كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 03, 2020 - 101 Views

الرخيتو يكتبون التاريخ

Rate this item
(0 votes)

كتب أ. د. محمود أحمد درويش

أستاذ الآثار الإسلامية

كلية الآداب جامعة المنيا مصر

حملة بريطانيا العظمى على مدينة رشيد عام 1807

في ضوء وثائق الأرشيفات البريطانية

كتاب نشر مؤسسة الأمة العربية للنشر والتوزيع (2020)

رقم الإيداع: 4413/2020، الترقيم الدولي: 7-536-783-977-978

أهدي هذا الكتاب إلى الرخيتو .... أبناء رشيد العظيمة، الذين هزموا جيش بريطانيا، ولعبوا دورا في حسم الصراعات السياسية بين القوى العظمى.

إلى أبناء رشيد المنتصرين، أصحاب الحق في أن يعيدوا كتابة تاريخ انتصار مدينتهم، ليس بُناء على الروايات المنقولة والمؤرخين الذين نسبوا الحملة إلى شخص (فريزر) للتقليل من شأنها، ونسبوا الانتصار إلى محمد علي والألبان والعثمانيين. ولكن بُناء على وثائق وتقارير القادة السياسيين والعسكريين البريطانيين الذين لم يجدوا مناصا من الاعتراف بأن مدينة صغيرة مثل رشيد قد ألحقت أقسى الهزائم بجيش الامبراطورية البريطانية.

إلى أبناء رشيد المنتصرين، الذين أطاح انتصارهم الساحق على جيش الإمبراطورية البريطانية، بالسلطان العثماني والملك البريطاني ومجلس العموم والحزب الحاكم والوزارة البريطانية، وأغلب القادة السياسيين والعسكريين الذين كان لهم دور في هذه الحملة.

مقدمة الطبعة الأولى

رغم كثرة الكتابات في المصادر والمراجع العربية عن الحملة التي شنها جيش الامبراطورية البريطانية على الإسكندرية ورشيد، في مقدمة لغزو واحتلال مصر عام 1807، إلا أنها اعتمدت في التأريخ للأحداث على رواية عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي[1]، في سفرة الضخم "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"[2]، والذي يجب أن نشير إليه في هذا الصدد، حيث يعد مرجعاً أساسياً لتلك الفترة. إلا أن الباحث عن الحقيقة يجدر به أن يكون مطلعا على جميع المصادر التي تناولت هذه الحملة، خاصة الوثائق التي حُفظت في الأرشيفات البريطانية، ومن أهمها بالطبع الرسائل والتقارير التي تم تبادلها بين قادة الحملة من العسكريين، إلى جانب الدبلوماسيين من الوزراء والسفراء وأعضاء الحكومة البريطانية، وهي بطبيعة الظروف التي أرسلت بها، كانت تتخذ في معظمها صفة السرية.  

ولقد كنت أظن قبل أن أجوس خلال هذه المباحث التاريخية، وأشغل نفسي بتحقيق نقطها وضبط موادها، كما يليق بالمؤرخ الصادق، أن كاتبًا عربيًّا قد حام حول الحمى، ووفى هذه الفترة القريبة منا شيئًا من حقها التاريخي، ولكني لم أر واحدًا ممن وضعوا المجلدات الضخام، قد أتعب نفسه وكلفها مئونة البحث الصحيح، الدال على إخلاص في خدمة التاريخ، رأيتهم كلهم قد اعتمدوا على الشيخ الجبرتي، ونقلوا عنه حرفًا بحرف دون تقدير لظروف الرجل وكفاءته، ومن غير نظر إلى أنه كتب تاريخه، لا نقلا عن المصادر، ولا من أوراق ثابتة ذات قيمة أثرية، بل كان اعتماده على ما يصل إليه من أفواه الناس ورواة الأخبار، وغَلطهم أكثر من صوابهم، هذا فضلا عن أن الشيخ الجبرتي يعترف في كتابه، أنه ابتدأ في جمعه وتنسيقه في عام 1226هـ (1811م)؛ أي بعد عشرة أعوام من خروج الفرنسيين وثلاثة عشر من دخولهم، وأربعة أعوام من خروج الانجليز من مصر أيضا، ولا شك أنه قد أحاط بكثير من أخبار البلاد والعباد، مما جعله - إلى حد ما - صادق الأحكام دقيقاً في تحليل الأمور، مستوعباً لكل صغيرة وكبيرة من حياة الشعب المصري في الفترة التي تحدث عنها وتعامل معها. ولا بد من وقوعه في أغلاط كثيرة، وكان من أقل الواجبات على المؤرخين أن يلجأوا إلى المصادر الفرنسية والإنجليزية، ويكملوا ما نقص منها، أو يقارنوا بينها وبين ما خالف منها أقواله.

إن الكثيرين من الأدباء وأهل الفضل لا يقدرون كتاب الشيخ عبد الرحمن الجبرتي حق قدره، كأثر تاريخي عظيم، وعمل أدبي مجيد، ومذكرات يومية ذات قيمة كبرى للمؤرخ، والسبب في النظر إليه بهذه العين يرجع إلى أن الناس لا يميلون إلى هذا النوع من الأسلوب من جهة، ولأنه مجموعة من عبارات وروايات وحوادث غير متمازجة ولا متناسقة، من جهة أخرى. ولكن الذين لا يأخذون الأمور بظواهرها، والذين يتعمقون في البحث، عن حوادث تلك الأيام وظروفها وأحوالها، لا يسعهم إلا الإعجاب بذلك السفر الجليل وواضعه، فالجبرتي هو بلا نزاع مؤرخ هذه الفترة وجامع شتات أخبارها، بإخلاص ومجهود كبير، بل هو كاتبها الأمين، والذي لولاه لبقي تاريخ هذه الفترة صحيفة بيضاء، خاصة في اللغة العربية.

ظل الجبرتي مشتغلاً بجمع أخباره وتقييدها حتى فاجأته وفاجأت المصريين جميعهم الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وكان في الرابعة والأربعين من عمره، ولذلك فهو لم ينقطع خلال فترة بقاء الفرنسيين في مصر عن تسجيل أعمالهم، ورصد تحركاتهم، والتعليق على أقوالهم وأفعالهم، وكان أكثر العلماء دقة في تدوين ملاحظاته على نظام الحياة في مجتمع الجنود الفرنسيين وطرائقهم في تنظيم حياتهم، ووصف تلك الفترة بالتفصيل في كتابه الذي يعد مرجعاً أساسياً لتلك الفترة الهامة من الحملة الفرنسية.

تعرض الجبرتي إلى النقد في موقفه من المصريين ومن الفرنسيين كذلك، فقد اتهمه المصريون بالتعاون مع الفرنسيين والولاء لهم في سياق تأريخه، كما اتهمه الفرنسيون بالتعصب ضد مظاهر الحضارة الحديثة التي كانوا يدعون تقديمها للعالم الإسلامي والمجتمع المصري، إلا أنه نال ثناءً كبيراً في أوساط الشعب ومن الحكام الأتراك.

جمع الجبرتي تاريخ مصر الذي انشغل به منذ خمسة عشر عاماً في كتاب واحد، ولذا فقد عقد العزم على كتابة تاريخ مصر الكامل جاعلاً كتابه (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس[3]) أحد فصوله الرئيسية. فقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول حتى آخر عام (1189هـ/1775م)، والثاني حتى آخر عام (1212هـ/1797م)، والثالث حتى آخر عام  (1220هـ/1805م)، وأسماه عجائب الآثار في التراجم والأخبار والمعروف "بتاريخ الجبرتي"، وقد انتهى من تدوين هذه الأجزاء الثلاثة في عام (1236هـ/1822م).

دفع الجبرتي الاشتغال بكتابة تاريخه أن وقف موقف المعارضة لحكم محمد علي باشا منذ بداية حكمه لمصر وانشقاقه على الدولة العثمانية، وظل سنوات يترقب ما ستؤول إليه الأحداث في عهد هذا الرجل، وكان خلال ذلك يرصد كل شيء، ويدون الحوادث والمتفرقات، ويسند كل ما يقول ويدون إلى مصدر ثقة أو شاهد عيان سماع عاصر الحدث أو سمع عنه. وكان يحرص أن يعاين الأحداث العامة بنفسه ليتوخى الصدق ويتجنب نقل الأخبار الكاذبة، ولقد تعرض في سياق ذلك لكل شيء، فقد ذكر الأحوال الاقتصادية والعلاقات التجارية والحياة الاجتماعية، كما تعرض إلى الحياة الدينية والثقافية وأخبار الأدباء والعلماء المشهورين والمشايخ البارزين، وظل دؤوبا في عمله حتى عام (1237هـ/1823م)، عندما فاجأته فاجعة قتل ولده خليل، لموقفه المعارض من حكم محمد علي وثورته على الدولة العثمانية. ومن ثم لم يجد القدرة على استكمال تاريخه، وفقد دافعه لاستكمال المسيرة التي بدأها، وأشار الجبرتي بأمانة في رواياته عن الحملة الإنجليزية في أكثر من موضع إلى اختلاف الرواة في سرد الحدث، وعرض مختلف الروايات التي تناقضت فيها بينها عما حدث في الإسكندرية، وقد توفي عام 1240ه (1824م).

كان الجبرتي يشكو من غموض المئة سنة الماضية عليه، أي من عام 1070هـ حتى 1170هـ (1757-1660م)، لأن هذه السنوات سابقة على حياته، فقد حرص على أن يدون الأسماء من الدواوين الرسمية، أما بعد ذلك فهو عليه هين. يقول الجبرتي في شرح ذلك: إنها تستبهم عليَّ (المئة الماضية إلى السنة السبعين)، وأما ما بعدها فأمور شاهدتها، وأناس عرفتهم، على أني سوف أطوف بالقرافات (المقابر) وأقرأ المنقوش على القبور، وأحاول جهدي أن أتصل بأقرباء الذين ماتوا، فأطلع على إجازات الأشياخ عند ورثتهم، وأراجع أوراقهم إن كانت لهم أوراق، وأسأل المعمرين ماذا يعرفون عمن عايشوهم. ورغم أن الجبرتي كان دقيقاً لا يكتب عن حادثة إلا بعد أن يتأكد من صحتها، وقد يُؤخِر التدوين حتى يحيط بالمصادر التي تصححها سواء بالتواتر أو بالشهادة.

فللحق، حدث خلط في رواية الجبرتي عن الحملة الإنجليزية انعكس على الكتابات العربية بشكل أو بآخر، وكان الاعتماد على مصدر واحد في الكتابة التاريخية يعتمد أساسا على الرواية فيه تجن على الحقيقة التاريخية، حيث أن الجبرتي لم يكن يملك أدوات مؤرخي العصر الحديث، من الوثائق سواء التركية أو البريطانية أو غيرها، والتي يمكنها أن تعطي للمؤرخ صورة كاملة عن الحدث التاريخي وفق الموضوعية والحيادية، سواء بالمنهج التحليلي أو السردي في عرض الأحداث.

