كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 18, 2021 - 142 Views

الصــــراع علي الحـــكم في عهــــد عباس حلمي باشـــا

Rate this item
(2 votes)

                      بقلم د / ميادة حجازي

    دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر

    يعتبر عصر عباس حلمي باشا عهدً للرجعية إذ توقفت حركة التقدم والنهضة العمرانية والاجتماعية والثقافية والتعليمية التي ظهرت في عهد محمد علي باشا لأنه كان يري أن تقدم الشعب المصري ليس من مصلحة الوالي ولذا أقدم علي غلق المدارس والمصانع وقضي علي معظم مظاهر النهضة ، ونفي بعض كبار العلماء المصريين ، لكن الجدير بالذكر هنا أن عباس باشا لم يفتح أبواب مصر للتدخل الأجبني ، ولم يستدن ، بل تتراكم عليه الديون ولا أعباء خارجية ، كما لم يبحذ  منح الأوروبيين امتيازات باستثمار مرافق الدولة .

      فهو عباس حلمي الأول نجل أحمد طوسون بن محمد علي باشا ( الذي حضر إلي مصر مع أخيه الأكبر إبراهيم باشا من قوله عام 1805م ، وقاد الحملة إلي الحجاز عام 1811م لمحاربة الوهابيين  وتوفي عام 1811م وكان عباس باشا في الثانية من عمره ) ، تولي عباس حلمي الأولي حكم مصر في 5 ديسمبر 1848م في حياة جده محمد علي باشا حتي 13 يوليه 1854م ، وخلال فترة حكمه عمل عباس باشا علي إعادة تشكيل المجلس الخصوصي عام 1849م ، وقام بتعديل إسمه إلي ديوان محافظة مصر ، كما أنشأ في العام نفسه مجلس الأحكام ، وكان يشارك المجلس الخصوصي في السلطة التشريغية ، كما كان يشرف علي السطة القضائية .

   ففي بداية الأمر لابد أن نوضح أن محمد علي باشا بذل عنايته بتربية حفيده عباس باشا بعد وفاة نجله طوسون باشا ووجه جهوداً كبيرة لإكسابه خبرات لولاية الحكم لأنه كان الأكبر سنناً بين أفراد أسرته، ولذا عهد إليه بالمناصب الإدارية والحربية ، فتقلد المناصب الإدارية كمنصب مدير الغربية ، ثم منصب الكتخدائية التي كانت بمنزلة رئاسة النظار ، ولم يكن في إدارته مثالاً للحكام البار ، بل كان له من التصرفات ما ينم عن القسوة ، وكانت هذه التصرفات تصل إلي مسامع محمد علي ، فكان ينهاه عنها ويحذره من عواقبها ، ولكن طبيعته كانت تتغلب علي نصائح جده وأوامره.

