كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 18, 2021 - 173 Views

مظاهر التغير الاجتماعي والاقتصادي التي أعقبت قوانين دراكون"

Rate this item
(0 votes)

بقلم

 الدكتوره : بوسي الشوبكي

دكتوراه في تاريخ وحضارة اليونان

لم تكن محاولة كيلون في السيطرة على السلطة هي الأخيرة من نوعها، كما لم تكن قوانين دراكون التي حاولت ردع هذه التجربة هي نهاية المطاف، وإنما كانت حلقة في سلسلة متصلة من التغير داخل نظام الحكم في أثينا، فبعد أن سن دراكون قوانينه، اكتشف المجتمع الأثيني أنها لم تفي باحتياجاته بل استمرت هذه المشكلات، لأن قوانين دراكون لم تتناول إلا جانباً محدداً من مشاكل المجتمع الأثيني.

حقيقة الأمر أن الأرستقراطية الأثينية اتسمت بصفات جعلت منها طبقة جديدة يسند إليها الحكم، وأنها كانت تحاول أن تخدم المواطنين على اختلاف طبقاتهم، لكن سرعان ما تغيرت عن تلك الرغبات، وأخذ الحكام يستبدون بالسلطة، ويستغلونها أسوأ استغلال لرعاية مصالحهم الخاصة على حساب مصالح الآخرين، وتعددت مساوئ الحكم الأرستقراطي فكانت طبقة النبلاء وحدها هي التي تعلم أسرار الديانة، وهي المسؤلة عن تقديم القرابين واستشارة الإله قبل قيام الحكام علي أي عمل، فضلاً عن احتكارهم الاحتفالات الدينية وطقوس الزواج والطقوس الجنائزية. ومن ثم فقد اعتبرت طبقة النبلاء نفسها وصية على علاقة الإله بالأفراد وقد أدى هذا لشعور النبلاء بأفضليتهم على البسطاء من الشعب واحتقارهم. وقد ظهرت أثار ذلك بشكل واضح في الحالة التي وصلت إليها طبقة العامة من الظلم وعدم المساواة وفقدان حقوقهم. ووصلت هذه الحالة إلى درجة بالغة السوء فقد وقع كثير من أفراد هذه الطبقة تحت طائلة الدين، وانتزعت أملاكهم مقابل الوفاء بالديون للأفراد الطبقة الأرستقراطية، وتزايدت أعداد المعدمين، وبيع بعضهم، وأخذوا يفقدون حريتهم ويصبحون عبيداً هم وأبنائهم لدائنيهم.

واضطر بعضهم للعمل في أراضي الأرستقراطيين مقابل أجر بسيط يعادل سدس المحصول وقد أصبحوا يعرفون باسم أصحاب السدس"الهيكتموروي"Hektmoroi، بينما كانت تذهب الخمسة أسداس الباقية إلى أصحاب الأراضي، بينما من أراد أن ينجو بنفسه أن يفر خارج حدود أتيكا في منفى اختياري حتى لا يجد نفسه في ربقة العبودية وأغلالها.

إن الظروف الجغرافية المحيطة ببلاد اليونان جعلت المجتمع اليوناني بطبيعته فقيراً في الموارد الزراعية، ومن ثَمّاَ اتجه إلي حل جديد ليسد احتياجاته ومطالبه؛ فكان هذا الحل هو الأتجاه نحو البحر، وأخذت التجارة تتسع وتزدهر فنشأت طبقة التجار، وتزايدت أعداد التجار وأصبحت هذه الطبقة تشعر بكيانها ووزنها لذلك بدأت تعمل على تنمية مصالحها والاحتفاظ بسماتها ومميزاتها، وكانت تضغط على الطبقات الأخرى، فحاولت طبقة التجار الصاعدة الاشتراك في الحكم السياسي حتى ترعى مصالحها التي تعرقلها الطبقة الأرستقراطية.

لقد ساهمت عوامل عديدة في ظهور طبقة التجار، إلا أن قوة هذه العوامل تكمن في التحول الاقتصادي الكبير الذي حدث في القرن السابع قبل الميلاد، حيث تغير النظام الاقتصادي من نظام قائم علي المقايضة إلى نظام قائم علي العملة(نظام الرأسمالي)، ويرجع ذلك إلى أن اهتمام الإغريق بالتجارة والصناعة، ونال أفراد الطبقة الأرستقراطية حصة كبيرة من الفوائد التي عادت عليهم. فضلاً عن، أن العوامل المساعدة في انتشار العملة هو، اذدهار وتفوق التجارة بين بلاد اليونان وجيرانها بشكلاً واسع.