وليس من السهل معرفة كيف كان يكتب الجبرتي مذكراته هذه، ولكن المعقول المستنتج من كثير من رواياته أنه كان يجلس لنفسه بعد مرور بضعة أيام، فيدون ما يكون قدَّره أو سمعه أو وصل إلى علمه، وهو يعترف في مقدمة كتابه فيقول: كنت سوَّدتُ أوراقًا في حوادث آخر القرن الثاني عشر، وما يليه وأوائل القرن الثالث عشر الذي نحن فيه، جمعت فيها بعض المواقع إجمالية، وأخرى محققة تفصيلية، وغالبها مِحنٌ أدركتها، وأمور شاهدتها، واستطردت في ضمن ذلك سوابق سمعتها، ومن أفواه الشيخة تلقيتها، فأحببت جمع شملها وتقييد شواردها في أوراق منسقة النظام، مرتبة على السنين والأعوام، وما بعدها إلى التسعين، أمور شاهدناها ثم نسيناها وتذكرناها، ومنها إلى وقتنا أمور تعقلناها وقيدناها وسطرناها، وسنورد أن شاء الله تعالى ما ندركه من الوقائع، بحسب الإمكان والخلو من الموانع، إلى أن يأتي أمر الله، وأن مردنا إلى الله، ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق، أو مدح أو ذم مباين للأخلاق، لميل نفساني، أو غرض جسماني.

والشيخ الجبرتي نفسه يعترف في كتابه أنه ابتدأ في جمع أوراق كتابه وتنسيقه في السنة السادسة والعشرين بعد المائتين والألف (1811)؛ أي بعد عشرة أعوام من خروج الفرنسيين من مصر، وأربعة أعوام من الحملة الانجليزية، لذا يجب التأمل في مقدار الأغلاط التي يقع فيها رجل يجمع أوراقه المتناثرة بعد مرور هذه الأعوام على الحوادث التي يكتب عنها.

ومن حيث علاقة كتاب الجبرتي بهذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم، فالذي يهمنا في كتابه هو ما يتعلق بهذه الحملة وتطور الأحداث في هذه الفترة، ومهمتنا في هذا الكتاب تنحصر في قيمة الأخبار الواردة فيه، وصدق الوثائق المحفوظة به من منشورات وتعليمات وغيرها، وقرب ذلك أو بعده من الحقيقة التاريخية. ولا تردد مطلقًا في الحكم على أن الصدق في الرواية كان رائد الشيخ في كل ما كتبه.

أما من وجهة أن كتاب عجائب الآثار، كتاب تاريخي، فلا مفر من الاعتراف بأنه ليس من التاريخ، على أسلوبه الصحيح في شيء، وإنما هو مذكرات وروايات قيَّد المؤلف شواردها، بغير ترتيب ولا تنسيق، تصلح أن تكون مادة للمؤرخ، مع شيء غير قليل من الصعوبة والعناء. فالجبرتي يعتبر ظاهرة من الظواهر التاريخية التي ليس لها تفسير واضح ولا سيما أن الكتابة التاريخية قد تدهورت في تلك الفترة[4]، وهكذا لا يمكن الاستفادة من كتاب الجبرتي إلا إذا تمت معالجته، وبحثًا وغربلة، ومقارنة ومقابلة، ولا يسهل هذا إلا بعناء ومقارنة بينه وبين المصادر الأخرى، في اللغات الأجنبية خاصة فيما يختص بالحملة من مذكرات ومؤلفات، وأوراق رسمية.

ومما لا شك فيه أن المرجع القيم[5] الذي كتبه المؤرخ جورج دوين (Georges Douin)، من المراجع التي تناولت هذه الحملة من حيث مقدماتها التي تبدأ منذ الحملة الفرنسية، والظروف السياسية في أوربا والصراعات التي دارت رحاها في الفترة من 1801 إلى قدوم هذه الحملة عام 1807. وقد اعتمد هذا الكتاب على المصادر الإنجليزية المتعلقة بتاريخ مصر الحديثة، فإلى جانب العديد من المراجع العربية التي اعتمدت على الجبرتي، والمراجع الأجنبية، وتأتي الوثائق الواردة فيه بالكامل تقريبا من مكتب السجلات العامة، وتنتمي إلى الأرشيفات الغنية التي تنتمي إلى مكاتب الحرب (War Office)، والإدارة الخارجية (Foreign Office)، والأميرالية (Admiralty).

وتنقسم الوثائق إلى قسمين:

القسم الأول: ويبدأ منذ خروج الفرنسيين عام 1801 حتى بدء الاستعداد لغزو مصر عام 1806، وتشمل:

  1. الوثائق الخاصة بمكاتب الحرب وتشمل المحافظ التالية:

The English Archives of the War Office (W. O. 1-345, 1-346, 1-347, 6-183, 6-56).

  1. الوثائق الخاصة بالإدارة الخارجية وتشمل المحافظ التالية:

The English Archives of the Foreign Office (F. O. 24-2, 42-1, 42-2, 68-38, 78-50, 78-31, 78-32, 78-33, 78-35, 78-37, 78-39, 78-40, 78-41, 78-42, 78-43, 78-46, 78-49, 78-51).

القسم الثاني: من بدء الاستعداد للحملة في 1806 حتى مرحلة ما بعد الانسحاب من مصر في  أكتوبر  1807، وتشمل:

  1. الوثائق الخاصة بمكاتب الحرب، وتم الرجوع إلى (120) وثيقة بالمحافظ التالية:

(The English Archives of the War Office (W. O.), 1-303, 304, 305, 348, 6-56)

أ. المحفظة رقم (W. O. 1-303) بها إحدى عشر وثيقة.

ب. المحفظة رقم  (W. O. 1-304)بها أربعة وعشرون وثيقة.

ج. المحفظة رقم  (W. O. 1-305)بها خمس وثائق.

د. المحفظة رقم (W. O. 1-348) بها سبعة وستون وثيقة.

هـ. المحفظة رقم  (W. O. 6-56)بها أربع وثائق.

  1. الوثائق الخاصة بالإدارة الخارجية وبها وثيقة واحدة بالمحفظة التالية:

The English Archives of the Forgien Office (F. O.), 24-3.

  1. الوثائق الخاصة بالإدميرالية Admiralty (Ad): 1-413, 2-1364، وتشمل محفظتين:

أ. المحفظة رقم ((Ad. 1-413 بها ثمانية عشر وثيقة.

ب. المحفظة رقم ((Ad. 1-413، بها وثيقتان.

  1. مجموعة مختارة من المراسلات العامة لنائب الأدميرال اللورد كولينجوود (Collingwood)، بقلم نيوهان كولينجوود (Newnhan Collingwood)، في مجلدين، لندن، (1828)، وتضم ثلاث وثائق.

Collingwood, Newnhan (1828). A Selection from the public and priuate correspondence of Vice- Admiral Lord Collingwood, 2, London.

  1. أوراق باجيت: مراسلات دبلوماسية ومراسلات أخرى لصاحب السمو السيد آرثر باجيت(Arthur paget) ، تم تحريرها من قِبل (Augustus Paget)، وتضم وثيقتين.

The Paget Papers: diplomatic and other correspondance of the R. H. Sir (Arthur paget) G. 3. B. (1794-1807), edited by the R. H. Sir Augustus Paget, 2, London, (1896).

  1. سلسلة المخطوطات الإضافية للمتحف البريطاني، وتضم وثيقة واحدة.

The British Museum's Additional Manuscripts series (B. M. add. Mss. 37050).

إن الوثائق البريطانية الخاصة بمراسلات الحملة الانجليزية، تمثل أهمية كبيرة في كشف الكثير من الحقائق التاريخية والتعبير عن وجهة النظر الأخرى في أحداث هذه الحملة.

ولذلك، فقد حاولنا في هذه الدراسة أن نجمع بين هذه الوثائق البريطانية، وبين ما ورد في المصادر العربية، وخاصة الجبرتي، وهى إضافة أعتقد أنها قد جاءت بجديد في مجال البحث التاريخي فيما ورد بهذه الوثائق البريطانية، فقد اتضح وجود اختلافات جوهرية في كثير من الأحداث عما ورد في روايات الجبرتي، والذي كان المصدر الأصلي في كتابة الحدث التاريخي عن هذه الفترة للكثير من المراجع العربية. كما أن الوثائق المنشورة تُعطي صورة مخلصة للأحداث، ولا ينبغي أن نخلص إلى أنه لا توجد فجوات: فالمحفوظات تقدمها دائمًا، والتي قد يسدها الباحثون أكثر منا.

لقد أعادنا طبع "ملاحظات على الحملة إلى الإسكندرية في عام (1807)"، "Notes on an expedition to Alexandria, (1807)", والتي نُشرت لأول مرة، في (1837) و (1838)[6]، في مجلة يونايتد سيروس (le United Seruice Journal). ولم يتم تحديد هوية المؤلف، الذي يوقع تحت الاسم المستعار "مايلز"(Miles) . إلى أنها قصة شاهد يسرد جزءً من الأحداث، مثل كل حكايات القادة المشاركين في الحملة، ولكنها دقيقة وحية بشكل فردي، والتي تُكمل، من خلال هذه الحقيقة بالذات، ما كانت التقارير الرسمية، مضطرة إلى تجاوزه.

ويمكن إيجاز أهم نقاط الاختلاف بين ما ورد في الجبرتي وما ورد بالوثائق البريطانية، فيما يلي:

ورد بالجبرتي أن هدف الحملة الإنجليزية بقيادة الجنرال ماكينزي فريزر كان لتولية محمد بك الألفي واليا على مصر بديلا عن محمد علي، أما الحقيقة التي أكدتها الوثائق البريطانية أن الحملة العسكرية أُرسلت إلى مصر من خلال استراتيجية الصراع الدولي في البحر المتوسط، لتحقيق الأمن القومي البريطاني، وكان هدفها كما حددته الأوامر الصادرة إلى فريزر هو الاستيلاء على الإسكندرية فقط، في البداية، وتحويلها إلى قاعدة عسكرية بحرية بحر- متوسطية لمواجهة فرنسا في الصراع الدائر في مناطق النفوذ في البحر المتوسط وتأمين الطريق الملاحي إلى الهند عبر مصر، وامتدت الأطماع البريطانية فيما بعد إلى رشيد ودمياط ومن بعدهما مصر بأكملها.

وعندما كتب الجبرتي عن فرقة مماليك الألفي بقيادة شاهين بك وباقي الفرق الرافضة لمحمد علي، وعن اتصالاتهم بالقنصل البريطاني في مصر ميسيت، تصور الجبرتي أن الإنجليز سوف يساعدونهم في الاستيلاء على القاهرة، ولكن الحقيقة أن ميسيت كان يحتاج لمساعدة المماليك في الاستيلاء على الإسكندرية وما حولها لتأمين العمق الاستراتيجي للقوات البريطانية، لأن الحملة جاءت إلى مصر بقوات لا يتجاوز عددها (6604) رجلا من أجل احتلال الإسكندرية فقط، ولم تكن هناك تعليمات من القيادة البريطانية نهائيا بتجاوز الإسكندرية، خاصة في المرحلة الأولى للحملة.

ذكر الجبرتي روايات مختلفة ومتناقضة عما سمعه من شائعات عن مقاومة الإسكندرية تارة واستسلامها دون مقامة تارة أخرى، وانتهى إلى أن الإسكندرية لم تقاوم لا شعبا ولا حامية عثمانية، وسارت بعض المراجع العربية على نفس المنهج، بل وصل بعضها إلى القول بأن المدينة استسلمت دون أن تطلق رصاصة واحدة، والحقيقة أن شعب الإسكندرية، كما ذكرت الوثائق البريطانية، قد استُنفر للقتال وكان ثائرا. وأن الحامية قد قاومت وكبدت الإنجليز بعض الخسائر، ولكن المعركة كانت بين قوى غير متكافئة، لا في الأعداد، ولا في المعدات، ولا في فنون الحرب.

