كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 319 Views

اهتمام أميرات أسرة محمد علي بالآثار الإسلامية

Rate this item
(2 votes)

  بقلم د . ميادة حجازي

 دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر

شهدت مصر خلال القرن التاسع عشر طفرة معمارية أثرية تاريخية وكان لها بالغ الأثر والأهمية في تغيير الوجه الحضاري ، فمن خلال المنشآت المعمارية يتبين لنا الناحية الأثرية لهذا العصر بخلاف ما يتبين منه عن الفترة التاريخية والأوضاع الاقتصادية للبلاد آنذاك، وعن الحدث المرتبط بها ، وعن المواد الخام المستخدمه فيه، وما طرأ عليها من تغيرات ،  كما أن هذه المنشآت لا تتأثر قيمتها بحالتها الأثرية، بكونها مكتملة أو بقايا حجرية يتم الحصول عليها من خلال عمليات الحفر والتنقيب، وقد تكون هذه البقايا الحجرية ذات قيمة تاريخية لا تعوض ، وأهميتها العلمية والثقافية والفنية التي شاهدها المجتمع المصري خلال القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين خلال فترة حكم أسرة محمد علي باشا عامة والأميرات خاصة.

     ومن هنا يتضح لنا كيف حظيت أميرات أسرة محمد علي نصيب كبير في المجتمع المصري في وقف الأموال والأوقاف علي المساجد وأضرحة أولياء الله الصالحين وعلي قبرهن وعلي قراءه القرآن الكريم , وحظيت المساجد ومرافقها المختلفة بالاهتمام الكبير من قبل أوقاف أميرات أسرة محمد علي ، ومن أهم أعمالهن ترميم عمارة جامع البنات الذي يقع بشارع بورسعيد بين قنطرة الأمير حسين بك وقنطرة الموسكي بجوار سراي أم حسين بك ، ففي عام 1851م قامت الأميرة ممتاز قادين هانم بتجديد الواجهة الشمالية والغربية من الجامع وبإصلاح وتجديد بوابته الرئيسية وأعادت بناء مئذنته ، كما قامت الأميرة بتجديد منارته على الطراز العثماني  وأوقفت عليه أوقافا كثيرة وتولي نظارتها الشيخ سليم عمر إمام جامع القلعة حينذاك ونص الكتابة على الباب العمومي يوضح ذلك .

     كما قامت الأميرة ممتاز قادين بهدم زاوية العفيفي وأنشأت بدلاً منها جامع له منبر ومبيضاة عام 1853 م ،  وفي نفس الوقت قامت ببناء مدافن لعتقائها  و مدفن لها ودفنت فيه 1868 م، ومازال  موجوداً حتى الآن ما عدا السور الذي كان يحيط به وقد دفن عتقائها ووكيل دائرتها فيه .

   وفي هذا السياق نوضح قيام الأميرة ماهيتاب قادين هانم (حرم طوسون باشا بن عباس حلمي باشا الأول ) بتجديد وإصلاح جامع البلد الذي يقع بشارع منيل الروضة عام 1858م بعدما  تخرب مرة أخري بعد تجديد وإصلاح عمارته في السابق علي يد الست خديجة الترجمانية ، فكان المسجد في بدأ الأمر تم بناءه بالطوب اللبن ، ويعتبر من المساجد المعلقة ، ولهذا بنيت الأميرة المسجد وأوقفت عليه ثلاثة دكاكين أسفله وبالإضافة إلى منزل بجواره وتولى نظارته الشيخ محمد على اليمني ، وفي نفس العام قامت حرم إلهامي باشا بتجديد وإصلاح عمارة جامع الديريني الذي يقع في منيل الروضة بجوار منزل أحمد باشا المنكلي ، حيث أصدرت أوامرها لوكيلها  بتجديد منارته وإصلاح عمارته على يد إسماعيل باشا عاصم فى عام 1858 م وتولي نظارته الشيخ محمد على المنيلي (الخوجة العربي بالمدرسة الحربية الخديوية) وكان مرتب له راتباً ، إلا أن راتبه انقطع بموتها ، كما كان يوجد بالجامع ضريح الشيخ عبد العزيز الديريني وكان يقام له حضرة كل يوم سبت وله مولد يقام كل سنة من شهر صفر من قبل الدائرة السنية ويوجد الجامع الآن ضمن حدود مستشفي القصر العيني حالياً .

    كما أمرت الأميرة ألفت هانم ( حرم إبراهيم باشا ) وكيلها نيازي بك عام 1861م بتجديد وإصلاح جامع بشتاك فعهدت إليه بهذا العمل فأعاد بناءه من الداخل ، وجعل له أعمدة عظيمة من الرخام وجددت منارته وأنشأ له باباً ووجهة جديدة التى توجد على الباب المشرف على شارع درب الجماميز ، وقامت بفرش المسجد بالسجاد الفاخر ذي المحاريب ورتبت رواتب شهرية وسنوية لخدمة وصيانة المسجد وأوقفت عليه أوقافا كثيرة ، كما أمرت بإنشاء مقبرة  لها ودفن فيها نجلها الأمير مصطفي فاضل عام 1876 م ، وكذلك نجله الأمير أحمد رشدي بك ، ولا يزال هذا الجامع قائما بشارع درب الجماميز وعامرا بإقامة الشعائر الدينية فيه .