وصُنعت العملة في البداية من معدن الإلكتروم ثم الفضة التي تتوافر في مناجم أتيكا،  فأصبحت عملة أثينا أقوى أنواع العملة وأكثرها قبولاً في الأسواق اليونانية، ونتيجة لانتشار استخدام العملة في المعاملات التجارية بشكل سريع، فقد تأثرت الأوضاع الداخلية في المدن اليونانية تأثراً كبيراً، وأصبح رأس المال النقدي هو المقوم الاقتصادي الجديد، وأصبحت العملات النقدية الفضية تكون ثروات طائلة لأصحابها، وأصبح رأس المال النقدي يمثل ثروة تنافس ملكية الأراضي الزراعية، وكان الحصول على رأس المال النقدي أسهل بكثير من الحصول على ملكية  الأراضي، وبذلك لم يصبح امتلاك الثروات حكراً على أفراد طبقة النبلاء وحدهم  بل شاركهم في ذلك أفراد كونوا ثروات طائلة من العمل بالتجارة والصناعة.

أن ظهور الثروات النقدية صاحبه درجة عالية من تطور الفكر لدى مفكرين وحكماء من أبناء طبقة التجار، وأصحاب الأعمال، وملاك السفن؛ ففي المدن الإغريقية التي ظهرت فيها هذه الطبقة كان يدير زمام الحكم عدد قليل من المواطنين، ولذلك ظهر نظام جديد من أنظمة الحكم أطلق عليه "الحكم الأوليجاركي" أي "حكم الأقلية" والذي يختلف عن نظام الحكم الأرستقراطي، والذي يعني حكم الأفضل. وأهم ما يميز الحكم الأوليجاركي، أن السلطة تركزت في يد مجلس اقتصرت عضويته على المتمتعين بعراقة الأصل أو الثروة بحسب نوع الطبقة الحاكمة، وبالتالي أصبح الناس يتميزون حسب أموالهم فهناك طبقة أولى يزيد دخل أفرادها على 500 مكيال، والطبقة الثانية يتراوح دخل أفرادها 500- 300  مكيال، والطبقة الثالثة من 300- 200 مكيال، والرابعة تضم باقي المواطنين الأحرار ولا يقل دخلهم عن 200 مكيال. وعلى هذا فقد أضيف إلى التميز الطبقي والأنساب والأصول العريقة قياساً آخر ينطوي على ما لدى المواطنين من ثروة وبالتالي دخلت فئة جديدة في لعبة السياسة في المجتمع الأثيني فرضت وجودها بثرواتها وأموالها الطائلة.

ولقد أصبح لطبقة التجار وزن كبير في المجتمع الأثيني خصوصاً بعد التحولات الاقتصادية في تلك الفترة _من القرن السابع قبل الميلاد_، مما دفعهم كنتيجة طبيعية لموقعهم الهام إلى السعي للمشاركة في الحكم، والاشتراك في الحقوق السياسية حتى يضمنوا رعاية مصالحهم وتنميتها، كما كان في مقدور هذه الطبقة الصاعدة والتي أصبحت تسيطر على مورد أساسي من موارد الإنتاج أن تساوم الطبقة الأرستقراطية على هذه الحقوق مساومة الذي يقف على أرض صلبه، ومن ثم فقد كان الصراع بين الطبقة التجارية الصاعدة والأرستقراطية الحاكمة قاسياً وصعباً انتهى بنوع من الاتفاق نتيجة لتعادل القوى بين الطرفين، وفي وسط هذه الظروف التي شهدت تسلط الطبقة الأرستقراطية واستئثارها بكل جوانب السلطة من جهة ومن سخط العامة وطبقة التجار وتحفزها من جهة أخرى، فضلاً عن الأوضاع المجتمعية السيئة وتراجع قوة الحكم الأرستقراطي، فقد كانت الحاجة قوية لشخصية توافقية تنسج هذه الأطراف المتنازعة في نسيج واحد فكانت شخصية "المشرع سولون" .

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.