كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 135 Views

فئة الأحــــــداث في بلاد الشام في القرن الرابع الهجرى:

Rate this item
(1 Vote)

بقلم د. ريهان نجدى 

دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

 تعتبر فئة الاحداث اهم فئات طبقة العامة، نظرا لارتباطها بالحياة السياسية للشام فى فترات كثيرة ، والاحداث جمع حدث اى الرجل الشاب او حديث السن ، وهم من جماعات الفتوة العربية، والفتوة هى مجموع الصفات التى يتحلى بها الشخص من الشجاعة والسخاء والعصبية واتباع الحق ونصرة اصحابه والمطالبة به وغيرها من الصفات وقد ظهرت هذه الفرقة فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى"التاسع الميلادى" ، وانتشرت فى القرن الرابع الهجرى "العاشرالميلادى"،حيث ارتكزت مهامهم على حراسة الامراء الطولونيين، وكانت هذه الفئة من الاحداث نواه رئيسية لحركاتهم التى انتشرت فى بلاد الشام فى القرن الرابع الهجرى واطلق على هذه الفئات مع بداية امرها اسم"اهل المدينة"ثم تطور الاسم ليصبح الاحداث .

وقد ظهرت اراء تؤيد ان هذه الطائفة فى نشأتها لم تكن نابعة من الشعب او مدافعة عن وجودة ومصالحه , وذلك لبعض الغموض الذى احاط بنشأة هذه الفرق هل هؤلاء يتم تصنيفهم تبعا للحرس الاميرى،ام شرطة يتم تجنيدهم اجباريا،ام هم جماعات شعبية تعمل لخدمة مصالحها، ام بانضمام الاهالى والتفافهم حولهم اصطبغت حركتهم بالصبغة الوطنية التى تخدم الشعب وتدافع عن مصالحه .

ولكن يمكن القول بان حركة الاحداث فى الشام كانت لها مهام مختلفة تبعا للوقت التى ظهرت فيه، ففى بداية ظهورهم تم اعتبارهم كحرس للامراء،اما فى اوقات الحرب والجهاد ضد الروم كان يتم تنظيمهم فى سرايا للجهاد على الحدود المواجهة للروم ،وفى اوقات ضعف الخلافة العباسية "السلطة المركزية"قاموا بتشكيل تنظيمات داخل المدن للدفاع عن مصالح العامة "مقاومة شعبية"نتيجة للفراغ السياسى والابتزازالدائم من قبل ولاة الامر،حيث كانت تقوم بوظيفة تشبه وظيفة الشرطة فى حفظ الامان والاستقرارفحظوا باعجاب العامة وتعاطفهم معهم،حيث كانوا يعبرون عن وجهة نظرالسكان تجاه السلطة،لذا استقطبوا الكثيرمن الاهالى والتحقوا بتحركاتهم،فكانت الصورة التى نشأ عليها الاحداث فى القرن الرابع اختلفت كثيرا عن صورتهم بعد ذلك حيث امتزجت الفتوة بالشطارة والفتن المذهبية حيث كانت اهدافهم وطريقتهم غير نبيلة مع بداية ظهورهم فى القرن الرابع الهجرى،لذا بادر والى دمشق جيش بن الصمصامة الى القضاء عليهم 388هـ ،ومع ظهور الخطرالصليبى ظهروا بصورة مختلفة ، فشاركوا فى الدفاع عن بلادهم وحاربوا تحت قيادة حكامهم حتى ارتبط اسمهم بالشجاعة والشهامة واصبحوا ركنا اساسيا فى الحياه العامة لا تستطيع اى فئة او حاكم تجاهلهم

لذا يمكن اعتبارهم ثورة شعبية اجتماعية تقوم بها فئات معينة من فقراء الناس لمواجهة السلطة عند فشل المؤسسات الحكومية فى توفيرالامان والاستقرار للمجتمع،فقد كانوا يؤلفون عنصرا للمعارضة فى المدن الشامية،حيث اسهم الظلم وسوء المعاملة التى لقيها اهل الشام على ايدى القوى المختلفة وخاصة الفاطميين الى بروزحركات الاحداث التى تحولت مهامهم من حراسة الحكام الى الدفاع عن الشعب،فكونوا نوعا من الجيش الشعبى ظل فى صدارة المشهد فى كثيرمن المدن ،وظل اخطر العقبات التى واجهت السلطات المتنازعة خاصة الفاطميين التى ظلت سلطاتهم ناقصة فى بلاد الشام،كما نشطوا فى اتخاذ التدابير اللازمة لذلك،وقاموا بتشكيل تنظيمات شعبية حظت بافتخار العامة والتفافهم حولها لحماية انفسهم وبلادهم بأساليب مختلفة،لذا حصلت هذه الفئة على دعم التجار لتأهيلهم ورعايتهم بهدف توجيههم لحماية ممتلكاتهم وأعراضهم من أى اخطار خارجية،او للحد من الخطر التى كانت تمثله هذه الفئة على هؤلاء التجار الا انهم كانوا يفتقدون حسن الادارة والقيادة مما عمل على تعزيز الفرقة بين هذه الحركات فى ظل غياب قيادات موحدة لذا فلم يستطع هؤلاء ان يؤثروا فى نظام الحكم فى بلادهم،وانما كانوا فقط ثوار على الاوضاع السياسية والاجتماعية، فاعتبرتهم السلطات دائما خارجين عن القانون واطلق عليهم  المؤرخون الكثير من المسميات و الصفات الذميمة التى الصقت بهذه الطائفة مثل الزعار،الشطار،المشالح،الحرامية،الغوغاء،الرعاع،السفلة،الجهال،الاوباش،حمال السلاح، اهل الشر، والصق بهم  الكثير من التهم فكانوا فى نظرهم على شاكلة الفتيان والعيارين فى بغداد والجعيدية والحرافيش فى مصر ،ودعم هذه الفكرة انضمام مجموعة من الغوغاء والمنحرفين الذين وصلوا بقوتهم الى السلطة فى بعض المدن،ومارسوا الاعمال التخريبية فيها