    كما يعد جامع أنجي هانم  أو أنجه هانم (حرم محمد سعيد باشا والي مصر) من أقدم الجوامع الأثرية في شبرا ويقع في شارع الترعة بجزيرة بدران التى اختفت بعد عام 1903 م وقد قامت أنجي هانم بإصدار أوامرها ببناء جامع لها وكان المسجد مستطيلاً يطل على الحارة الشمالية بجوار الزاوية الشمالية الغربية لبيت الصلاة وكانت مادة الخشب هي الغالبة على بناء المنارة ، وقد أوقفت عليه الأميرة أنجي هانم أوقاف كثيرة كما ورد في وقفيتها حيث أوقفت خمسة وسبعين فدان بمقتضي الحجة المؤرخة فى 10 ربيع الأول 1307 هي (1881 م ) على أن يتم صرفها على مسجدها في جزيرة بدران .

     ومن هنا يتضح كيف تسابقت أميرات الأسرة العلوية علي فعل الخيرات ومن بينهن الوالدة باشا ( خوشيار هانم والدة الخديو إسماعيل باشا ) التي قامت بتجديد وإصلاح جامع سيدي غازي الذي يقع بقرية سيدي غازي بشارع الخليفة المأمون بالمحلة الكبري ، وكانت فى البداية زاوية صغيرة تقام فيها الشعائر الدينية ، ففي عام 1869 م قامت الأميرة تجديدها وألحقت به قبة وأوقفت عليه مائتي فدان من الأراضي الزراعية بحوض أم سمسم بناحية كفر الحلاني ، كما أوقفت ثلاثة أفدنة وكسور بجوار الضريح لبناء الدكانين والمنازل وميداناً لإقامة مولده ويعتبر إجمالى ما أوقفته الأميرة خوشيار هانم على بعض المساجد الأخري فى المحلة خمسمائة وعشرة فداناً وكسور والمساجد هي كالتالى ( مسجد المتولى بالمحلة ، ومسجد سيدي محمد اليماني ، وضريح ومسجد سيدنا سالم البيلي ببيلا ) .

     وليس هذا فقط بل قامت الأميرة خوشيارهانم  ببناء مسجد الرفاعي ،  فكان في البداية زاوية صغيرة تعرف باسم الرفاعي وتقع في شارع محمد على أمام مدرسة السلطان حسن وقلعة صلاح الدين ، وكان يقام لها مولد كل سنة ويستمر لمدة ثمانية أيام ، فأعجبت الأميرة خوشيار هانم  بروعته ، ولكنها استاءت لعدم الصلاة فيه بسبب وجود قبر السلطان حسن أمام القبة ، ولذلك كان يرفض الأهالي الصلاة فيه ، وكانت خوشيار هانم لديها الرغبة فى إنشاء مسجداً ، فباتت فكرة إنشاء مسجد الرفاعي وليدة رغبة مؤكدة لديها لتجعل من هذه الزاوية مسجدا كبيرا لإقامة الشعائر الدينية وما يلزمه من ملحقات وبناء مقام للشيخ على الرفاعي صاحب الزاوية وبناء مدافن لها ولأسرتها فاختارت تلك الزاوية واشترت ما حولها من مباني وأراضي فى الاتجاهات الأربعة وطلبت من المسيو (سالسمن فاي ) إحدي المهندسين الأجانب وحسين باشا فهمي وكيل ديوان عموم الأوقاف بوضع تصميم المسجد وملحقاته فوافقت الأميرة على تصميم حسين باشا فهمي وأمرت خليل أغا كبير الأغوات بمباشرة العمل فيه ، كما أمرت أن يتم فرشه على أحسن وجه حيث تم استحضار خشب الأبنوس الملون من بلاد السودان ، وأحضر الخشب اللزم لعمل الأسقف من جزيرة طاش بوز، وقام الخطاط التركي عبد الله زهدي بعمل الأشرطة الكتابية والزخرفية للمسجد ، واستمر العمل فيه حتي توقف عام 1880 م لسوء الأوضاع الاقتصادية للأميرة ثم توقف العمل مرة أخري لوفاتها ، وظل العمل متوقف فيه نحو ربع قرن حتى عهد الخديو عباس حلمي الثاني باشا خلال فترة حكمه ، ففي عام 1905 م أصدر أوامره إلى أحمد باشا خيري بتكملة البناء وكانت التكاليف الأصلية المقدرة لهذا الجامع خمسمائة ألف جنيها فاستنفذ هذا المبلغ في الأعمال التى أنجزت حتى سنة 1880 م أما المصاريف الأخري بعد ذلك بلغت 132,500 جنيهاً هذا بالإضافة إلى ثمن السجاد والأبسطة والثريات المعدنية وبلغت مساحة المسجد 6500 متراً  ، منها الجزء المخصص للصلاة مساحته 1767 متراً والباقي لملحقات المسجد والمدافن المخصصة لأسرة المالكة.

