كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 147 Views

‘‘تصوير المرأةُ في الحضارة اليونانية القديمة،،

Rate this item
(0 votes)

بقلم د. بوسي أحمد الشوبكي

دكتوراه في الآداب تاريخ وحضارة اليونان

إن إشارات الشاعر اليوناني هوميروس إلى المرأة في أشعاره الإلياذة والأوديسية التى تُسرد لنا أحداث الحرب الطروادية. يمكن أن تُعَدَّ دليلاً على أقدم صورةٍ أدبيةٍ ظهرت بها النساء في العالم اليوناني القديم. وعلى الرغم من غلبة الطابع البلاغي والأسطوري لهذه الصورة لكل الشخصيات التي ورد ذكرها في أشعاره، فإنه تقبع خلفَ كلِّ هذه الصور البلاغية والأسطورية نواةٌ حقيقيةٌ لهذه الشخصيات والأحداث التي لَعِبْنَها. فقد صور لنا الشاعر صورة النساء بشكلٍ بلاغيٍّ في ضوء أحداثٍ تاريخيةٍ حقيقية أثبت العلمُ صِحَّتها وحدوثها.

وهكذا؛ فإنها تزودنا بمعلوماتٍ محددةٍ عن هُوية وطبيعة المرأة في الفترة المبكرة من تاريخ وحضارة اليونان. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحقيقة التاريخية التي يصورها الشاعر للنساء وأدوارهن تزودنا بِبُعْدٍ مهمٍّ لمكانة المرأة وموقعها المؤثر في الأحداث، والذي يتضح من الأدوار التي لعبتها في حياتها، وكذلك من خلال كتابات الشاعر والمساحة الواسعة التي أفردها لها، والتي تعكس مكانتها داخل هذا المجتمع، ومنها أن المرأة كانت تتمتع ببعض الحقوق، كما كان عليها بعض الواجبات تجاه أهلها وزوجها وأبنائها. وإضافة إلى هذه الصور أيضًا فإن المرأة لم تكن في مكانةٍ مُتَدَنِّيَةٍ من الرجل.

 أن حرب طروادة موضوع الإلياذة، كانت الذريعة الأساسية وراء حدوثها دبرتها امرأة، وكانت قائمةً في الأساس بسبب امرأة، وكانت المرأة المحركَ الأساسَ لها، وتتمحور الإلياذة حول المرأة بشكلٍ كبير، وتظهر فيها المرأة بأكثر من صورة، ولم يقتصر ظهورها على أنها أسيرةٌ وسَبِيَّةُ حرب، كما قامت بعض الدراسات على هذا الأساس (فقد نظروا لها في الحرب وهي الظروف الاستثنائية وليس الوضع الطبيعي)، ونظروا لهذه الصورة على أنها الصورة الوحيدة للمرأة، وهذا على عكس ما ذكر الشاعر. كذلك فإن الخلاف الذي نشب بين القادة الآخيين أثناء حصار طروادة وأدى إلى انقسام الصفوف الآخية كان بسبب امرأة. لذلك : إن الصراع الأنثوي الذي ظهر في أسباب وأحداث الحرب كان هو الأساس في جميع الأحداث المهمة التي ورد ذكرها خلال الإلياذة، وكانت المرأة هي المحركَ وراءَها.

ونفس الشيء في الأوديسية التي تظهر فيها المرأة بقوة وتمجد منها ومن مكانتها داخل المجتمع. فعلى الرغم من أن القصيدة تدور حول رحلة عودة أوديسيوس وما تعرض له أثناء هذه الرحلة من معوقات أجَّلت عودته لوطنه لمدة عشر سنوات، فإن المرأة ظهرت في أحداثها أيضًا، فأوديسيوس لم يستطع العودة لوطنه دون مساعدة المرأة له. وبذلك فإن المساحة التي أفردها الشاعر للمرأة في أحداث قصديته تؤكد ظهورها داخل هذا المجتمع الذي كان يتحدث عنه ويصف جوانبه المختلفة.

نلاحظ أيضًا انعكاس الصورة بين الآلهة والبشر، فقد صور اليونانيون القدماء آلهتهم على شاكلتهم، فقد صوروهم بصفاتٍ بشريةٍ: يحبون ويكرهون ويتآمرون، وهذه صفاتٌ مُتَدَنِّيَةٌ لا يتصف بها الإله الذي يجب أن تسموَ صفاته على البشر. فإذن هذه الصورة ما هي إلا مخلوق للفكر البشري الإنساني، وإذا لم تكن للمرأة مكانةٌ في هذا الفكر لما ذهب إليها الرجل كي يتعبدها، ويُبَجِّلها، ويقدم لها القرابين أملاً في رعايته، وحمايته، كما رأيناه يفعل مع هيرا وأثينا وأفروديتي وباقي الإلهات.