    وقد كان للدولة العثمانية دوراً مؤثرا في تغيير مجري الأحداث في المجتمع المصري خلال عهد عباس حلمي الأول في حيث أرادت الدولة العثمانية تقليص السيادة المصرية من خلال وضع المشاكل والعراقيل داخل أفراد أسرة محمد علي باشا حيث يتسنى له الفرصة في التدخل في شئون البلاد الداخلية ومحاولته إلغاء الامتيازات التي حصلت عليها مصر في عهد محمد علي باشا ، وبالفعل نجح في هذا الأمر ، ويتضح ذلك عندما قام بعض الأمراء والأميرات برفع التماس إلى السلطان العثماني بالسماح لهم للذهاب إلى الآستانة ، ولتحقيق سياسته قام السلطان عبد المجيد الأول بقبول الالتماس المقدم من أعضاء الأسرة العلوية للإقامة في الآستانة حتى يسهل عليه تحقيق مبتغاته في تقليص سيادة مصر الخارجية وجعلها تحت السيادة العثمانية  ومن جهة أخرى أرسل إلى فؤاد باشا لكي يتوسط لحل هذا الخلاف وعندما أدرك فؤاد باشا ما حدث بين الطرفين من خلاف ، تبين له بأن عباس حلمي باشا على حق ، ولكنه رفضوا الاستماع إليه ، وعند محاولتهم السفر إلى الآستانة حاول عباس باشا منعهم من السفر عن طريق إرسال كاني باشا إلى الآستانة لإبلاغ الباب العالي عن أسباب رغبة سفر الأميرتين والأمير محمد علي باشا الصغير إلى الآستانة وأوضح أن سفرهم سيؤدي إلى ضعف أحوال البلاد الداخلية وبمرور الزمن لم يتبق أحد من أفراد الأسرة في مصر ، ولذلك استعان بالأميرة فاطمة هانم الزهراء  لتقديم التسهيلات والمساعدات اللازمة لكاني باشا ( كتخدا الباشا ) مستغلة قربها من والدة السلطان والقيام بإقناعها بعدم الموافقة على مجيء الأميرات والأمراء إلى الآستانة ، إلى جانب إقامة كاني باشا في دارها مدة بقائه في الآستانة  ، ولكن دون جدوى فسافر في بادئ الأمر الأميرتان زينب هانم ونازلي هانم كريمتا محمد علي باشا ثم لحق بهما الأمير محمد علي باشا الصغير بعد أن أرسل السلطان العثماني القبو كتخدا إلى مصر لإحضاره وأنعم عليه السلطان برتبة الفريق مستغلاً نفوذه حتى يتمكن من استعادة مكانته في مصر التي تلاشت منذ عهد محمد علي باشا .

          وقد اتضح من خلال الخطابات والتقارير المتبادلة بين كل من الأميرة كلين هانم وعباس باشا مدى الصراع الذي وصل إليه أفراد الأسرة العلوية في مصر والآستانة ، وأثر ذلك على المجتمع ، بالإضافة إلى موقف السلطان العثماني من هذا العداء بين كلا الطرفين ، فنجده استغل مكانته لتحقيق رغباته على حساب الطرف الآخر ، حيث أنه لم يستمع إلى رغبة الوالي في منعهم من السفر إلى الآستانة ، بل وافق على سفر الأمير محمد عبد الحليم باشا الذي بادر بمجرد وصوله في إرسال الشكاوي ضد عباس حلمي باشا ، وسافر أيضاً على نفس الباخرة الأمي مصطفى فاضل الذي كان لسفره صدمة كبيرة لعباس باشا حيث كان يعامله معاملة حسنة ويغدق عليه بالأموال ليجعل منه مؤيداً له ، وما كان ليتخيل أن يقوم بمثل هذا العمل بعد أن أظهر له الميل والمحبة والتظاهر بالصداقة والنية الخيرة ولذلك أنعم عليه بماكينة مياه جديدة قيمتها ثلاثة آلاف كيس ، كما ساعده بمبلغ آلاف كيس لشراء دار سامي باشا ، وأنعم علي والدته بملبغ ألف كيس لشراء العقارات على أن تنزل من القسط المطلوب إلى الميري من القرى التابعة لعهدتها ، بالإضافة إلي شراء ماكينة مياه غير صالحة لأي شيء بمبلغ ثلاثة آلاف كيس ، في خلال عام واحد أنعم عليه بمبلغ ثمانية كيس ، بالإضافة إلى إعطاءه بعض القرى المعمورة بدلاً من القرى المختلفة حتى تأتي عليه بالمكاسب بدل الخسائر ، ويتضح من هذا استماله الأمير مصطفى فاضل لعباس حلمي باشا حتى يغدق عليه بالإنعامات إلا أنه خلال فترة قصيرة سلك طريق أخر بدون مبرر طلباٍ الالتماس له بالسفر إلى الآستانة بحجة العلاج فسمح له بالسفر إليها ، وكان قد سبق إلى هناك أخوه إسماعيل باشا وأنعم عليه السلطان عبد المجيد برتبة الباشوية وعينه عضواً في مجلس أحكام الدولة العلية ) منضماً إلى معارضي عباس باشا  

