كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 17, 2021 - 203 Views

السلطان خليل بن قلاوون الوجه اليابس في الدولة الفتية ( 689- 693هـ/1290-1293م

Rate this item
(1 Vote)

كتب د. حمادة عبدالحفيظ الرخ

      ولدت دولة سلاطين في ظروف قاسية؛ أطماع صليبية، توسعات مغولية، ومطالبات أيوبية بحقوق وراثة عرش مصر. لذا خاض المماليك – منذ اللحظات الأولى – حروباً ومواجهات مباشرة، وحقق المماليك في ذلك انتصارات بالجملة على أصعدة الجبهات الثلاث، وسرعان ما تحققت المفاجأة إذ أصبح هؤلاء المماليك سلاطين البلاد.

     وسارت الدولة بخطوات متقدمة   نحو إيجاد الشرعية السياسية والدينية لاستمرار عملية الحكم، وإقناع الرأي العام بذلك، ولاشك أن ذلك لم يكن دون مجهود حربي كبير، وقد كان. وغدت القاهرة بهذا عاصمة السياسة والحضارة الإسلامية الأولى لاتجد منافساً في سائر الأمصار.

    وخلال الأربعة عقود الأولى من عمر دولة سلاطين المماليك (648-923هـ /1250- 1517م) تكونت أهم السمات الحضارية للدولة الفتية، لكن يبدو أن هناك أمراً كان مستحدثاً، وقد شكل هذا مشكلة جوهرية بددت نظام وراثة العرش الذي اتبعته كل الأسرات والدول الاسلامية التي حكمت في مختلف أصقاع العالم الاسلامي، مبدأ الحكم لمن غلب.

    ويعد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون أول من انتزع الحكم لنفسه من أبناء السلاطين، في محاولة منه للعودة لنظام وراثة العرش، وفي واقع الأمر كان باستطاعة المنصور قلاوون أن يصعد ولده خليل إلى سدة الحكم بسهولة ويسر، لكن من الواضح أن رغبة قلاوون لم تك تقف عند باب ولده خليل ليرث حكمه وملكه.

   إشارات المؤرخين توحي بعدم ثقة قلاوون الكاملة في خليل، فقد كان التقليد الخاص بنقل الحكم لخليل مكتوباً بغير علامة المنصور، وكان ابن عبدالظاهر  - كاتب سر البلاط -  قد قدم التقليد للسلطان قلاوون ليعلِم عليه فلم يرض، وربما ندم المنصور على كتابة التقليد من الأساس.

   اجتهد المؤرخون في محاولة الوصول لسبب خوف المنصور قلاوون من سياسة ولده خليل، وخلاصة ذلك أن علِم المنصور بكره الأمراء لخليل نتيجة سوء تقديره لشأنهم ، فضلاً عن اتهامه بدس السم لأخيه الأكبر "علي" ، على كل حال توفي المنصور قلاوون دون أن يوقع الولاية لولده ، غير أن خليل لم يكترث بصنيعة أبيه؛ فحينما قرأ التقليد ووجده بغير علامة قال مخاطباً فتح الدين بن عبدالظاهر: " يافتح الدين السلطان امتنع أن يعطيني وقد أعطاني الله".

    تسلطن خليل وتلقب بالسلطان الأشرف، وسعى منذ توليه السلطنة إلى فرض هيمنته الكاملة على شئون الحكم، لذا افتتح الأشرف عهده بقتل أهم أمراء أبيه ونائب سلطنته المخلص، الأمير حسام الدين طرنطاي، كذلك سعى للحد من تسلط جميع أمراء المماليك وتركت مساعيه هذه بصمات قويه في عهده القصير.

    وتجلت السياسة الخارجية للسلطان الأشرف في تحويل ثاقب بصره إلى تطهير الساحل الشامي من الوجود الصليبي تماماً، والحقيقة قد ظن الصليبيون أن الحال قد تبدل بعد أن توفي المنصور قلاوون، فقد اعتقدوا أن تلك إرادة السماء لإنقاذ عكا، وفي الوقت الذي عاش فيه الصليبيون حلم البقاء في اطمئنان داخل أسوار عكا، كان الأشرف يسير إليهم على رأس الجيش الذي أعده والده لفتح عكا.

     ولما كانت عكا تعيش أسوأ أوقاتها تحت نير الصليبيين في كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد حاول الصليبيون في عكا إعاقة الأشرف عن مواصلة التقدم صوب عكا؛ فأرسلوا له سفارة يسألونه العفو وتطلب التفاوض، غير أن رد السلطان كان موجهاً نحو القوات الإسلامية في مدن بلاد الشام بأن يسرعوا لمقابلته  أمام أسوار عكا.

    وبداية من ربيع العام 1291م ضرب جيش الإسلامي بقيادة السلطان الأشرف ومن معه من المتطوعة حصاراً ضخماً خارج الأسوار، وبدأ بضرب الأسوار بالمجانيق الكبار مما أدى لتضرر الأسوار بخروق كبيرة، وخلال نحو الأربعين يوماً استطاع الجيش الإسلامي اقتحام المدينة بعد أن قتل في المعارك مقدم الداوية وقائد الاسبتارية.

    وبعد سقوط عكا لم يكن من الصعب على الأشرف (اليابس) أن يتعامل مع الذيول الصليبية الباقية في الساحل الشامي؛ فسقطت كذلك صور وحيفا وعثليت، ليكتمل عقد الفتوحات في الساحل الشامي، وغدت بلاد الشام جميعها تدين لدولة الإسلام وتحت حكم الأشرف خليل سلطان مصر والشام والحجاز.  

   وعلى الجبهة المغولية أخذت سياسة الأشرف اليابسة طريقها نحو نهاية عهد السلم مع المغول لتعود العلاقات بينهم وبين المماليك لسيرتها العدائية كما بدأت، وكانت الخطوة التمهيدية في هذا الطريق أن أسقط قلعة الروم، وقد كانت هذه القلعة قبل سقوطها بمثابة "الشجى في الحلق" لموادعة غالبية أهلها للمغول، ولذا صمم السلطان الأشرف على محو كل صفة غير إسلامية عن القلعة حتى أنه أطلق عليها اسم "قلعة المسلمين الأشرفية".

   ويبدو أن العلاقات السياسية بين المماليك والمغول في عهد الأشرف خليل مرحلة قاطعة بين عهد السلام أثناء عهد أبيه المنصور قلاوون وعهد الحروب الفاصلة خلال عهد أخيه الناصر بن قلاوون، والتي ظهرت جلياً خلال عهد الأشرف خليل صاحب السياسات اليابسة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.