ولاحظنا أيضًا من علاقة زيوس بهيرا أنها كانت المسيطرة على أفعاله، وأن إرادتها كانت أقوى من إرادته، والتي ظهرت من مواقف كثيرة، من بينها تَنَحِّيه عن التحكيم بين الآلهات الثلاث (هيرا وأثينا وأفروديتي) في قضية التفاحة الذهبية، وأيضًا خضوعه لرغبتها في أمر الحرب وحسم النتيجة لصالحها. إذن هذه الصورة إنما هي انعكاسٌ لصورة المرأة ومكانتها داخل هذا المجتمع. وبذلك فإن الطبيعتين الإلهية والبشرية التي صورت بهما المرأة ما هما إلا صورتان متطابقتان لها ويعكسان وضعها.

 فبلا شكٍّ أن المرأة التي لعبت جميع الأدوار لا بدَّ من أن يكون لها مكانةٌ ودورٌ في هذا المجتمع الذي كانت عضوًا فيه. ولكن ليس من الضرورة أن يكون دورها كبيرًا ويتعدى حدود دور الرجل الذي يمثل القيادة داخل هذا المجتمع الذكوري. إنها كانت موجودةً إلى جانبه، وتشغل جزءًا من حياته، وتشاركه هذه الحياة الذي يمثل فيها العضو الأول؛ فكانت كابنةٍ تشاركه الآراء، وتعيش حياتها بحرية وليس بعزلة، كما ظهر من تصوير الشاعر لشخصية الأميرة ناوسيكا التي كان لها حرية الخروج من قصر أبيها، وظهر أيضًا لها الحق في التعامل مع الغرباء وتقديم المساعدة لهم. وظهرت أيضًا وهي تحضر الولائم للترحيب بالضيوف، وظهرت أميرة عليها حقوق ولها واجبات.

وتصوير الشاعر لشخصيات النسائية في أشعاره فظهرت المرأة زوجةً وَفِيَّةً ومخلصةً لزوجها تحافظ عليه وعلى عِفَّتها وشرفه، وتتحمل مسئولية بيت الزوجية، وأنها عنصر مهم في العلاقة الزوجية، كما رأينا في علاقة كلٍّ من أندروماخي وهيكتور، وبينيلوبي وأوديسيوس. ونلاحظ أيضًا أنها لم تُعامَل نفس المعاملة، ولم يكن زوجها مخلصًا ووفيًّا لها بنفس القدر، فنلاحظ أن أوديسيوس على الرغم من إصراره على العودة لوطنة ولزوجته، لم يظل وفيًّا لزوجته. ففي رحلته قابل العديد من النساء، وسكن قصورهن، ومن المحتمل أو المؤكد أنه أقام معهن علاقات.

اتصفت الزوجة بالوفاء والإخلاص على الرغم من وجود بعض حالات الخيانة الزوجية التي كانت تمثل جريمةً بشعةً، والتي عرفنا رأي النساء فيها، فكنَّ يرفضن القيام بها إلا مَن ضعفت منهن. ولاحظنا وقوف الزوجة إلى جنب زوجها داعمةً لقراراته وناصحةً له. فكان يقع عليها بعض الأعمال التي تقوم بها، بالإضافة لمشاركتها حياته وتقديم النصيحة له؛ تساعده في شؤون منزله وأسرته، وتحافظ عليه، وهذا يلغي فكرة أن المرأة الهوميرية كانت تعيش بمنأى ومعزل عن حياة الرجل. فكانت الزوجة رمزًا لاستقرار الأسرة وأمان الحياة الأسرية.

