كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 25, 2021 - 214 Views

تشريعات سولون "Solon " أول خطوة في طريقة الديمقراطية

Rate this item
(0 votes)

بقلم الدكتورة/ بوسي الشوبكي.

     دكتوراه في تاريخ وحضارة اليونان

الجدير بالذكر أنه في كل مرة يحدث انشقاق داخل المجتمع الأثيني إلا ويعقبها محاولة لتصحيح الأوضاع، فمن قبل كانت محاولة كيلون للسيطرة على السلطة، والتي أعقبها قوانين دراكون، ولكنها لم تحقق قدراً كافياً من المصالحة الوطنية؛ فجاءت بعدها محاولات طبقة التجار الصاعدة، ورغبتها للمشاركة في الحكم. وبالفعل تحقق ذلك نتيجة لمتغيرات اقتصادية واجتماعية مما أدى في النهاية إلى إحداث قلق داخل المجتمع الأثيني نتيجة وجود قوانين بعيده عن مشاكل  المجتمع الأساسية، فظهرت شخصية سولون وقدم مجموعة من التشريعات الاصلاحية تناسب ظروف المجتمع آنذاك. حقيقة الأمر أن قوانين دراكون وتشريعات سولون كانت تهدف إلى استقرار الدولة والمجتمع عن طريق الاستفادة من ثرواتها لصالح جميع المواطنين وتحسين العلاقة بين الطبقات الاجتماعية، لا سيما وأن استبداد طبقة الأرستقراطية بالحكم جعلت الفقراء يتمردون عليهم ومن ثم اشتد النزاع بينهم وأصبحت الحاجة ملحة لقوة القانون والتشريع.

أصبحت أثينا علي شفا حفرة من النار، لولا أن ظهر في المجتمع الأثيني أرستقراطي وسطي معتدل وهو سولون، وقد أصبح أرخوناً "أي حاكماً تشريعياً" عام 594 قبل الميلاد،  ونال رضي جميع الطبقات لأنه استطاع تهدئة الموقف واعادة الحقوق لمستحقيها، وذلك عن طريق إرضاء كل الأطراف المتنازعة. وساعد علي نجاح  سولون والتفاف الشعب حوله والخضوع له هو جمعه بين عراقة الأصل والثروة التي جمعها من عمله بالتجارة، فشعر كل فرد من أفرد المجتمع بأنه واحد من طبقته يعبر عنه ويحمي مصالحه.

ومن أول لحظة تولى فيها سولون منصب الأرخوان عمل على إحداث تغيرات نسبية داخل المجتمع الأثيني من خلال القوانين والتشريعات التي تؤدي إلى هذه التغيرات، وشملت تشريعاته الدستورية جميع جوانب المجتمع؛ فكانت المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.   وكانت تشريعاته أساسها الحق والعدل ودعوة للتعايش السلمي. وبالإطلاع على تشريعاته سندرك أنه لم يكن بإمكانه تقديم أكثر مما كان، وأن الأسلوب الذي نهجه من التوفيق بين الطبقات هو الحل الأمثل لتلك المرحلة الصعبة من الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة القانونية التي كانت أول خطوة في طريق حرية الشعب .وكانت إصلاحاته كالتالي:

1- الإصلاحات السياسية:

 أن إصلاحات سولون السياسية كانت جوهرية ومحورية وخطوة هامة في التقدم نحو الديمقراطية، فقد جاءت خطوات الإصلاح السياسي كالتالي:

أ- التأكيد على سلطات مجلس الأريوباجوس:

  أقر حق المجلس في حفظ ومراقبة القوانين وأكد على منحه السلطة المطلقة في فرض الغرامات والعقوبات لمن يخالف القوانين والقضاء على أية مؤامرة تحاول إسقاط النظام السياسي في أثينا.