* تنظيمات الاحداث:

كان للاحداث تنظيمات خاصة بهم،كما كان لكل مدينة من المدن اكثرمن تنظيم يتم توزيعها على المدينة،وكان لكل تنظيم من هذه التنظيمات نظم معينة فى التدرج فى المراتب والترقى،وكان لها اعرافا واعلاما وشعارات وابواق خاصة بها،وكان يراس هذه التنظيمات رئيس او قائد اومقدم  له نفوذ كبير يحمل لقب رئيس البلد،فكان هناك رئيسا لاحداث دمشق،ورئيس لحلب،ورئيس لبعلبك وطرابلس وبقية المدن الشامية،كما كان هناك نوع من التنظيمات الاجتماعية للاحداث تقوم على تجمع اصحاب كل مهنة فى حى من الاحياء، يتزعمهم رئيس ويكون لهم مسجد خاص بهم وشرطة وجيش يتالف من الاحداث الذين يقومون بحمايته،وكان غالبا من العامة ويتميز بالشجاعة والقوة،وفى فترات لاحقة كان يتم اختيار رئيس للاحداث من خلال تعيين شخص يتمتع بشرف اجتماعى مثل الشريف ابو القاسم بن يعلى الهاشمى الذى اختيررئيسا لاحداث دمشق،وكان رجلا جليل القدر،نافذ الحكم عند اهلها،وفى اواخرالعصرالزنكى صارهذا المنصب وراثيا حين تولى دمشق فى هذه الفترة ال صوفى وفى حلب ال الربيع، حتى بدات هذه الحركات فى التلاشى نهائيا اواخر العصرالزنكى523-619هـ وحل محلهم نظام جديد فى الشرطة اطلق علية الشحنة لحفظ الامن فى الشام.

وكانت هذه الفئة تضم الكثير من اصحاب المهن والصناعات ،وكان رئيس الاحداث يتسلم حكم المدينة عند ضعف السلطة المركزية،اوغياب السلطة عنها،كما كانت هناك بعض الطقوس التى تتم عند انضمام افراد جديد الى هذه الفئة حيث يتم تناوله للماء المذاب به الملح لاعتقادهم ان الملح من المواد المقدسة لانه اساس فى كل الاطعمة ويصلح ما يفسد،والحكمة فى شربه ان الملوحة ضد العذوبة وهذه اشارة الى ان الفتى لابد وان يصير على الباساء والضراء،ويتحمل البلاء ويشكر الله على نعمته وان يساعد رفيقه فى اصعب الظروف

*أسلحة الأحداث ومواردهم المادية:

كانت اسلحة الاحداث بسيطة لا تحتاج الى اموال كثيرة للحصول عليها،وكانت تتنوع ما بين الحجارة والسكاكين والفؤوس والنشاب والمقاليع والعصى والاقواس التى استعملت فى رمى البندق

اما مواردهم المادية فتنوعت ما بين جبايتهم للضرائب التى كانت تفرضها الحكومة،والهبات والعطايا التى قدمت لهم من قبل بعض الحكام ونهب دور الحكام والممتلكات الخاصة بهم،ونهب الاسواق وسرقتها فى اوقات الفتن،كما كانوا يقومون فى بعض الاحيان بفرض خاوة على الاسواق ،اما فى اوقات الجهاد فلم يكونوا يتقاضون رواتب مقابل خدماتهم حيث كانوا يعدون هذا واجبا عليهم تجاه البلاد وهنا نجد بعض التضارب فى الموارد المالية فنسال عما ان كانت حركة لصوصية ام لا،الا ان التفسيرهنا انها مثلها مثل بقية الحركات الاجتماعية لم يكن بعض اصحابها على درجة عالية من الاخلاق الحميدة،كما تعكس هذه الموارد المالية التطور الذى حدث لهذه الفئة

وقد ظهرت مواقف الاحداث السياسية بصورة واضحة خلال العصرالفاطمى ومع بداية سيطرتهم على المدن الشامية ، وانتهاجهم لبعض اساليب العنف فى السيطرة على هذه المدن،وتحول الجيش الفاطمى الى عنصرا للشغب ونشر الفوضى ، فكان للاحداث دورا فى ردع هذه القوى من السيطرة على مدن الشام ، وشكلت عنصر قلق حال سيطرة الفاطميون على اى مدينة فى محاولة لمقاومة انتهاكات الجنود الفاطميين فزادت الفتن بين القوتين واحتدت المواجهات بينهما كحركة بن المارود التى تصدت للمغاربة بدمشق حينما قاموا بحرق المدينة عام 363هـ..

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.