لقد أثيرت الاتهامات حول أمين أغا حاكم مدينة الإسكندرية المُعين بفرمان سلطاني، بأنه سلم المدينة دون قتال مقابل الحصول على رشوة من المال من الإنجليز، واتهمه محمد علي - كما ورد في الجبرتي - هو والشيخ محمد المسيرى بتسليم المدينة، وسارت بعض المراجع العربية خلف هذا الاتهام، بل واتهمته بأنه خائن، والحقيقة أن حاكم المدينة، عندما تقابل مع الضباط الانجليز الذين سلموه إنذار فريزر بالتسليم، رفض الإنذار البريطاني، وأرسل يستنجد بحكومة القاهرة، وأغلق بوابات المدينة، ووضع خلفها المتاريس، وخرج شعب الإسكندرية ثائرا ضد الإنجليز، واستعد للمقاومة.

ولكن تسببت عوامل عديدة في قبول أمين أغا وشعب الإسكندرية بالاستسلام، أهمها أن مهلة الإنذار البريطانى كانت 48 ساعة فقط، ولم تصل قوات نجدة من القاهرة، وبدا القصف المدفعي العنيف ضد الحامية التى لم يتجاوز عددها 467 رجلا، فانهارت الدفاعات الأمامية، ولا يخفى أن المدفعية الإنجليزية كانت على مستوى متقدم ونيرانها كثيفة، وكان أحد العوامل الرئيسية والتي ساعدت على الاستسلام هو انسحاب الحامية العثمانية، واستسلام السفن البحرية العثمانية المكلفة بالدفاع البحري عن المدينة دون أن تشتبك مع الأسطول البريطاني، والذى كان في موقف حرج للغاية لو أطلقت عليه هذه البوارج العثمانية النيران، لهذا آثر أمين أغا سلامة السكان والمدينة، وكان واقعيا أمام هذه الظروف الصعبة.

وعلى ما يبدو، أن الذين نقلوا عن الجبرتي في هذه النقطة لم تكن أمامهم الصورة كاملة بالوثائق البريطانية، ولا يخفى أن الجبرتي عندما أشار إلى واقعة الاستسلام نقل عن لسان محمد علي باشا هذا الاتهام، وقد كانت هناك خلافات بين محمد علي وأمين أغا لعدم تبعيه الثغور لوالي مصر، وسعي محمد علي إلى أن تكون تبعية كل أرض مصر لحكمة، خاصة أن الثغور كانت أحد أهم موارد الدولة الاقتصادية، وكانت تتبع الأستانة مباشرة ولا تتبع والي مصر، حتى هذه الأحداث.

هذا فضلا عن تفاصيل المعارك التي دارت بين مجاهدي رشيد والقوات البريطانية في الحملتين وقد ذكرت الوثائق اسرارا لم يذكرها الجبرتي أو غيره، وقد كشفت الرسائل حجم الهزيمة التي تلقتها الحملة. وما تناولته عن صدى الهزيمة على على ملك البريطاني والحكومة ومجلس العموم والقادة السياسيين والعسكريين

على كل حال كانت هذه أهم النقاط الجوهرية محل الخلاف والخلط في الكتابة التاريخية، والذي أطلق العنان لتبرير الاستسلام السريع لمدينة الإسكندرية وسقوطها بسهولة، والتقليل من حجم انتصار شعب رشيد لدرجة أن المؤرخون العرب نسبوا الحملة إلى فريزر وليس لجيش بريطانيا العظمى، كما حدث في نسبة الحملة الفرنسية إلى فرنسا لا إلى نبليون بونابرت.

وهناك أمور وأحداث كثيرة لم يتطرق إليها الجبرتي، تم إلقاء الضوء عليها في هذا الكتاب، خاصة فيما أشارت إليه الوثائق البريطانية من بسالة وقوة المقاومة الشعبية في رشيد، ودور الشعب المصري في القاهرة والدلتا في المقاومة التى أذهلت القيادة البريطانية، وأصابت الجنرال فريزر بالإحباط، وجعلته يطلب من حكومته الانسحاب من الإسكندرية، ومقدار الحسرة لدى العسكريين والسياسيين في بريطانيا جراء الهزيمة في رشيد، وإجبار الحملة على الانسحاب على وجه السرعة قبل أن يلطخ الشرف العسكري البريطاني بهزيمته فادحة، إذا تقدم الحشد الشعبي والعسكري من رشيد إلى الإسكندرية.

يتناول هذا الكتاب الحملة العسكرية التي وجهتها بريطانيا العظمى إلى مصر، والتي نتج عنها احتلال الإسكندرية، التي أهمل العثمانيون دفاعاتها وتحصيناتها وقلصوا القوات المدافعة عنها، لدرجة أسقطت المدينة التي لم تتمكن من التصدي لقوات الحملة، والمعركة التي وقعت على أرض رشيد والتي كانت بين قوى غير متكافئة، بين شعب رشيد بقيادة علي بك السلانكلي محافظ المدينة وحسن كريت قائد المقاومة الشعبية، وجيش الامبراطورية البريطانية العظمى بقيادة الجنرال ماكينزي فريزر، والتي انتصر فيها شعب رشيد انتصارا ساحقا، وحققوا أقسى الهزائم في تاريخ العسكرية البريطانية، وحسموا الصراع العالمي بين القوى العظمى في ذلك الوقت، وقد أثار الحسرة في نفوس القادة السياسيين والعسكريين أن مدينة صغيرة مثل رشيد تتصدى وتهزم جيش الامبراطورية البريطانية، على حد قولهم. 

ورغم ما لتاريخ الجبرتي من أهمية كبيرة عند الباحثين، لما امتاز به من الدقة والإنصاف، إضافة إلى ذكر الوفيات وتراجم الأعلام والوقائع والأحداث، فلقد تميز منهج الجبرتي في الكتابة والتأليف بالدقة في استقصاء الحوادث، وبالموضوعية التي نستشفها من تأكيده أنه كان يكتب للحقيقة والتاريخ، فقد أدرك أهمية الاستعانة بالوثائق في كتابة التاريخ، فأورد العديد منها وضمنها تاريخه، إلا أنه يجب إعادة النظر في هذا الكتاب الذي كان مصدراً مهماً لحقبة زمنية عاصر معظمها وأدرك من عاصر الحقبة التي سبقت ولادته، حيث اعتمد على عدد كبير من الروايات التي ثبت عدم صحتها.

ورغم أن كتاب الجبرتي طبع عدة طبعات في زمن مبكر ولا يزال يطبع حتى زماننا هذا، إلا أنه تبين أن هذه الموسوعة التاريخية طُبعت مبتورة ناقصة لظروف غامضة. فهناك الكثير من الحقائق التي لم يذكرها الجبرتي، سيرد ذكرها في حينها، إلى جانب أن الوثائق البريطانية قد حسمت عددا من الموضوعات التي دار حولها جدل كبير في كتاب الجبرتي[7].

أما هذا الكتاب والذي يتخذ اسم: الرخيتو يكتبون التاريخ (حملة بريطانيا العظمى على رشيد عام 1807 في ضوء وثائق الأرشيفات البريطانية)، فقد اشتق اسمه من الاسم الفرعوني رخيت (Rekhyt)، وهو أصل اسم رشيد وأطلق على أهلها الرخيتو وتعني: أفضل الناس، حيث اتخذه شعب مدينة رشيد اسما له عندما استأثر به عن بقية الشعب المصري، ويبرز الكتاب فضل أهالي رشيد في صد الغزو وهزيمة جيش بريطانيا العظمى.

وتُبين الرسائل الاستعدادات لغزو مصر لاحتلال الثغور وأولها الإسكندرية تليها رشيد ومن بعدها دمياط، وإمكانية السيطرة بعد ذلك على البلاد في حملة استعمارية لم تكن بقرار من فرد، وسنلاحظ من الرسائل وما يليها في الموضوعات المختلفة الدور الذي لعبة الجواسيس البريطانيون وأولهم القنصل البريطاني ميسيت في مصر، وكذلك الدور الذي قام به بتروتشي القنصل البريطاني في الإسكندرية ورشيد في التمهيد لهذه الحملة في مراحلها المختلفة، حيث كانوا يرسلون المعلومات عن قوة وحالة القوات بالمدينة وحالة البطاريات والدفاعات أيضا.

وبادعاء أن هدف الحملة ليس غزو مصر، بل مجرد الاستيلاء على الإسكندرية لغرض منع الفرنسيين من استعادة مكانتهم فيها، إلا أن تأكيد القادة على توفير الأمن والحماية لجميع الأطراف التي يجب أن تظل على علاقات ودية مع بريطانيا العظمى، يؤكد الدور الاستعماري لها والذي كان يتضمن احتلال مصر ووضع المماليك على كرسي الحكم لتكون مصر جزء من الامبراطورية البريطانية.

أكدت الوثائق أن الغرور والصلف اللذان تمتع بهما قادة الحملة والحكومة ومعهم الملك البريطاني جعلهم على اقتناع تام أن جيشا من نيف و6000 مقاتل، معظمهم من المرتزقة سيكون كافيا لإقامة حامية بالإسكندرية، واحتلال مصر، وكأن القادة لم يكونوا على دراية أن الحملة الفرنسية التي كانت تتكون من أكثر من 35 ألف جندي، تحملهم 300 سفينة ويحرسها أسطول حربي فرنسي مؤلف من 55 سفينة، لم يستمر وجودها في مصر لأكثر من ثلاث سنوات. وأنهم كانوا يظنون أنهم لن يجدوا في مصر مقاومة ذات شأن بسبب الاضطرابات التي مزقت شملها، وقد كانوا على يقين أن جيش المماليك سينضم إليهم بناء على وعود محمد بك الألفي، وأن الجيش العثماني قد أُمر صراحة بأن يترك لهم الأرض دون مقاومة بعد اتفاق بريطانيا مع الباب العالي، ولذلك لم يصحبوا معهم قوة من الفرسان اكتفاء بما يظاهرهم به صنائعهم المماليك، وكانوا يعتقدون انهم لا يلبثون أن يطأوا أرض مصر حتى يسارع اليهم المماليك من أنحاء البلاد لملاقاتهم والانضمام اليهم، فلما دخلوا الاسكندرية ولم يروا لهم أثرا أرسل إليهم القنصل الانجليزي يطلب من زعمائهم الحضور ليلتقوا بمنقذيهم وحماتهم. إلا أنهم أغفلوا قوة المصريين الذين خيبوا ظنون البريطانيين، وألحقوا هزيمة نكراء بجيش الامبراطورية، غيرت مجرى الصراع الدولي تماما.

ومما يؤكد الاتفاق بين بريطانيا والسلطان العثماني المقترحات التي قُدمت إلى  الرئيس أفندي، بأنه سيكون من المناسب للحكومة العثمانية تقديم التماس إلى جلالة الملك لإرسال قوة إنجليزية دون تأخير إلى الإسكندرية، الغرض المزدوج هو الحفاظ على الأمن العام والدفاع عن مصر ضد الهجوم بوساطة فرنسا وتضمن رسالة ستراتون إلى لورد هاوكسبوري في  21 يناير 1804، إن فرضية احتلال الإسكندرية مطروحة هنا، ليس فقط كتدبير يتم اتخاذه وفقًا للباب العالي، ولكن كعملية يجب تنفيذها رغما عنه.

كما كشفت هذه الرسائل الدور التآمري للباب العالي الذي عقد اتفاقا مع بريطانيا يسمح باحتلال الثغور، مما أعطى الضوء الأخضر لهذه الحملة، وقد أراد بعد ذلك، بعد أن قاربت على التحرك نحو مصر، التملص من ذلك، ليبدو أنه يعارض الحملة، فقد صدر الأمر إلى الوالي في مصر لوضع كل جزء ضعيف في حالة دفاع، ومقاومة هبوط القوات البريطانية بكل الوسائل الممكنة، مع أن الإسكندرية لا تتبع الوالي، بل تتبع السلطان العثماني نفسه.