ب- إعادة تكوين مجلس الشورى:

وقد تكون هذا المجلس التشريعي من 401 عضواً ويختارون من بين طبقات الأغنياء والفرسان والحرفيون، وقد كان هذا المجلس موجوداً خلال الحكم الأرستقراطي وقد أوكل له سولون الإشراف على إدارة شئون الدولة وإجراء الانتخابات ومن ثم فقد أصبح هيئة تنظيمية لها وزنها في إدارة شؤون البلاد.

ج- تطبيق نظام الاقتراع في اختيار المسئولين:

لقد وضع سولون نظام ترشيح الموظفين حسب قبائلهم، فكانت كل قبيلة ترشح عشرة من أبنائها لشغل وظيفة الأراخون، ثم يتم الاقتراع بين هؤلاء لاختيار العدد المطلوب لهذا المنصب، وبهذا فقد فوت سولون الفرصة على بعض فئات المجتمع التي كانت تحتكر وتسيطر على السلطة.

2- الإصلاحات الاقتصادية:

تنوعت الإصلاحات الاقتصادية فشملت إصلاحات زراعية وصناعية وتجارية ومالية (العملة) وجاءت أهم إصلاحات سولون في تلك المجالات كالتالي:

 أ- تحريم تصدير القمح والحبوب:

 قرر تشجيع زراعة الزيتون وكذلك القمح الذي أمر بمنع تصديره ومنع تصدير أي محاصيل أخري فيما عدا الزيتون، وكان القمح لا يكفي حاجة السكان، وعلى الرغم من ذلك كان التجار الأثينيين يقومون بتصديره للمدن المجاورة ثم يستوردونه مرة أخرى ويحققون مكاسب من فارق السعر. وهكذا راعى سولون الأراضي الزراعية وكيفية زراعتها حتى تستطيع تحقيق وإنتاج الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية للاحتياجات السكان الغذائية، كما أنه حقق تقدماً ملحوظاً في مسألة حيازة الأرض ومحاولة الاستيلاء عليها من قبل الطبقة الأرستقراطية فانجذب سولون إلى مصلحة المزارعين فكسب بذلك شعبية كبيرة بينهم.

ب- تشجيع الصناعة المحلية والتصدير:

اهتم سولون بمسألة تطوير الصناعة الأثينية ورغبته في تصدير الفائض منها، فقدم مكافأة مالية كبيرة لكل من يسلم ذئب ميت إلى السلطة، وذلك لاستخدامه في صناعة الجلود، وكان يعمل أيضاً بشكل واضح نحو تقوية اقتصاد المدينة بتعزيز قوة العمل غير الزراعي فأمر بعدم تصدير عبيد أتيكا والتشجيع على تعلم حرف المهاجرين الأجانب الذين اشتغلوا في هذا الاتجاه.

  وكان سولون يهدف من زيادة الإنتاج الصناعي القدرة على التصدير ومنافسة منتجات الدول المجاورة وبصفة خاصه المنتجات الكورنثية لما تميزت به من شهره وانتشار واسع فكانت تنتج الأواني الفخارية المزخرفة، كما أعاد تنظيم الموازين والمكاييل والمقاييس فضلاً عن استخدام النظام النقدي لجزيرة إفثيا، وكان أشهر نظام مالي متداول وقتها في التعاملات المالية، كما الزم الصناع الأثينيين أن يعلموا أولادهم حرفة أو تجارة حتى لا يشبوا عاطلين يهددون أمن المجتمع، فقد كان سولون يؤمن بالمساواة الاقتصادية حتى تتحقق الديمقراطية السياسية.

ج- الإصلاح النقدي:

 وقد نجح سولون في سك العملة بشروطه الخاصة وكان نجاح إجراءاته في الاعتماد على سياسة مناسبة للظروف التي مرت بها أثينا، فحقق بذلك أغراضاً تجارية كما تفادى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية الأثينية وقتها، وكان ما يعنيه سولون من إصلاحاته استقرار نسبي في الدراخما وتجسيدها في سك العملة القومية وكيفية الحفاظ على الفلاحين في أتيكا من مقرضين الأموال الذين استغلوا تغير العملة الأجنبية وأعطوا التجار الأثينيين أساس للأسعار. ومن ثم كان البعد الاجتماعي بتخفيض قيمة الديون على الفلاحين أو إلغائها وإعطائهم الحرية وإطلاق سراحهم  أهم الآثار الإيجابية للإصلاح المالي.