      فعقب وصول الأميرات والأمراء إلى الآستانة قاموا بمحاولة منهم إلى تشويه صورة عباس باشا أمام السلطان العثماني ويتضح ذلك من خلال ما أدعته الأميرة زينب هانم عن أن عباس باشا هو الذي أصدر أوامره إلى كامل باشا بأن يطلقها ، ولكن يتضح من خلال الوثائق الرسمية بأن عباس باشا لم يتصرف من تلقاء نفسه ، ونجد أن الأميرة زينب هانم قدمت إليه ذات يوم وشكت إليه سوء معاملة زوجها وتفضيله جارية عليها ، كما أنه فرق بينها وبين والدتها ولكنها اختارت أن تقيم معه في الآستانة بعيد عنها وصبرت على إيذاءه لها باستمرار ولكنه لم تعد تتحمل مثل هذا العذاب والشقاء وأصبحت راغبة في الطلاق بإبرائه من مؤخر الصداق ، وحاول عباس باشا أن يهدئ من روعها ووعدها أن سوف يسدي النصح إلى زوجها وقالت له " أنك لا تعرف زوجي معرفتي إياه ، وأن الفراق لأمر نهي ، كما أن الزواج أمر نهي فإن لم ترض الحل الذي ابتغيه فإني مقدمة على إتلاف نفسي " ولذا قام عمل عباس باشا على تطليق زينب هانم بناء على ما تريده ، كما اشترت الحكومة أملاكه والجفالك التي يملكها بمبلغ ثمانية عشر ألف كيس وإبرائه من دين لها بمبلغ خمسة آلاف كيسة ، وهذا على عكس ما أخبرت به والدة السلطان بحجة أن عباس باشا هو أراد أن يطلقها على الرغم من كونها تحبه ، وعندما سألتها والدة السلطان " يا هانم .. لماذا طلقت منه من زوجك ما دمت تحبينه لهذه الدرجة ؟ ولم تستطع الرد فبدأت تبكي ، فعندما علم السلطان بهذا الأمر عمل أن يصلح بينهما ويزوجها منه مرة أخرى ، وهكذا حاول السلطان الاستفادة من الطرفين عن طريق ترجيح كافة أحد الأطراف على الطرف الآخر .

         ويتضح من خلال الكتابات الرسمية التي أرسالها عباس باشا لكلين هانم عن مدى حزنه الشديد على غدر وخيانة الأمير مصطفى فاضل له ، كما أنه يحذرها من أن لا تنخدع من كلامه ولا تستمع إليه وأن تبذل أقصى جهدها في التصدي لكلامه وسد الطريق أمامه وأمام الإشاعات السيئة ضده والقضاء على شره عن طريق إذاعة الحقائق في الجهات اللازمة معبراً عن ذلك قائلاً " ... كنت أعلم أنه خائن ولكن لم أكن أنتظر أنه خائن إلى هذه الدرجة ظاهراً وباطناً وقد ظهرت الآن ، أنك كنت على جانب عظيم من الحق ويحترق قلبي من أجل هذا أيضاً ، غرضي بسط حالته هذه هو أن الأمير المشار إليه ليس كغيره من الأمراء فله آثار مشهودة في ميدان الكلام والتزوير فتكونين من الآن على يقظة وبصيرة من أمره وتعلمين طبقا له ولا تنخدعين بكلامه إذا كان يتظاهر لعصمتك أيضا بالحق والإنسانية حيث حين وصله إلى هناك ، وأني أقص هذه الأمور إلى عصمتك بنية خالصة وبصفة سرية ، أياك أن تفشيها ، وأما إذا تمكن الأمير المشار إليه من خدع عصمتك وإمالتك عن طريق الولاء بأساليب الخداع والمكر والحيل والقيل والقال فإن قضيتنا تؤجل إلى يوم القضاء ... "

        ويتبين لنا من خلال هذه الوثائق الرسمية مدى سوء العلاقات بين أعضاء الأسرة وكسر الوشايات في بينهم ، وبعد تولي عباس حلمي الحكم قام بإصدار أمر كريم للمالية بتخصيص خمسة آلاف فدان لنساء الأسرة العلوية ووزعت كالتالي :

 

