينيه كانت تؤدى باليونانيه..

وقد حاز اليهود ثقة حكام البطالمة وشغلوا مناصب حساسه في الدولة وتُرك لهم حرية ممارسة شعائرهم وبناء دور عبادتهم .. كما أنشاوا رابطة لليهود نتيجه لتزايد أعدادهم (بوليتيوما) ومجلس شيوخ ( جيروزيا) ودار خاصة لحفظ الوثائق.

  • سيرابيس

كانت تلك الاتجاهات الثلاثة هي ملخص سياسة البطالمة الدينية، لكن - رغم كل شيء – كانوا بحاجة لشيء من الوحدة الدينية التي تشمل أهم عنصرين في الدولة : المصريين أهل البلاد، والإغريق؛ ففكروا في توحيد الآلهة المصرية في إله رسمي واحد.. وكان التفكير في إله مصري قديم للقيام بهذا الدور أمر غاية في الصعوبة؛ ذلك أن الآلهة القديمة كانت قد اكتملت شخصيتها في قلوب المصريين بالفعل، إضافة إلى أن هذا من شأنه أن يزيد من نفوذ كهنة الإله المختار أمون رع مثلا أو بتاح.. لذا لم يكن  بد من خلق إله جديد..

ووقع الاختيار على إله ممفيس "أوزير أبيس " أو العجل أبيس الذي كان بعد موته يتحد بأوزوريس ليصبح أوزير أبيس، ما فعله البطالمة إذن هو عملية أغرقه للإله وذلك بإدخال بعض التعديلات عليه مثل:

أولهما تغيير اسمه من أوزير أبيس إلى سيرابيس؛ ليسهل نطقه على الإغريق المقيمين، وثانيها هو تصويره بصورة آدمية بدلا من صورته الحيوانية التقليدية، فصور رجلا له لحية وشعر مجعد ويعلو رأسه الكلاثوس.. قريب الشبه بالإله زيوس

وتم بناء معبد مخصص لسيرابيس في الإسكندرية وهو"السيرابيوم" Σεραπεῖον في حي راقودة على  أكروبوليس الاسكندرية مكان قرية راقودة القديمة وهو ما يوافق هضبة العمود حاليا (الأكروبول هو أعلى مكان في المدينة اليونانية ويبنى فوقه المعبد) وأُلحق المعبد بمكتبة ضخمة كانت نموذج مصغر لمكتبة  الإسكندرية، وسميت المكتبة الإبنة لتمييزها عن المكتبة الكبرى.

على أن سيرابيس لم يبق بمفرده، فأُلحق بالثالوث المقدس وهو (إيزيس وحاربوكراتيس أو حورس) فتم تخصيص الجزء الأوسط من المعبد للمعبود [[سرابيس]] والغربي للمعبودة إيزيس، بينما خُصص الجزء الشمالي للمعبود حربوقراط.. ونظراً لأن المعبد شُيّد في الحي الوطني فكان لا بد من تصميمه على النمط الفرعوني.

وقد تم هدم السيرابيوم في عهد الإمبراطور ثيودسيوس الذي أعلن المسيسحية دينا واحدا ووحيدا للإمبراطورية، فتم هدم المعبد ومكتبته الابنه لبناء كنيسة تحل محله

وإلى اليوم، تظل أطلال السيرابيوم الظاهرة.. شاهدة على مجد المدينة الذي كان

في الحلقة القادمة سندخل معا إلى الحي الملكي ونستكشف مكتبة الإسكندرية القديمة

فكن على الموعد..

_________________________

References

  • جراتيان لوبير، مدينة الإسكندرية: موسوعة وصف مصر، ت زهير الشايب، د ت.
  • هارولد إدريس بل، مصر من الإسكندر الأكبر إلى الفتح العربي، مكتبة النهضة، 1954.
  • عزت قادوس، آثار مصر في العصرين اليوناني والروماني، الإسكندرية، 2000.
  • Bevan,Edwyn, A History of Hellenistic Egypt under the ptolemaic Dynasty, Ares publishers, 1985.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.