  وفي  عام 1870 م قامت الأميرة خوشيار هانم بتجديد مسجد الحجاز وأصلحت عمارته وجعلت له بناءاً ومنظراً جميلاً وأوقفت عليه وقفاً ليصرف ريعه على إصلاح وترميم المسجد ، واستمر عطا الأميرة خوشيار هانم للأعمال الخيرية مستمراً حتي بعد وفاتها ، حيث أمرت بإصلاح مسجد  وضريح الطرطوشي بحي الباب الأخضر ، وهو باب الإسكندرية الغربي بمنطقة الجمرك والمسجد مستطيل الشكل وللمسجد دور ثاني يشغل ثلث مساحة المسجد وهو خاص بالسيدات ، ويقع الضريح خلف قبة المسجد وكان متخرباً فقامت والدة الخديو (خوشيار هانم ) بتجديده وإصلاح عمارته وأوقفت عليه وقفا ليصرف إصلاح عمارته .

    كما قامت الأميرة جميلة هانم كريمة الخديو إسماعيل  عام 1889م بتجديد وإصلاح مسجد عمر بن الفارض الذي يقع بجهة الأبجية بسفح المقطع خلف مقابر الإمام الشافعي ، وكان في البداية قبة صغيرة مبنية بالحجر ، وكان بن الفارض شاعرً مصرياً جليلاً وأجاد الشعراء بشعره ، وأصدرت الأميرة أوامرها بتجديد المسجد ، وهو مسجد مستطيل الشكل محمولة سقوفه على أربعة أعمدة وله محراب بسيط منقش بالبوية ويجاوره منبر بسيط  ، كما بنت لنفسها قبرا هناك على الرغم من صغر سنها كما كتبت قصيدة طويلة بالفارسية تحدثت فيها عن حياته وتعاليمه وامتدحته كما أوصت في تلك القصيدة أن تدفن إلى جواره ولكنها دفنت فى استانبول ، وقد دفن فيها ابنها الأمير جمال الدين كما ألحقت بالمسجد مطهرة وحديقة صغيرة وكانت تشرف عليه الأوقاف الخصوصية الملكية قبل الثورة .

   لم تترك  أميرات أسرة محمد علي باشا مجالاً إلا وشمل دعمهن أو رعايتهن سواء كان مادياً أو معنوياً ، فنجدهن قد أهتمين بالآثار المصرية القديمة وكانوا شديدي الحرص على تشجيع العاملين في أعمال التنقيب عن الآثار ، وفي نفس الوقت نجد أن الأميرة عفت حسن كريمة الأمير حسن نجل الخديو إسماعيل كانت متزوجة من عالم الآثار ماسبيرو ، بعد أن قرأت عن أعماله وكتاباته عن الآثار المصرية ، إلى جانب أنها كانت تجيد اللغة الفرنسية والتركية والعربية ، ولكثرة اهتماماتها بالآثار طلبت منه بأن يصاحبها لزيارة المتحف المصري

        كما قامت الأميرة أمينة هانم إلهامي( حرم الخديو محمد توفيق باشا )  وحاشيتها بزيارة الأهرام في يناير 1889م وعقب وصولها قامت بتوزيع الهبات علي العمال تشجيعاً منها علي دورهم الباسل   ، ومن ثم شاهدوا أعمال إزاحة الرمال عن أبو الهول ، وبعدها توجهوا إلى الكشك الخديوي لتناول الغداء ثم عادت الأميرة وحاشيتها إلى سراي عابدين.

        وفي فبراير 1896م توجه كل من الأمير جميل طوسون وحرمه الأميرة نعمت هانم مختار شقيقة الخديو توفيق بزيارة مدينة سوهاج والمدرسة الجديدة وكانت الشوارع مزينة بالزينات احتفلاً بقدومهم إليها ، ومن ثم توجهوا بعد ذلك لمشاهدة ملعب الخيالة ، ومن بعدها توجهوا إلى أحميم لمشاهدة آثارها الجليلة والتمتع بمنسوجاتها الشهيرة .

وفي عام 1870م أصدرت الأميرة خوشيار أوامرها إلى الأمير محمد توفيق باشا بأن يشرف على إقامة تمثال لساكن الجنان محمد علي باشا بمساهمة أعضاء الأسرة المالكة في إنشاؤه ، تحت رئاسة ناظر مدرسة الفنون والصنائع في باريس مسيو كونت ينو كرك لإقامة التمثال في ميدان الأزبكية ،  ويتضح مما سبق مدي اهتمام أميرات أسرة محمد علي بالآثار الإسلامية والعمارة الإسلامية

        ولم يقتصر دورهن على ذلك فقط ، بل ساهمن بشكل واضح في إنشاء المتاحف التي تعد مركز هاماً للبحث العلمي لتعليم الشعب وتثقيفه وتربية زوقه وإثارة اهتمامه بالتاريخ والعلوم والفنون

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.