وعلى المستوى التجاري كان سك العملة الجديدة حافزاً للتطور والتبادل التجاري في أثينا، لا سيما إذا عرفنا أن وزن العملة كان مختلفاً في المواني التجارية حسب كل دولة أو إقليم.

وخلاصة القول إن فرق تكلفة العملة وتغير شكلها كان مخططاً بشكل جيد، فتغيرت القيمة الشرائية للدراخما وبدا أثر ذلك على التجارة الخارجية الدولية مع أثينا وغيرها من المدن في كونها تصب في مصلحة التجارة الأثينية، فلقد كان سولون تاجراً قبل أن يكون مُشرعاً وقد أراد أن تأخذ أثينا قيادة في العالم التجاري اليوناني ومن ثم كان يؤهلها لهذا الدور ليس فقط على مستوى التقدم الزراعي وإنما في مجالي الصناعة والتجارة.

3- الإصلاحات الاجتماعية:-

أ- إلغاء الديون ورهن الحرية:

عمل سولون على إلغاء الديون على الحرية الشخصية وكان يعني إلغاء متأخرات الدين التي كانت تضع أصحابها في العبودية، وفقد حريتهم الشخصية هم وأبنائهم. فكان صاحب الدين إذا تعثر في سداده يصبح عبدا لدي الدائن. وبالفعل تمكن سولون من حل هذا الموقف من تحقيق المصالحة بين الدائن والمدين وإلغاء القروض علي اساس ضمان الحرية الشخصية، وأيضا حفظ حق الدائن اذا لم يستطع المدين أو تأخر في سداد ديونه.

ب- الحد من البذخ والإسراف:

لقد اعتبر الأغنياء أن الثروة هدية من الإله وبالتالي يتصرفون فيها كيفما يشاءون،  لكن سولون كان حريصاً علي عدم استفزاز الفقراء وحقدهم علي إنفاق الأغنياء وإسرافهم؛ فقرر حد أقصى لإنفاق الأغنياء إنقاذاً لمواردهم من ناحية ودرءاً لخطر داهم من الفقراء من ناحية أخرى تحقيقاً للاستقرار الاجتماعي في أثينا، فكان لابد من تحقيق المصالحة بين الأغنياء والفقراء.

إعادة تنظيم طبقات المجتمع:

 فكانت طبقاتهم كالتالي:

  • الطبقة الأولى: وتتألف ممن يملك خمسمائة (مديمنوس)، كان له الحق في تولي المناصب العليا في الدولة ، فكان منهم الأراخنة حكام أثينا وقواد الجيش ورؤساء المصالح.
  • الطبقة الثانية: (الفرسان): وهم أولئك الذين استطاع الواحد منهم أن يحصل على ثلاثمائة مديمنوس ولديه القدرة على أن يكون فارساً ، وتربية فرسه وتجهيزه للقتال وقد مُنِحوا حق تولي الوظائف الصغرى.
  • الطبقة الثالثة: (الفلاحون): وهم من تنتج الأرض لهم مئتى (مديمنوس) سائلاً أو جاهداً دون أن يحدد مقدار واحد منهم، بمعنى أن أبناء تلك الطبقة من الفلاحين وبعض الحرفيين والتجار كان بمقدورهم أيضاً تولي المناصب الصغرى.
  • الطبقة الرابعة: (المعدمون الأتباع): وهم الفقراء الأثينيين الذين لا يملكون شيئاً وبالتالي لا يقدرون على تولي تبعات المناصب فحرموا من ذلك نتيجة فقرهم وربما كان ذلك تخفيفاً عن كهولهم لا سيما وأن وظائف الدولة آنذاك كانت شرفية بدون رواتب بل تفرض على أصحابها أعباء مالية كبيرة لا يقدر عليها الفقراء أو محدودي الدخل.