وقد كشفت الوثائق أن الباب العالي قد أصدر هذه الأوامر بعد المفاوضات مع السفير البريطاني وبينه وبين روسيا، والتي تنبه إلى اتخاذ التدابير لحماية الممتلكات التركية؛ والغريب أن هذه التعليمات لم تصل إلى الوالي. وهي تعليمات مشكوك في صحتها في الأساس، كل ذلك ليبدو الباب العالي معارضا للحملة، ولكن سنرى التواطؤ السافر عندما أُمرت الحامية العثمانية والأسطول العثماني بالانسحاب ليسهلا للحملة الاستيلاء على الإسكندرية، حيث استولى الجيش البريطاني على السفن، حيث تركوا المدينة لتواجه الحملة دون دفاعات أو تسليح إلا بالقدر اليسير. وبعدها في رشيد أيضا. ولكن الغرور الذي اجتاح نفوس القادة البريطانيين والجهل بالقواعد العسكرية والجغرافيا، أوقع الحملة في فخ المقاومة في رشيد لتلحق بهم هزيمة قلبت كل الموازيين وانتهت بنتائج كارثية ليس على بريطانيا فقط بل على المماليك والباب العالي أيضا.

ومن الملاحظ أيضا التسرع في هذه الحملة في اختيار اللواء فريزر في بداية فبراير 1807 لقيادتها والتحضير لها في مدة وجيزة، وهذا جهل بالقواعد العسكرية التي تُلزم التجهيز والتدريب والاستعداد الكافي، كما جمعوا جيشا من المرتزقة والصقليين، ويمثل البريطانيون فيه نسبة ضئيلة. ومن المفارقات في التحضير لهذه الحملة توجيه فريزر في 27 فبراير، أي قبل بدئها بأيام قليلة، للحصول على مجندين جدد، وإعطاءه الحق في تجنيد رجال من أي أمة أو دولة، في مقابل مكافأة قيمتها خمسة جنيهات استرلينية. ومن المثير أن تقترح الحكومة البريطانية في فبراير 1807 وقبيل الشروع في الحملة تطبيق قانون جديد يسمح للكاثوليك بالوصول إلى جميع المراتب في القوات المسلحة من أجل تحفيز التجنيد في البلاد. وتكشف إحدى الوثائق التوجيه بنشر تقارير مزيفة تتضمن المبالغة في عدد القوات البريطانية، للتأثير المعنوي على القوات المدافعة عن الإسكندرية، كي ينهي لديها كل الآمال في المقاومة.

لعب المماليك دورا مهما في هذه الحملة فقد تواطأ زعيمهم محمد بك الألفي وإبراهيم بك وشاهين بك من أتباعه مع الجيش البريطاني، ما يؤكد الدور المتآمر لهم والخيانة بكل معانيها، حيث كان زعماؤهم على استعداد للتضحية بمصر وتسليمها للقوات البريطانية لقاء عودتهم للحكم، وتبين الرسائل تطور العلاقة بين زعماء المماليك الذين كانوا على استعداد للتعاون العسكري مع الجيش البريطاني، إلا أن وفاة محمد بيك الألفي وتفكك أحزاب المماليك، كان لها تأثير سيء على الحملة سيتضح فيما بعد، حيث تملص المماليك من وعودتهم واقتصر دورهم على المطالبة بتسليمهم الحكم دون مشاركة. وانتهى بهم الأمر إلى التراجع والتقهقر بعد الفشل الذريع الذي منيت به الحملة، والذي انتهى بهزيمة مذلة لقوات بريطانيا العظمى، فضلا عن رفض هذا التعاون من قبل المماليك واقتصار التواطؤ على زعماءهم، ومن ثم تراجع المماليك عن تأييد المحتل، وأبدوا الاستعداد للتعاون مع محمد علي، الذي كان يضمر لهم شرا مبينا انتهى بقتلهم في مذبحة دامية سجلها التاريخ.

ويظهر من الرسائل مقدار خنوع وعمالة زعماء المماليك للقوات البريطانية، مع التعلل بالخوف من أن يرتكب محمد علي جريمة في حق عائلاتهم، وأنهم اكتفوا بانتظار الجيش البريطاني حتى يصل إلى القاهرة ليسلمهم الحكم، وهو دليل على الضعف والهوان الذي وصلوا إليه، ويبالغ شاهين بك أحد زعماءهم بأسلوب ينم عن التدني في التملق والخنوع إلى فريزر، عندما يذكر "هل يمكن أن يعيش الرضيع أربعين يومًا من دون رعاية أمه؟ نعم، قد يعيش على مسافة بعيدة عن رعاية واهتمامات الأم ومستقلا عن ذلك؛ ولكننا يجب أن نكف عن الحياة، لأننا محرومون من الحماية والمساعدة من الإنجليز"، وتعبيرا عن فرحته بوصول الجيش الغازي يصف هذا الجيش: "جيش ملك بريطانيا العظمى نصيرنا  وصديقنا"، أما إبراهيم بك، شيخ البلد، فيتمادى في الخضوع عندما يصف قائد الجيش البريطاني في مصر، بلقب "واسع الأفق والمنتصر".

كما كان إسماعيل عبد اللطيف شيخ دسوق متعاونا مع الجيش البريطاني، ففي رسالته إلى العميد ستيوارت، في 7 صفر 1222 (16 أبريل 1807)، يؤكد ابتهاجه بقدوم القوات البريطانية، وقد ظل يدعو الله أن تقع رشيد في يد هذه القوات قريبًا، وقرر أن معه ألف رجل حاملين السلاح، لينضم إليهم، وأنه على استعداد لتنفيذ كل ما يطلب منه.

وكشفت الرسائل دور الوكلاء الفرنسيين في التنديد بالحملة البريطانية، وأن هدف الفرنسيين عن طريق تحالفهم مع الباب العالي هو تسهيل امتلاكهم لمصر، لذا سارع الجيش البريطاني لاحتلالها بقوة لمنع وقوعها في أيدي الفرنسيين.

كما كشف الصداقة والتحالف بين أحمد باشا الجزار والي عكا السابق مع بريطانيا، والذي كان قد أعد للسلطان تقريرا عن كيفية غزو مصر، وأن يكون هو قائد الحملة والحاكم المنتظر، وأنه كاد أن يعين واليا على مصر، حيث صدر فرمان من الأستانة لتعيينه واليا عليها، ولولا وفاته لتولى حكم مصر قبل محمد علي باشا، وتضمن الرد على الرسالة التأكيد بأنه مخلص للباب العالي، وأكد عدم التدخل ضد مصالح بريطانيا. وقد طال الأمر حاجي سليمان باشا والي عكا الذي خلف أحمد باشا الجزار، الذي أبدى تعاونا منقطع النظير خوفا على موقعه، والمصالح التجارية لولايته، ورهبة من القوات البريطانية في نفس الوقت.

عندما يُذكر في وثيقة تنظيم القوات التي انطلقت لغزو مصر تحت قيادة اللواء فريزر الذي اكتفى بقوات تبلغ ستة آلاف، منهم 364 امرأة و 323 طفلا، كانوا ضمن الحملة، فهذا يدل على أن قائد الحملة كان يفتقد الدراية بأن غزو مصر ليس بالأمر الهين، وأنه سمح بأن يصحب الضباط والجنود معهم النساء والأطفال، باعتبار أن المهمة لا تعدو أكثر من نزهة، وقد اطمأن لمعلومات القنصل البريطاني وتأكيدات زعماء المماليك بأن المصريين يرحبون بالحملة، وأن غزو مصر لن يكبد الحملة أية مشاق، وهذا ما سيظهر جليا عند المحاولة الفاشلة الأولى على رشيد.

والحقيقة أن القنصل البريطاني ميسيت كان له دور كبير في إفشال هذه الحملة لمعلوماته المضللة والغرور الذي انتاب تصرفاته وتوجيهاته، فقد أكد مرارا أنه بمجرد ظهور الأسطول، سيسعى لإقناع حاكم الإسكندرية بالاستسلام، وأنه استطاع استمالة الشيخ محمد المسيري، الذي أكد أن الإسكندريين سيستقبلون الجيش البريطاني بأذرع مفتوحة، وقد تأكد أن الإسكندرية لم تستسلم دون إطلاق رصاصة كما ذُكر، فطبقا لبيان الجيش البريطاني، بلغ عدد القتلى في هجوم 18 مارس 1807سبعة منهم ضابط وستة من جنود الصف، أما الجرحى فعددهم عشرة منهم ضابط ورقيب وثمانية من جنود الصف.

كما أن مدينة وقلاع الإسكندرية قد استسلمت للقوات البريطانية في 20 مارس، وبذلك تكون المدينة قد صمدت لمدة ثماني وأربعين ساعة، بعدها أجبر السكان الحامية على الاستسلام، بعد أن تحطمت روحهم بسبب القتال الطويل، وقيام الجيش البريطاني بنشر تقارير مزيفة تتضمن المبالغة في عدد القوات البريطانية، للتأثير المعنوي على القوات المدافعة، كي ينهي لديها كل الآمال في المقاومة. إلى جانب تخلي القوات التركية عن حصونها منذ البداية وهروب الجزء الأكبر منها، حيث تم الاستيلاء على السفن التركية في الميناء القديم أو الغربي، وتتضح الحقيقة في تأكيد اللورد كاستليريا، الذي يعترف بأنه طبقا لرسائل الجنرال فريزر أن القوات البريطانية قد استولت على الإسكندرية في 20 مارس، بخسارة هائلة، وأن مقاومة العدو كانت أكثر خطورة.

كما صمم على أن تتوجه الحملة إلى رشيد، ولو لم يكن قد أشار بذلك لظلت الحملة بالإسكندرية دون معارضة، وهو الذي أكد لفريزر أن حامية هذه البلدة ضعيفة والسكان مرحبون بالقوات الإنجليزية، لدرجة تمكنه من الاستيلاء على المدينة والحصون دون إطلاق رصاصة واحدة. وكان طلب ميسيت، وموافقة جون داكوورث قائد الأسطول على فصل جزء من القوات للاستيلاء على رشيد والرحمانية وبالا على الحملة، كما واصل الإلحاح باحتلال دمياط أيضا، ووصل الصلف أقصى درجاته حيث عُهد بتنفيذ هذه المهمة إلى اللواء ويكوب مع العميد ميد ولواءه الذي يصل إلى 1400 فرد، واعتقدوا أن الظروف مهيأة لذلك، وأن احتلال رشيد يعد مهمة هينة تتم في ساعات للاعتبارات التالية:

  1. أن المماليك لا يعنيهم سوى الاستحواذ على القاهرة وطرد الألبان خارج مصر، وشجعهم ميسيت على أمل أن يساعدهم البريطانيون في تنفيذها.
  2. وجه ميسيت رسائل تصالحية إلى الزعماء العرب (البدو)، المؤيدون للقوات البريطانية، وبشكل عام المماليك.
  3. ورود معلومات تفيد بأن محمد علي خرج منذ حوالي شهر باتجاه الصعيد، ولم ينصت إلى حث القنصل الفرنسي له على السير إلى الإسكندرية لمقاومة الإنجليز.
  4. الألبان الذين كان عددهم (12000)، كانوا في خدمة محمد علي، ولم يشاركوا في الدفاع عن الإسكندرية أو رشيد.