المساحة

الجفالك

المنعم عليه

6000

من جفالك البحيرة

والدة سعيد باشا

1000

من جفالك البحيرة

والدة حسين بك

1000

من جفالك البحيرة

والدة علي بك

1000

من جفالك البحيرة

الأميرة قمر قادين

1000

من جفالك البحيرة

الأميرة ماه دوران قادين

1000

من جفالك البحيرة

الأميرة نوراك قادن

5000

من جفالك البحيرة

والدة الأمير محمد علي بك الصغير 

5000

من جفالك البحيرة

والدة زينب هانم

5000

من جفالك البحيرة

والدة حليم بك

3000

من جفالك البحيرة

ثلاث من زوجات إبراهيم باشا التي لم ينجبوا

5000

من جفالك البحيرة

والدة مصطفى بن إبراهيم باشا

5000

من جفالك البحيرة

والدة الأمير أحمد بك بن إبراهيم باشا

5000

من جفالك البحيرة

والدة إسماعيل بك بن إبراهيم باشا

5000

من جفالك البحيرة

والدة إلهامي باشا بن عباس باشا

5000

من جفالك البحيرة

أحد الجواري ولم يذكر اسمها  

54000 فدان

        فمن خلال الإحصاء يتضح لنا بأن إجمالي الأراضي التي منحها عباس حلمي باشا لنساء أسرة محمد علي باشا  قد بلغت 54000 ألف فدان بدلاً من 50000 ألف فدان ( كما ذكر في الوثيقة ) في مديريات البحيرة والشرقية والغربية ، ويوضح الأمير محمد علي في مذكراته بأن عباس حلمي باشا الأول هو أول من فكر في إعطاء أطياناً لسيدات الأسرة العلوية وبنات الأميرات التي لم يملكن شيئاً حفاظاً على شرفهن .

والجدير بالذكر هنا بأن الأميرة كلين هانم او ( الأميرة فاطمة ) كانت العين الساهرة لعباس باشا في الآستانة التي أوعز إليها ببذل المحاولات لصالحه مستغلة قربها من والدة السلطان والحريم الهمايوني والباب العالي ولذلك قام عباس باشا بتخصيص مرتب ثابت لها حتى تستطيع بذل المحاولات والتصدي للوشايات لدى السلطان العثماني لصالحه  ، ولقد انضم الأمير محمد سعيد باشا إلى معارضي عباس باشا بالإضافة إلى والدة زينب هانم ، وعند وصولهم إلى الآستانة بدءوا في توضيح موقفهم من عباس باشا وكيفية سوء العلاقات بينهم وسوء معاملة عباس باشا لهم ، حتى يعملوا على غضب السلطان عليه ويقوم بعزله من منصبه وتعين سعيد باشا بدلاً منه ، فضلاً عن محاولتهم لكسب ثقة السلطان والقصر الهمايوني إلى جانبهم ، مبررين بذلك من خلال سياسة عباس حلمي باشا الاستبدادية لهم ، فنجده كان يقوم بنفي كل من كان يخالفه في الرأي ويوشي به إلى السلطان ، كما أنه لم يكن يسمح لهم بزيارتهم لبعضهم البعض معبرين عن ذلك بقولهم " لا يسمح بمقابلة أحد للآخر، ولا يمكن التزاور في حالة المرض ، ولا يرى الأخ أخاه ، هذا إلى أن الناس لا تأمن على نفسها ولا على أموالها ، وإذا قدم أحد من إسطنبول يحجز في دار تشبه السجن بحيث لا يرى أحد....".

         وعندما اشتد الصراع بين أفراد الأسرة العلوية نجدهم انقسموا إلى قسمين فريق مؤيد وأخر معارض ، مما أدى إلى رواج الشائعات والأقاويل ضد كلا الطرفين لتكون سلاحاً قوياً ضد الآخر يستخدموه لتشويه صورته لدى السلطان العثماني والقصر الهمايوني وحاشيته .

وللحديث باقية عن الصراع علي الحكم في عهد عباس حلمي الأول ودور الدولة العثمانية فيه القادم باذن الله

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.