4- الإصلاحات القضائية:

أ- إلغاء قوانين دراكون:

لقد رأى سولون أن قوانين دراكون قد سببت مشكلات كثيرة في المجتمع، وأنها كانت قاسية أكثر مما ينبغي فألغاها جميعها إلا فيما يخص جرائم قتل المواطنين لاتفاقه معه في فظاعة هذه الجرائم فاستمر في فرض عقوبة الإعدام على من يقوم بارتكاب هذه الجريمة.

ب- منع حق الاستئناف في القضايا:

لقد أباح لكل من يشاء أن يرفع دعوى ضد أي اعتداء جنائي في الحالات التي لا يكون فيها الأشخاص الذين وقع عليهم الضرر غير أكفاء شرعاً أو غير قادرين فعلاً فسمح لأي مواطن أن يقف إلى جانب ضحية الظلم لينصف الضعيف، لا سيما في قضايا الإهمال، واستثنى من رفع الدعاوى الجنائية قضايا قتل الوالدين. كما سن قانون يخول لكل من حكم عليه في دعوة حق الاستئناف إلى محكمة أخري جديده.

لقد تم تطبيق قوانين سولون ومارست فاعليتها في المدينة، حيث وعد الأثينيين وأقسموا على الإبقاء على هذه القوانين وعدم إبطالها، وبعد أن أتم سولون مهمته ترك وظيفته كأراخون واستقر الحال داخل المجتمع الأثيني ثم توتر النظام على الأرجح بعد الأربع سنوات الأولى من مغادرته للمنصب. لقد ترك سولون أثينا لمدة عشر سنوات وذهب في رحلات تجارية ربما ليعمل على تشجيع التجارة الأثينية وفتح باب التصدير للمنتجات الوطنية آنذاك وحتى بعد عودته اهتم بالشأن العام وأخذ خطوات جادة نحو تنمية المناجم.

 ونستطيع القول أنه خلال العشرين عام الأخيرة من حياته كان مشغولاً بالمشاريع والمصالح الاقتصادية التي يمكن من خلالها تنمية بلاده رغم إنهاء مدة حكمه، إلا أنه أظهر شكوك جدية حول مستقبل البلاد، على الرغم من محاولته تحقيق قدراً من العدالة لم يظهر فقط في تشريعاته، وإنما امتد إلى كتاباته الأدبية التي عبرت عن وضع المجتمع، وانتقاداته المستمرة للطبقات المستبدة على حساب حرية البسطاء الذي يجب أن تشملهم روح القانون. لقد شخص سولون الأمراض السياسية للمجتمع الأثيني، وفهم جيداً الأزمة السياسية، وعمل على إصلاحها ضماناً للعدالة والحرية في أثينا.

غير أن ذلك لم يضمن ترابط طبقات المجتمع، وإنما عاد الانشقاق السياسي بعد سولون حيث تشكلت دائرة الصراع السياسي في أثينا من ثلاث أحزاب وهي حزب السهل وهم حكم الأقلية وأعضاءه ملاك الأراضي السهلية، وحزب الساحل وهم من يعملون في التجارة والملاحة ولهم طموح في وضع دستور معتدل يضمن لهم المشاركة السياسية والحفاظ على مصالحهم، وحزب التل وهم العمال والفقراء في التلال الذين أصبحوا نشطاء سياسيون ويرغبون في لعب أي دور سياسي داخل المجتمع.

وعلى أية حال، إذا كانت تشريعات سولون قد بدأت بمقدمات اقتصادية بمقتضى أوضاع ومشكلات المجتمع آنذاك فإنها أفرزت بعض النتائج السياسية التي كان لها مردوداً كبيراً على تقدم مشوار الحريات والحقوق الفردية وحق المواطنة خطوة إلى الأمام في مسار البناء الديمقراطي، وكان مشروع سولون الإصلاحي في أثينا محاولة لتنبيه الأذهان نحو هذا الاتجاه الحقوقي والذي تلاه محاولات أخرى في حكم الطغاة وما بعدها.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.