وفي رسالة الأميرال السير توماس لويس ضابط البحرية الملكية ذكر أن القوات دخلت إلى رشيد بشكل غير حكيم، وانزوى السكان في منازلهم، ما جعلهم آمنين من خطر رماة البنادق، وذبحوا الكثير من الجنود، فرغم أن القوات التي جاءت برا مرورا بإدكو أو بحرا من بوغاز رشيد مرورا بقلعة رشيد، استولت على مرتفعات أبو مندور جنوب المدينة دون أي خسارة. إلا أن الجنرال تم استدراجه بالهجوم على رشيد، بكل قوته، دون أي دراية مسبقة بها، وتم التصدي للقوات بشدة، من نوافذ وقمم المنازل، وانتهت المعركة بدحر القوات، والانسحاب إلى أبو قير والعودة إلى الإسكندرية، مع الاعتراف بالهزيمة الثقيلة وغير المتوقعة.

وقد اقترح ميسيت على اللواء فريزر أن يرسل على الفور مجموعة من القوات للاستيلاء على رشيد، مؤكداً له أن حامية تلك المدينة لا تتجاوز 250 رجلا، ولسوء التخطيط والجهل بطبيعة المدينة والقوات التي تصدت للحملة، فقد تم ذبح ما يزيد عن 400 جندي بريطاني دون أن يروا عدوًا، وأكد أن أثر فشل الحملة سوف يستمر في جميع العمليات المستقبلية للجيش البريطاني في مصر.

وقد كرر الجيش البريطاني ما سبق في الإسكندرية حيث تم إرسال استدعاء للحاكم المدني (علي بك السلانكلي) والحاكم العسكري وشروط الاستسلام وخطاب للسكان. إلا أن الأول طلب الانتظار حتى يتلقى التعليمات من القاهرة، وهي مناورة سياسية، حيث كانت الأمور قد حسمت لصالح التصدي للحملة.

ومن أغرب الرسائل، رسالة ميسيت إلى فريزر في 22 أبريل 1807، التي يذكر فيها أنه كان قد أوصى بالهجوم على رشيد واحتلال الرحمانية، ولكنه لم يقترح طريقة الهجوم؛ وذكر أن العالم سيدهش لسماع أن الجيش لا يستطيع أن يستولي على مدينة مثل رشيد، وحاول إبراء ذمته بذكر أنه كان قد أوصى بالهجوم على رشيد في العشرين من مارس، وأنه عندما طلب كانت الحامية تتألف من 250 رجلًا؛ وصلت لأكثر من 550 في التاسع والعشرين، ولم يكن لدى القوات سوى مؤن يومين. وقد أوصى بهجوم ثان على رشيد، على أمل أن يتم استرداد شرف القوات البريطانية ونفوذها، واتهم هيئة أركان الجيش بأنه لا توجد لدى فرد واحد على الأقل الدراية العسكرية أو السياسية في مصر.

ورد في استجواب المخبر اليوناني كونستانتين كاريري، الذي كان قد أُرسل من قبل بيتروتشي، إلى رشيد بصحبة الحملة، ما يؤكد الغرور والجهل الذي سيطر على القادة، حتى أن الضباط بعد وصول القوات إلى رشيد، تركوا واجباتهم وتوجهوا لتناول العشاء في منزل بيتروتشي القنصل البريطاني، والذي كان يقع على أطراف المدينة، بينما انشغل الجنود بالجلوس مسترخين بهدوء في مجموعات من ثمانية أو عشرة أشخاص، في المتاجر والمقاهي، ظانين أن المدينة قد دانت لهم. وفي الوقت نفسه، كانت الحامية والأهالي يستعدون للفتك بهم.

وكشفت شهادة فرانسيس إيكارد، المترجم الفوري للعقيد أوزوالد أحد قادة الحملة الثانية، أن علي بك السلانكلي، قائد رشيد، ذكر أنه عند الهجوم على رشيد لأول مرة، كان لديه كمية صغيرة جدًا من الذخيرة، وأن الألبان قد فروا منها، ولو لم يجلس الجنود الإنجليز لتناول الطعام والشراب بدلاً من متابعة مصلحتهم، لكانت بلا شك قد سقطت.

وقد ورد ضمن هذه الأقوال أن إطلاق النار من البطاريات الإنجليزية ألحق أضرارا قليلة جدا، لأن القذائف كانت صغيرة؛ وسقط الكثير منها في النيل. ورغم شهادته بأن الأضرار كانت قليلة إلا أنها كانت فادحة من الناحية المعنوية والمادية، فكان منها المساجد القريبة من الأسوار ومنها مسجد زغلول الذي لا زالت بقايا التدمير السافر لمئذنة مسجد زغلول شاهدا على هذه الجريمة، حيث قاموا بضرب المئذنة الغربية بالمدافع، ولم يتبق منها إلا القاعدة المربعة وجزء من الدور الثاني المثمن. إلى جانب مسجد العباسي الذي كان يجاور طابية العباسي، التي كانت تشرف على الأسوار الجنوبية المطلة على تلال أبو مندور، كما هدموا الأسوار بين بوابة الإسكندرية وطابية العباسي وكانت بينهما طابية النني، وقد تصدت الطابيتان والأسوار لهجوم العدو الذي لم يجد بدا من تدميرها بالمدافع، إلا أنه لم يتمكن من دخول المدينة. كما أعلن أن الجريمة التي ارتكبتها القوات البريطانية في البداية عندما تصدى لها بعض أبناء المدينة، فتم إحراق واحد منهم حيا من قبل هذه القوات.

لقد ذكرت الرسائل أن الهزيمة التي مني بها الجيش البريطاني قد كبدته من 1200 إلى 1400 رجل ما بين قتيل وجريح، مما جعل القوات في وضع يرثى له، حيث حل الضعف والإحباط على القوات المتبقية، التي لا تتجاوز ثلاثة آلاف رجل من بينهم ما لا يقل عن ثمانمائة إلى تسعمائة أجنبي. وبلغ عدد الأسرى من الجنود 466، أما الضباط الأسرى فعددهم 22، والضباط الغائبون الذين بقوا في معسكر قوات رشيد سبعة. كما كانت الهزيمة ترجع إلى عدة أسباب أهمها: إصرار حامية رشيد على القتال ودحر القوات الغازية، وقوة سلاح الفرسان الذي كبد العدو خسائر فادحة، ومع هطول الأمطار، اختلطت القوات البريطانية بشكل عشوائي، مع انعدام الخبرة العسكرية لدى قادة الحملة.

ولا أدل على انعدام الدراسة الكافية لمناخ مصر أن جاءت الحملة الأولى في مارس والحملة الثانية في أبريل، على عكس الحملة الفرنسية التي جاءت في يوليو 1798. وهذه الفترة هي فترة هبوب رياح الخماسين، التي تمتد من شهر فبراير إلى يونيو، وكانت هذه الرياح سببا في انتشار مرض التهاب العيون، والرمد الربيعي انتشارا كبيرا بين القوات البريطانية، حيث أصابها جميعا تقريبًا، مما كان سببا في انتشار الفوضى بينهم إلى درجة تنذر بالخطر بحسب اعتراف قائد الحملة.

وشهدت الحملة على رشيد ظاهرة تؤكد المهانة والذل الذي صار عليه بعض الضباط والجنود بعد الهزيمة، فقد ذكر فريزر في تقرير عن الأسرى الذين تم إرسالهم إلى القاهرة، أن العديد من الضباط والجنود اقتادهم أفراد عاديون من رشيد، وقاموا باستخدامهم كعبيد، ووفقًا للتقاليد، فإنهم يعتبرون ملكية خاصة ولا يندرجون تحت وصف أسرى الحرب، وطلب من الحكومة البريطانية أن تقوم بدفع فدية لإطلاق سراحهم. وذكر مثالا بجندي تم بيعه كعبد في رشيد، وتم تحريره عندما اشتراه اللفتنانت كولونيل بارون سونينبرج مقابل 4000 قرش تركي. وفي تقرير عن الشروع في عودة القوات التي انطلقت تحت قيادة اللواء شيربروك، من ميسينا، في 17 مايو 1807، ذكر أن مجموع هذه القوات بلغ 2100 يضاف إليهم 145 امرأة و 133 طفلا كانوا مدرجين ضمن هذه الأرقام.

ورغم الصراع الدائر بين القنصلين الفرنسي دروفيتي والبريطاني ميسيت، إلا أن القنصل الفرنسي تدخل بقوة لدى محمد علي لإطلاق سراج الأسرى من الجيش البريطاني، فقد أرسل فريزر للقنصل دروفيتي، رسالة قدم له الشكر فيها ليس من الجيش البريطاني فحسب، بل من الأمة البريطانية، وأخبره أنه سيرسل إلى الحكومة شهادته عن السلوك الكريم والمشرف الذي أبداه، أيا كان النفقات في مقابل ذلك، وسوف يتم سدادها بأحسن الطرق التي قد يرغب فيها. وفي رسالة أخرى، نوه إلى أن الملازم ماثيسون، الذي كان قد تم تقديم طلب للحصول على فدية له، وكان عبدا يقدم الامتنان السيد دروفيتي القنصل الفرنسي، بسبب مساعيه في إطلاق سراحه.

وتأكدت أهداف الحملة في أوامر الملك البريطاني جورج الثالث في رسالة اللورد كاستليريا وزير الخارجية للحرب والمستعمرات البريطاني إلى الجنرال فوكس بأن احتلال الإسكندرية لا يمكن فصله عن احتلال رشيد والرحمانية وربما دمياط، وأنه حتى مع امتلاك هذه الأماكن، لا يوجِد سببا يدعو إلى افتراض أن الإسكندرية يمكن أن تكون آمنة في حالة الحرب مع الباب العالي، بمعزل عن الاحتلال العسكري الأوسع لمصر، وأن التعزيزات التي أرسلت هي فقط وسيلة للاحتفاظ بالإسكندرية؛ ولكن، لكي يحتل الجيش جميع المواقع الضرورية، فإن قوة لا تقل عن 15000 رجل بما في ذلك 1000 من سلاح الفرسان، تحت إمرته.

لقد تأكدت الأهداف الاستعمارية للجيش البريطاني منذ اليوم الأول لاحتلال الإسكندرية، حيث برزت عقيدة النهب والسلب لدى قادة الحملة، ما يذكرنا بما قام به العثمانيون عندما احتلوا مصر من نهب لخيراتها ونقلها إلى استانبول، وذلك بأمر الغازي سليم الأول، حيث ارتكب قادة الحملة جريمة مماثلة، فقد أشار ميسيت أنه في الثاني والعشرين، كان هناك كمية كبيرة من الأرز، وكان الجزء الأكبر منها قد تم تحميله على متن السفن التي ستبحر إلى بريطانيا بعد دخول الجيش إلى الإسكندرية، إلا أن فشل الهجوم الأول على رشيد، قد اضطرهم إلى إعادته، ما يؤكد أن النية كانت مبيتة للنهب، والتي بدأت بالغذاء.

وأسهبت الرسائل في وصف حالة الذعر الذي سادت بين سكان الإسكندرية بعد الشائعات بأن القوات الإنجليزية بصدد الجلاء عن مصر، حيث كانوا يشعرون بالقلق في حالة وجود سلام بين إنجلترا والباب العالي. ومن الغريب أن يتم تصوير جلاء الجيش البريطاني عن الإسكندرية وترك السكان لمصيرهم أنه هو أكثر الأعمال المشينة التي تسيء إلى الأمة البريطانية، وسيلحق الخزي باسم بريطانيا. وكأنهم لا يعلمون أن احتلال المدينة وتنفيذ حملتين على رشيد، وما حدث من قتل ونهب ليس من الأعمال المشينة، وأن ما جرى قد ألحق - بالفعل - الخزي للجيش البريطاني.