كما صورت المرأة بكونها ملكةً إلى جوار الملك، فكان لها رأيٌ، واتصفت بالدهاء والذكاء الذي استخدمته للحفاظ على ممتلكات زوجها مثل الملكة بينيلوبي. وأيضًا مثل الملكة أريتي التي كان الملك يستشيرها فيما يخص شؤون شعبه، وكانت حريصةً على تقديم النصيحة له. فظهرت الملكة في المجتمع الهوميري على أنها مستشارة سياسية وداعمة للقرارت السياسية. نلاحظ أيضًا ظهور الملكة في بلاط الملك وترحيبها بالضيوف والوافدين والجلوس معهم ومسامرتهم. أيضًا كان للمرأة (الملكة) من نسل الملوك أهميةٌ في انتقال السلطة ونظام الحكم من ملك لآخر، كما ظهر في حالات كثيرة، منها هيليني حيث أصبح مينيلاوس ملكًا على اسبرطة بزواجها منه. وهذه الصور والأدوار جميعها تؤكدُ فكرةَ أن المرأة لم تكن تعيش بمعزل عن حياة الرجل، ولم تكن في مكانةٍ متدنيةٍ من مكانة الرجل. نالت المرأة في المجتمع الهوميري تقديرًا واحترامًا لم تَنَلْهُ المرأة في الفترات التالية. أن قوة سلطتها ونفوذها وحكمها من وراء ستار الرجل، جعل المجتمع الذكوري يحاول أن يُقَنِّنَ من سلطتها ونفوذها، وهذا ما حدث لها في ظل القانوني الأثيني الذي سلبها جميع حقوقها. ولكن نلاحظ في اسبرطة كانت للمرأة مكانة عن المرأة الأثينية. وهذا يدفعنا للقول بأن مكانة المرأة تعتمد على النظام الحاكم وفكر الرجل لها وتَقَبُّلِهِ إياها.

صورت المرأة كانت تتخذ سبيلاً لتحقيق المساعدة وطموحات بعض القادة. فقد رأت من الذكاء لها أن تحقق علاقاتٍ ومصالحَ سياسيةً، أو تصنع نوعًا من التوازن في العَلاقات التي ربما تستفيد منها في المستقبل. وربما أيضًا مساعدتها للرجل دليلٌ على التربية التي نشأت عليها النساء في ذلك الوقت، حيث ظهرت أثينا وناوسيكا وأريتي أيضًا وهن يقدمن المساعدة للرجل، وهذا يشير إلى أصول تربية المرأة داخل المجتمع.

صور هوميروس لنا أيضًا نموذجًا للمرأة العاملة التي واجهت الحياة بمفردها وواجهت ظروفها ونزلت لسوق العمل تَكِدُّ وتتعب كي توفر سبل معيشتها هي وأسرتها. فقد تركها النظام الحاكم آنذاك دون أن يوفر لها عملاً تمتهنه، ولم يكن مسئولاً عنها وعن توفير احتياجاتها المعيشية.

هذه الصور جميعها والأدوار التي لعبتها المرأة في حياتها، تؤكد فكرة أن المرأة لم تكن تعيش بمعزل عن حياة الرجل، ولم تكن في مكانة متدنية عنه. وبذلك تدل المشاهد التي استعرضناها لها من أشعار هوميروس؛ على أن المرأة عاشت وتمتعت في ذلك الوقت بنصيبٍ من الحرية  في الاختلاط بالرجال والتعامل معهم وحرية التجوال داخل مدينتها، وأن وضع المرأة اليونانية في الفترة المبكرة كما صورها شاعرنا كان أفضل بكثير من وضع المرأة في العصر الكلاسيكي الذي فرضت فيه عليها القيود والعزلة التي أبعدتها عن المشاركة في مجتمعها؛ فكانت بعيدةً كل البعد عن الحياة بجميع تفاصيلها.

كما بينت الأشعار أن المجتمع اليوناني لم يكن مجتمعًا ذا معيار واحد؛ فعلى سيبل المثال: نظرة المجتمع للسلوك الجنسي للرجل اختلفت عن المرأة. فهذا المجتمع الذي كان يتسامح مع الرجل وتعدد علاقاته وغرامياته، كان لا يقبل مثل هذا السلوك من المرأة، وكان يفرض عليها أقسى العقوبات إذا ارتكبت مثل هذه الجرائم، فهذا المجتمع كان يتطلب من المرأة العفةَ والطهارةَ دون الرجل. فلم يعامل الرجل بنفس معاملة المرأة، بل حفظه وصانه وكان أمينًا عليه وعلى ممتلكاته.

 وأخيرًا؛ فإن المرأة التي ظهرت بأكثرَ من طبيعة، ولعبت جميع الأدوار في حياتها، والنماذج المختلفة التي صورها بها الشاعر، تؤكد فكرة أن المرأة في المجتمع الهوميري قد نالت تقديرًا واحترامًا لم تنله في الفترات التالية.

وهكذا؛ ألقت صورة المرأة الهوميرية - على الرغم من طبيعتها البلاغية والأسطورية - بعض الضوء على طبيعة المرأة وعَلاقتها بالرجل والمجتمع المقيمة فيه في الفترة المبكرة من تاريخ وحضارة اليونان. فكان لوضع المرأة جانبان: إيجابيٌّ وسلبيٌّ، ولم تكن الصورةُ قاتمةً على الدوام.   

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.