وأكدت الرسائل في أكثر من موضع أن هناك سببان فقط لا ثالث لهما في بقاء القوات الغازية بالإسكندرية، أولها التحضير لحملة ثالثة على رشيد، والثانية تحرير الأسرى من الضباط والجنود. وقد وضعوا هذا الشرط في مقابل إخلاء مدينة وموانئ الإسكندرية، بما في ذلك أولئك الذين قد يكونون عبيداً للأفراد. والعفو العام عن سكان الإسكندرية. وورد في الرسائل أن عددا كبيرا من الضباط والجنود يبلغ عددهم أربعين، قد وقعوا تحت طائلة الأهالي الذين استخدموهم كعبيد، وقد اعتنق بعضهم العقيدة الإسلامية، فيما بلغ عدد الأسرى 466، وهذا ما أرغم القوات البريطانية على التخلي عن فكرة الحملة الثالثة على رشيد والتي كان يتبناها القادة السياسيون والعسكريون، وأرغم الجميع على اتخاذ قرار الانسحاب من مصر.

كما أن ميسيت حتى بعد الهزيمة الثانية ظل على قناعة بأن احتلال رشيد يجب أن يتم، ففي رسالته إلى اللورد كاستليريا، بشأن الإعداد للحملة الثالثة، أخبره بأنه استطاع فصل بعض قبائل العرب عن خدمة الوالي، وخلق خلافات بينهم لا يمكن التغلب عليها تمامًا لقطع اتصالهم به، وتمكن البدو من السيطرة على الضفة اليسرى من الفرع الغربي من النيل ولا يجرؤ أي جندي تركي على التواجد بها. وسوف تستأنف القوات الأعمال القتالية بمجرد تلقي تعزيزات كافية، وأن هذه الولاية ستقع في أيديهم عاجلاً أم آجلاً. وأنه ينتظر الهجوم الثالث على رشيد، والذي يتحقق بمحاصرة المدينة بالقوات ووضع البطاريات حولها، وذلك حتى لا يتم استخدامها في اعتراض الإمدادات إلى الإسكندرية.

وعلى الجانب الآخر، كشفت رسالة اللواء فريزر للجنرال مور، عن حديث بين محمد علي واللواء شيربروك والنقيب فيلوز، عن أن محمد علي أبدى رغبته في أن يوضع تحت الحماية البريطانية، وأن يشارك في منع الفرنسيين أو الأتراك أو أي جيش آخر من دخول الإسكندرية عن طريق البر، في مقابل حماية الأسطول البريطاني للسواحل المصرية، ووعد بأن يكون صديقا وحليفا لبريطانيا، وأن يقوم بتزويد جميع السفن البريطانية بالمياه، والإفراج عن الأسرى عند إخلاء القوات البريطانية للإسكندرية، وعند مغادرة القوات البريطانية، يتم تسليم المدينة إلى الكتخدا (الكيخيا)، على أن تحل قوات محمد علي محل القوات البريطانية، لتنتقل السلطة إليه بعد أن كانت للسلطان العثماني.

كشف هذا الكتاب المغالطات التاريخية التي ظلت عالقة منذ 1807، والتي رسختها المفاهيم الخاطئة لأحداث الحملة، والاعتماد على مصدر واحد رغم ما به من روايات غير موثقة استندت على السرد بلا دليل، وأثبت أن شعب رشيد، هو من حسم استراتيجية الصراع في هذه الفترة، وكشف تقاعس محمد علي وخيانة زعماء المماليك وتواطؤ الأتراك والألبان.

فأما عن تقاعس محمد علي، فقد تباطأ عن التصدي للحملة منذ البداية باعتبار أنها ستحتل الاسكندرية فقط، وهي بالطبع ليست تابعة له، وانشغل بمحاربة المماليك، ولم ينصت إلى حث القنصل الفرنسي له على السير إلى الإسكندرية لمقاومة الإنجليز، وتقاعس عن إرسال قوات للدفاع عن الإسكندرية أو رشيد.

وقد كان محمد علي في موقف لا يحسد عليه، فلم يستطع مغادرة القاهرة خوفا من المماليك الذين قد ينقضون على الحكم في غيابه، والفوضى التي يمكن أن تثيرها الحاميات العثمانية وقد يشكلوا جبهة مع المماليك ضده، لهذا آثر أن يدير المعركة من القاهرة، وأوهم الشعب أنه يجهز القاهرة للدفاع فيما أرسل بعض قواته إلى رشيد لقتال الإنجليز مع ضمان المحافظة على أمن وسلامة القاهرة، حتى لا تسقط العاصمة في يد القوى المناوئة له. ولم يتحرك من القاهرة إلا بعد انتهاء الحملة ووصول الأنباء بتعذر اقتحام رشيد، وقد أرسل بعض قواته، عملا بمبدأ أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا، ولجني ثمار الانتصار الذي حسمه أبناء رشيد، ليظهر أنه هو من حقق النصر، وكان هدفه ترسيخ سلطته فقط، واستثمار الوضع لبسط سلطانه على رشيد والإسكندرية، والتوقيع على المعاهدة التي نصت على الانسحاب، والتي عرضها الانجليز بعد هزيمتهم.

وفي شهادة السيد جوزيف عزيز، المترجم الأول للبعثة البريطانية في مصر، ووكيل الميجور ميسيت في القاهرة، أكد خيانة الأتراك والألبان حيث أن 1500 جندي منهم استسلموا عندما وصل الإنجليز إلى الإسكندرية، واختبأوا في منازل بعيدة في المدينة، حتى لا يقعوا في مواجهة مع القوات الإنجليزية. وكشف الرائد ميسيت أنه منذ العاشر من شهر أبريل، قيل أن محمد علي، شخصيا، كان يسير نحو إغاثة رشيد مع (2000) سلاح الفرسان و (1000) من المشاة ؛ وكتب في التاسع عشر: "كل ما سمعناه خلال هذه الأيام القليلة الماضية، فيما يتعلق بمحمد علي، تبين أنه خاطئ". وهو في ذلك ينتهج نهج الجيش البريطاني عندا أشاع الأكاذيب عن عدد قواته عند بدء الحملة، لبث الرعب لدى المواطنين، وكانت الحقيقة ورود معلومات تفيد بأن محمد علي خرج منذ حوالي شهر باتجاه الصعيد، كما أن جنوده من الألبان كانوا في خدمته في ذلك الوقت، ولم يشاركوا في الدفاع عن الإسكندرية أو رشيد، وقد أكدت الرسائل أن القوات البريطانية قد استسلمت في صباح يوم 21 أبريل التي كانت قد وصلت مساء اليوم السابق، وكانت المعركة قد حسمت في ذلك الوقت.

لذا يُفهم أن محمد علي قد انتهز فرصة انتصار أهل رشيد لينسب لنفسه هذا الانتصار، فأرسل قواته التي وصلت مع استسلام القوات البريطانية، وليتمكن من تحقيق هدفه الأول في الاستحواذ على رشيد والإسكندرية. لذلك فإن المنتصر في هذه المعركة هم أهل رشيد دون غيرهم ومَن تطوع لمساندتهم من المصريين.

ولأن أهداف محمد علي كانت واضحة للعيان، فقد كان عمر مكرم، نقيب الأشراف الذي يُكنُّ له أغلب المصريين مشاعر الإحترام والإجلال، لدوره الوطني، يُحذر حاكم رشيد من أن القوات الإنجليزية التي استولت على مدينة الإسكندرية، متوجهة لا ريب إلى رشيد للاستيلاء عليها بهدف الزحف منها إلى القاهرة. وأوصى في رسالته إلى حاكم  رشيد بضرورة تحصين المدينة والاستعداد لملاقاة الغزاة تماما، كما فعل أهل القاهرة الذين عطلوا الدراسة في الجامع الأزهر، وبدأوا بحفر الخنادق وإقامة المتاريس.

كانت الرسالة أيضا تحمل تلميحاً للسلانكلي ألا يراهن على جند محمد علي، حيث أنه كان منهمكا في قتال المماليك في الصعيد، والأخطر من هذا، هو ألا يراهن على الضباط والجنود العثمانيين الموجودين بالقاهرة، فقد لاذوا بالفرار بمجرد سماعهم بأنباء وصول الحملة الإنجليزية إلى الاسكندرية، فهرب أغلبهم إلى الشام عن طريق البحر، وبدا تحذير مكرم للسلانكي واضحاً من سطور رسالته: لن يدافع عن رشيد سوى أهلها. فقد سارع الأتراك والألبان بالفرار هربا من القوات البريطانية التي اجتاحت المدينة، وتركوا أهلها يصارعون العدو، لذلك فإن مقولة أن علي بك السلانكلي أمر بإبعاد المراكب إلى الضفة الشرقية حتى لا يهرب سكان المدينة، هي مقولة خاطئة تماما، حيث لم يكن الإبعاد لمنع الأهالي، ولكن حتى لا يتمكن جنود الحامية العثمانية والألبان من الفرار. وقد وصل بهم الذعر إلى استطاعوا الفرار بإلقاء أنفسهم في النيل بما فيهم قائد القوات الألبانية، وعبر عدد كبير منهم نهر النيل في قوارب، وعلى ألواح من الخشب. 

أدرك السلانكلي مدى ضيق الوقت أمامه، فعقد اجتماعاً عاجلاً جمع فيه أعيان ووجهاء رشيد وعلى رأسهم نقيب أشرافها حسن كريت، وجاء قراره موافقاً لرأي الجميع: لا بد من الدفاع عن المدينة بما يتوافر فيها من إمكانيات. واعتمد السلانكلي وكريت على حامية المدينة التي بلغت نحو 550 جندياً، إضافة إلى كل من يستطيع حمل السلاح من الرجال، ووضع السلانكلي خطة دفاعية تقضي بأن تتراجع الحامية وتعتصم مع الأهالي داخل المدينة، وألا يبدأ الاشتباك مع الجنود الإنجليز إلا عند التأكد من توغلهم داخل المدينة. ومن ثم تحرك أهالي رشيد بقيادة حاكم المدينة علي بك السلانكلي والشيخ حسن كريت بدافع وطني للدفاع عن مدينتهم دون إذن من أحد لا محمد علي ولا الأتراك.

وكان موقف محمد علي من علي بك السلانكلي واضحا حيث كان مقررا قتله مع المماليك في المذبحة المشهورة بمذبحة القلعة ولكنه لم يحضر الاحتفال. كما اتهم أمين أغا بالخيانة، وبالتالي اتهام أهالي الإسكندرية بعدم الدفاع عن مدينتهم، رغم الدور الذي قام به مع أهالي الإسكندرية في الدفاع عنها بما أوتوا من قوة، وقد كان اتهامه للقائد العثماني بالخيانة وللأهالي بالتخلي عن مدينتهم، لفرض سلطته على الثغور بعد انسحاب الحملة واستغل قادة الشعب لتنفيذ مخططه.

أما خيانة زعماء المماليك، فقد كانوا على استعداد للتعاون مع أي جهة في مقابل عودتهم للحكم، فكان التعاون مع الفرنسيين من جانب عثمان البرديسي وفريقه، والتعاون مع الإنجليز من جانب محمد بك الألفي وفريقه، ولم يقم المماليك بالمشاركة في الدفاع عن الاسكندرية أو رشيد، وقد تراجعوا بعد موت الألفي، ولم يكن لهم أي دور إلا الانتظار لجني الثمار بعد سقوط البلاد في قبضة الإنجليز. وخابت آمالهم بعد أن حققت رشيد الانتصار على الجيش البريطاني،

وأكدت شهادة النقيب فينتشنزو تابيرنا، الأمين العام للحملة البريطانية في مصر، أن عدد القوات التي تصدت للحملة الأولى كانت تتكون من أكثر من 450 رجلًا، فيما كان عدد القوات التي تعرضت للهجوم على الحماد 2000، وشهدت الحملة خيانة الأتراك والألبان حيث تأكد فرار الحامية التركية والألبان من المدينة، وكانت القوات المدافعة عن المدينة كانت أكثر من 1200 رجل يحملون السلاح، وتم إلحاق حوالي 200 خلال الحصار.

أما عن تواطؤ الأتراك، فقد عقدوا معاهدة مع انجلترا لوضع قوات إنجليزية في الإسكندرية، ولم تتدخل القوات التركية التي كانت ترابط في الإسكندرية أو رشيد، كما استسلمت الحامية والسفن الحربية التركية المكلفة بالدفاع البحري عن المدينة دون أن تشتبك مع الأسطول البريطاني، ولم تتدخل القوات العسكرية التركية للدفاع عن الإسكندرية أو رشيد، ولم يقدم الأتراك أية مساعدة لرشيد أثناء الحملتين، وقد أدى تواطؤ الأتراك إلى الالتفاف الشعبي حول محمد علي الذي رسخ سلطته على الثغور جميعا بعد ذلك.

وقد برز العديد من العملاء أثناء الحملة الذين لعبو أدوارا قذرة، فبجانب زعماء المماليك، والحاميتين العثمانية والألبان الذين انسحبوا انسحابا مخزيا بالإسكندرية، برز اسم قاسم الغرياني، الشوربجي، قاضي قضاة الإسكندرية، الذي قدم خدمات للقوات البريطانية، فرغم الهزيمة استمر ميسيت ومعه كبير القضاة، في الدعوة إلى إرسال حملة أخرى لاحتلال رشيد تحت ذريعة أن ذلك باسم جموع الشعب، وأكدت الرسائل الدور التآمري لقاسم الغرياني الذي حاول ميسيت أن ينصفه ويعدد مزاياه على مجهوداته المتواصلة خلال فترة وجود القوات البريطانية، فبفضل هذا الرجل أصبح الجيش مدينا بوفرة المؤن، والذي تعاون مع الجيش البريطاني لدرجة أنه استفاد من جلالة الملك، تحت اسم الإرضاء، بمعاش تقاعدي بقيمة عشرة شلن يوميا، كمكافأة على الخدمات التي قدمها خلال الحملة على مصر. وكان شلن الملك يمنح لمن وافق على العمل كبحار أو جندي في البحرية الملكية أو الجيش البريطاني. لذلك فقد تم اعتبار قاضي قضاة الإسكندرية من المجندين ذوي الرتبة العسكرية، وهذا المعاش التقاعدي كان يساوي نصف جنيه استرليني. وقد وعده الجنرال جون مور القائد العام للبحر المتوسط، بأنه سيضاعف راتبه من 25 سبتمبر 1807، كما أن 20 شلنا في اليوم لن تكون كافية، وطالب أن تقوم الحكومة بمنحه تعويضًا مناسبًا عن الخسائر التي سببها تفانيه في المصلحة البريطانية.

لقد حسمت رشيد الصراع العالمي في ذلك الوقت، خاصة في أوروبا، فعندما اشتعلت الثورة الفرنسية عام 1789 - التى فجرت بدورها ما يُعرف تاريخياً بحروب الثورة الفرنسية، وكان مسرح عمليات تلك الحرب الدموية أوروبا بأكملها وامتدت إلى الشرق الأوسط في نزاع استعماري، كما تصادمت الأرمادا البحرية للدول المتحاربة في المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي والمحيط الهندي - كانت الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) جزءً من هذا الصراع، والتي كانت الحجر الذى حرك المياه الراكدة، وكانت السبب الأول في توجيه أنظار بريطانيا الاستعمارية إلى مصر، وانتباهها إلى خطورة أن تكون مصر في يد قوة استعمارية غير بريطانيا، كما أعادت الاهتمام التركي بمصر التي أحجم الأتراك عن الاهتمام بها، اللهم إلا في جباية خراجها لصالح الخزينة التركية.

أما الصراع الفرنسي البريطاني، فكان الطموح الإمبراطوري لنابليون بونابرت لا حدود له، مما عجل في إدخال أوروبا كلها فيما يُعرف تاريخياً بالحروب النابليونية ( 1803-1815)، وكجزء من تلك الحروب، جاءت الحملة الإنجليزية أو ما تعرف خطأ بحملة فريزر على مصر، وأرادت بريطانيا طعن خصومها الفرنسيين في مقتل وكسر ظهرهم في البحر المتوسط، عن طريق تأمين قاعدة عمليات ساحلية استراتيجية لها في جبهة البحر المتوسط ضد الفرنسيين.

لذلك لا يمكن قبول أن تسمى هذه الحملة الاستعارية باسم «حملة فريزر»، بل هي حملة بريطانيا العظمى، وأن إطلاق اسم حملة فريزر على هذه الحملة، وهو ما سار عليه المؤرخون، يقلل من شأن انتصار المصريين عليها، إذ كانت الحملة بقرار من الملك جورج الثالث ومجلس الوزراء ومجلس العموم البريطاني وبتوجيهات من السياسيين والعسكريين البريطانيين في نفس الوقت، وأدارها أبرز السياسيين والعسكريين في ذلك الوقت، أما السياسيون وهم أيضا من خلفيات عسكرية فهم: ويليام ويندهام رئيس الوزراء البريطاني واللورد هويك زعيم مجلس العموم والرائد إدوارد ميسيت ضابط المخابرات الذي أصبح قنصلا عاما لبريطانيا في مصر.

أما القادة العسكريون فهم قادة الجيش والأسطول والأميرالية البريطانية ومنهم: ويليام مارسدن اسحق السكرتير الأول للأميرالية، والجنرال هنري إدوارد فوكس القائد الأعلى لقوات البحر المتوسط، واللورد كولينجوود القائد الأعلى لأسطول البحر المتوسط، ونائب الأدميرال جون داكويرث الذي شغل المركز الثاني في أسطول البحر الأبيض المتوسط.

يضاف إليهم الجنرال البائس فريزر قائد الحملة الذي تم اختياره من قبل السياسيين على عجل، في بداية فبراير 1807 لقيادتها والتحضير لها في مدة قصيرة، دون التحضير الجيد والدراسة المتأنية. لذلك فشلت محاولته بعد تعرض قواته لخسائر كبيرة في رشيد في 29 مارس و 21 أبريل. وقد رفض الشروع في التحضير للحملة الثالثة لقناعته بأن الجيش البريطاني لا يستطيع ذلك، مما أجبره على الاتفاق على مغادرة القوات البريطانية، وتم ذلك في 19 سبتمبر 1807.

وقد أنهت هزيمة الجيش البريطاني في رشيد الحياة السياسية لكل من الملك جورج الثالث الذي لم يتخذ أي قرارات سياسية بعد الحملة وأصيب بالجنون، ووزارة ويليام ويندهام، وتم حل مجلس العموم البريطاني الذي يرأسه اللورد هويك  في 31 مارس 1807. وتقاعد كلا من ويليام مارسدن اسحق السكرتير الأول للأميرالية والجنرال هنري إدوارد فوكس القائد الأعلى لقوات البحر المتوسط البريطانية، كما تسببت في الانقلاب على السلطان العثماني سليم الثالث الذي بارك هذه الحملة، وتم عزله في التاسع والعشرين من مايو 1807، واستبداله بابن عمه مصطفى الرابع (1807-1808)، الذي قام بسجن سلفه ثم قتله في الثامن والعشرين من يوليو عام 1808، ومن ثم كانت معركة رشيد المسمار الأخير في نعش هذا السلطان، حيث فتحت الطريق أمام الدول الكبرى للترتيب للقضاء على الدولة العثمانية.

كل هذه الأسباب تجعل من الحملة على مصر حملة لدولة وليست حملة لفرد، واستنادا على ما ذكره المؤرخون أن الحملة كانت في وفاق واتفاق مع المماليك وزعيمهم محمد بك الألفي، والذى كانت مهمته تسهيل دخول الإنجليز لمصر مقابل أن تؤول السلطة للمماليك بعد ذلك، الأمر الذى دفع مؤرخاً كبيراً مثل الجبرتي للقول أن الحملة ما هي إلا دعماً عسكرياً بريطانيا للمماليك وليس لها هدف عسكري استعماري آخر، وهو ما يختلف معه المؤلف اختلافاً جوهريا، استنادا على حجم القوات ونوعية التسليح وتوقيتها تزامنا مع ذروة الحروب النابليونية، والصراع الدولي المحتدم بين بريطانيا وفرنسا.

وكانت معاهدة التحالف الإنجليزي التركي في 5 يناير 1799، بداية للتعاون العسكري ضد التمدد الفرنسي في بحر إيجة وشرق المتوسط والحملة الفرنسية على مصر والشام، وكان أهم شرط في المعاهدة منع التوسع الفرنسي في البلقان والتصدي للحملة الفرنسية على مصر والشام، وأعطت بريطانيا العظمى ضمان وحدة أراضي الدولة العثمانية لثماني سنوات، وبالتالي كانت ملتزمة بإعادة غزو مصر، لتخليصها من الفرنسيين، وإعادتها إلى الإمبراطورية العثمانية إسميا.

ونختم هذه المقدمة بوثيقة تؤكد التواطؤ العثماني الكامل والموافقة الصريحة على قيام هذه الحملة، التي اقنعنا المؤرخون طويلا بأنها قد وقعت نتيجة الصراع بين بريطانيا والدولة العثمانية، حيث تأكدت ملامح الخيانة والتواطؤ من زعماء المماليك ومحمد علي الذين كانوا على استعداد لاحتلال بريطانيا لمصر مقابل بقاءهم في الحكم،

هذه الوثيقة هي رسالة اللورد هاوكيسبوري، وزير الشؤون الخارجية في حكومة هنري أدينجتون في 19 مايو 1801 والموجهة إلى اللورد إلجين، السفير الانجليزي في القسطنطينية عند توجيهه لمفاوضات مع الأتراك: سوف تعلن بوضوح وبشكل واضح للوزراء الأتراك أنه في حالة طرد الفرنسيين من مصر، فإن العزم الثابت الذي لا رجعة فيه لصاحب الجلالة على إعادة الولاية (مصر) بأكملها للباب العالي، حتى يتحقق السلام العام أو لفترة زمنية قصيرة يتم الاتفاق عليها في وقت لاحق، وستتمركز الحامية الإنجليزية في بعض أجزاء من الساحل، بهدف التشاور حول الوسائل الضرورية لحماية مصر من أي مشروع غزو في المستقبل يمكن للحكومة الفرنسية الاحتفاظ به.

واقترح على الأتراك إرسال قوة مسلحة إنجليزية لحماية مصر، هذه القوة ستقدم مساعدتها فقط بشرط أن يمنح الأتراك في المقابل بعض الامتيازات التجارية لإنجلترا، وهذه الخطة أقرتها الحكومة البريطانية وأرسلتها إلى اللورد إلجين في نهاية يوليو 1801، وهي خطة تنظيم كاملة تشمل النقاط الرئيسية:

  1. تحديد الحقوق والامتيازات والسلطة الإقليمية للمماليك، وكذلك طبيعة ومدى الخدمة العسكرية التي ينبغي أن يقدموها بما لا يتعارض مع المزايا الممنوحة لهم.
  2. دفع جزء من الإيرادات العامة إلى المؤسسة العسكرية النظامية التي سيتم تشكيلها، تحت إشراف وسيطرة الضباط الإنجليز، مع الجنود الأتراك الموجودين في مصر.

وقد تأجل تنفيذ هذه الخطة لما بعد انتهاء المعاهدة الموقعة في 5 يناير 1799 بين بريطانيا والدولة العثمانية التي كانت بداية للتعاون العسكري بين الدولتين، وبعد انتهاء مدة الثماني سنوات التي أعطت فيها بريطانيا ضمانا لوحدة أراضي الدولة العثمانية، وبالتالي كانت ملتزمة بإعادة غزو مصر وإعادتها إلى الإمبراطورية العثمانية إسميا، ومن ثم وقعت الحملة في مارس 1807. ومن خلال تبني مثل هذه الخطة، أكدت بريطانيا من أن قوات البلاد، التي يشرف عليها ضباط إنجليز، ستصبح قادرة على الدفاع عن مصر، بدون مساعدة أجنبية، ضد محاولة فرنسا، ولذلك تضمنت الرسائل أن يمتد الغزو بعد الإسكندرية إلى رشيد والرحمانية وبعدها دمياط وبقية الثغور، ومن ثم جميع الأراضي المصرية.

يبدأ الكتاب بتمهيد عن: الأهمية العسكرية والاستراتيجية لمدينة رشيد، أما الفصل الأول: فيتناول المسرح السياسي والعسكري قبل الحملة البريطانية 1807، ويشمل: الاحتلال العثماني لمصر عام 1517، من حيث: الأوضاع الداخلية منذ الاحتلال العثماني، والجاليات الأجنبية في رشيد ودورها الاقتصادي والسياسي، وتحصينات مدينتي الإسكندرية ورشيد وقلاعهما قبل الحملة، كما يتناول الحملة الفرنسية (1798-1801)، من حيث الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798، والتوجهات الاستعمارية الغربية، والمسرح السياسي بعد انسحاب الحملة الفرنسية من مصر.

ويتناول الفصل الثاني الحملة الإنجليزية على مصر 1807 في ضوء الوثائق، وتشمل الدراسة: المراحل التي مرت بها الحملة، من الناحية التاريخية والرسائل والتقارير الخاصة بهذه المرحلة، إلى جانب الدراسة التحليلية للنصوص الواردة بهذه الرسائل والتقارير، وينتهي بخلاصة لهذه الدراسة. وتشمل هذه المراحل: التمهيد للحملة على مصر (21 نوفمبر 1806- 28 فبراير 1807). والرسائل بين المماليك وقادة الحملة (2 فبراير 1807 - 14 يوليو 1807)، ووصول الحملة واحتلال الإسكندرية، والحملة الأولى على رشيد (مارس 1807)، والحملة الثانية على رشيد (أبريل 1807)، ومرحلة ما بعد الهزيمة في رشيد (أبريل - سبتمبر 1807)، وأصداء الهزيمة وانسحاب الحملة من مصر  (سبتمبر 1807)

أما الفصل الثالث فيتناول المسرح السياسي والصراع الدولي بعد الحملة الإنجليزية، وتشمل الدراسة: استقرار الحكم لمحمد علي، فيما يتعلق برسوخ الولاية في مصر، واستقرار الحكم (1807-1812)، والتخلص من الزعامة الشعبية وإخماد نفوذ المشايخ، وموقف محمد علي ازاء المماليك، وتأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة، وإقامة القلاع والاستحكامات. كما يتناول الوضع الداخلي في الباب العالي وبريطانيا بعد الهزيمة في رشيد، فيما يتعلق بالانقلابات في القصر العثماني، والوضع الداخلي في بريطانيا العظمى، وصراعات القوى العظمى فيما بعد الحملة، التي تشمل: الحرب العثمانية الانجليزية، والحرب الإنجليزية الروسية، والحرب العثمانية الروسية، إلى جانب الصراع الدولي في ضوء تقارير الدبلوماسيين الفرنسيين. وتناول هذا الصراع من خلال دراسة ملامحه السياسية والعسكرية، خاصة وأن هزيمة الجيش البريطاني قد أربكت الموقف السياسي العالمي، وأحدثت تأثيرات طالت المجتمع والحكومة ومجلس العموم البريطاني، فضلا عما لحق بالملك جورج الثالث من مآس، وأججت الصراعات السياسية والعسكرية بين الدول الكبرى، ويكفي أنها تسببت في الانقلاب على السلطان العثماني سليم الثالث الذي بارك هذه الحملة وعزله ثم قتله، وفتحت الطريق أمام الدول الكبرى للترتيب للقضاء على الدولة العثمانية.

ومن غير المقبول أن تقتصر الدراسة على الحملة بشكل مباشر، بل كان الأمر يستلزم دراسة ملامح الصراع السياسي والعسكري، والذي ظهرت بداياته الاستعمارية عندما غزا العثمانيون مصر والأطماع الأوربية للسيطرة عليها عندما انشغل العثمانيون بالجوانب الاقتصادية وأهملوا الجيش والاستحكامات إلا ما يخدم المصالح التركية في المقام الأول.

وفي هذه الدراسة التي تناولت الصراع خلال ثلاثة قرون برزت أهمية مصر، ومن ثم كانت مطمعا للعثمانيين، واستمرت الأطماع الاستعمارية الأوربية المتمثلة في الحملتين الفرنسية والبريطانية، وقد باءت جميعها بالفشل الذريع، لذلك لا يمكن التقليل من قيمة انتصار شعب رشيد الذي لا يمثل انتصارا لشعب واجه قوة غاشمة ولقنها درسا لا ينسى، وكفى، بل لعب دورا في حسم الصراعات السياسية بين القوى العظمى، وكان أول مسمار في نعش الامبراطورية العثمانية. ويكفي أنه - كما ذكرنا سابقا - أطاح بالسلطان العثماني والملك البريطاني والوزارة البريطانية ومجلس العموم وأغلب القادة السياسيين والعسكريين الذين كان لهم دور في هذه الحملة، كما قضى على حلم المماليك بالعودة للحكم.

وبناء على ما سبق، فإن هذا الكتاب يعد إضافة للمكتبة العربية، حيث يفند الأحداث التاريخية للحملة البريطانية من وجهتي النظر العربية والبريطانية على حد سواء، ورغم أن وجهة النظر العربية يشوب أحداثها بعض الغموص أو انعدام الحقيقة، فإن وجهة النظر البريطانية تحمل حقيقة مثبتة بوثائق تاريخية لا تقبل النقاش، فهي رسائل وتقارير بلسان العدو الذي لم يجد مناصا من الاعتراف بفشله الذريع وهزيمته التي مرغت شرف الإمبراطورية البريطانية باعتراف القادة أنفسهم، وأثبتت فشل التخطيط وانعدام الخبرة والغرور.

لذلك، لم يكن تأويل هذه الأحداث خاضعا لميول وطبيعة وعقل المؤلف وشخصيته وانحيازه لأحد الأطراف على حساب أطراف أخرى، وبالتالي، لم تكن الكتابة من وجهة نظر شخصية، بل كما حصلت فعلا، ونستطيع أن نؤكد أن الخلط الذي حدث في سرد أحداث الحملة التي انتهت بفوز محمد علي وإحكام سيطرته على جميع أرجاء البلاد، يعود إلى أن المنتصر هو من يكتب التاريخ، وهذه المقولة إلى حد ما حقيقية بل أقرب إلى الصدق، فهو الذي دون في كتب التاريخ ما أراد من أحداث تنسب النصر له ولجنوده من الألبان، في حين أغفل عمداً معلومات أخرى ذات أهمية وقيمة في اكتمال الصورة بشأن الحدث، وترتيبا على ذلك، فالتاريخ دائما ما يكتبه المنتصر ليروج فيه لنفسه ولانتصاراته ويبرز إنجازاته ويقلل فيه من قيمة المنتصر الحقيقي وهو شعب رشيد العظيم.

وقد أكد الكتاب ألا فضل على رشيد في الدفاع وهزيمة جيش بريطانيا العظمى إلا لأبنائها الذين تخلى عنهم الجميع، فيما نسب هذا الانتصار إلى محمد علي والألبان والعثمانيين، مع أن الوثائق التاريخية أكدت أن رشيد وقعت فريسة لخيانة قادة المماليك وتواطؤ محمد علي وقواته من الألبان وتآمر العثمانيين، إلى جانب الغرور والصلف والأطماع الاستعمارية البريطانية، وقد كان الهدف من احتلال المدينة يتمثل في تمكين جميع الأطراف من السيطرة على الثغور ومنها إحكام السيطرة على الحكم ولو تحت راية بريطانيا العظمى، ولحسم الصراع الدولي الذي ستتضح معالمه في الكتاب فيما بعد.

1] ولد الجبرتي - الذي ينتسب إلى قرية جبرت وتقع الآن في أرتيريا، حيث قدم جد أبيه إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، واستقر بها، - في القاهرة عام 1753، وعاش ثلاثا وسبعين عاما حيث توفي في عام 1825، وواصل دراسته إلى أن تخرج في الأزهر.

Al - Jabarti, 'Abd al-Rahman (1994). History of Egypt: 'Aja'ib al-Athar fi 'l-Tarajim wa'l-Akhbar. vol. 1. Franz Steiner Verlag Stuttgart. Ayalon, David (1960). "The Historian al-Jabartī and His Background", Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London, 23 (2): pp. 217-238-249. Saleh, Abdulkader (2005). "Ǧäbärti," in Uhlig, Siegbert, ed., Encyclopaedia Aethiopica: D-Ha. Wiesbaden: Harrassowitz Verlag, p. 597.

[2] الجبرتي، عبد الرحمن بن حسن بن برهان الدين الجبرتي الحنفي ت 1240هـ/1825م. عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تاريخ الجبرتي، تاريخ النشر الأصلي 1820، القاهرة: كتاب الشعب، 1958. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1998.

[3] الجبرتى، عبد الرحمن (2017). مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس"، تحقيق الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن، القاهرة: الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية. يوثق الكتاب فترة الحملة الفرنسية على مصر 1798 -1801م.  ويعتبر وثيقة رسمية قدمها الجبرتى إلى الصدر الأعظم العثمانى، وقد كان الجبرتى حتى تاريخ تقديمه الكتاب مؤيدًا للعثمانيين، فلم يذكر فيه أى عمل محمود للفرنسيين، ثم إنه لما رأى بعد خروج الفرنسيس النهج الذى سار عليه العثمانيون فى حكم مصر، استنكر ذلك منهم، ولما كتب الجزء الثالث من كتابه "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار"، ضمًّن القسم الأول والأكبر منه، نسخة معدلة من كتاب "مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس"، وعدل فيها الكثير من آراءه. والشىء الوحيد الذى لم يعدله الجبرتي، بل لازمه فى النسختين، هى نظرته الفوقية للشعب المصرى ووصفهم بالحرافيش.

[4] عبد الرحيم، عبدالرحيم عبد الرحمن (1998) عجائب الآثار (تحقيق)، 1-1، طبعة دار الكتب المصرية. عبد العزيز، عمر (1998). عبد الرحمن الجبرتي ونقولا الترك، بيروت: جامعة بيروت العربية.

[5] Douin, Georges et E. C. Fawtier-Jones (1928). L'Angleterre et L'Egypt, La campagne de 1807, Institut Français d'Archéologie Orientale Pour la Société Royale de Géographie d'Égypte, pour la Société Royale de Géographie d'Égypte, Le Caire.

[6] Pollock, Alsager & William, Arthur (ed.). Notes of an Expedition to Alexandria of the year 1807, H. Colburn [etc.], The United Service Magazine, 1837.

[7] هناك نسخة من الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي تحتوي على فصول كثيرة، اضطر إلى حذفها من النسخة التي طبعت في بولاق لأن فيها هجوماً على محمد علي، ويساوي ما حذف من الأصول حوالي 50 صفحة. الجندي، أنور (1963). حياة العلامة أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة (1284- 1353)، سلسلة أعلام العرب، 29، القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتاليف والترجمة والطباعة والنشر، ص112-118.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.