كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 04, 2021 - 176 Views

عصر الطغاة الأغريق (قيام دكتاتورية الفرد الواحد)

Rate this item
(0 votes)

بقلم/ الدكتوره بوسي الشوبكي

دكتوراه تاريخ وحضارة اليونان

  • ما المقصود بالطغاة:-

أطلق الأغريق لفظ الطاغي "تِيرَانّوس" علي كل من ينتزع الحكم بالقوة، ويُنَصب نفسه حاكماً مطلقاً علي الدستور. ومرت بلاد اليونان وبهذا النوع الجديد من الحكم إبان القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. وبذلك لم يكن حكم الطغاة يشير إلى الظلم والاستبداد في بداية تأسيسه بل يعنى بكل وضوح حكم الفرد لصالحة الجماعة. فقد كان هذا الحكم أكفأ بكثير من الحكم الأرستقراطي الذى فشل في معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى واجهته، ولم يتمكن حلها بالحكمة والسياسة بل لجأ إلى القوة والعنف.

لقد كان الطاغية يجعل نفسه واصياً علي الفقراء المعدمين حتي يكسبهم إلي جواره، ولقد تميز الجيل الأول من الطغاة بالعدالة وكانوا عقلاء مستنيرين، أما الجيل الثاني من الطغاة بدأ يتحول هذا الحكم من العدالة إلى الظلم والاستبداد، وظهور بعض الطغاة الدموين، الذين أرتكبوا أفعالاً اتصفت بالعنف والدموية أفعالاً تقشعر لها الأبدان من قسوتها.

لقد ارتبط ظهور الطغاة بتدهور الحالة الاجتماعية نتيجة ظهور عامل اقتصادي جديد؛ وهو العمل بالتجارة وركوب البحر؛ وما ترتب علي ذلك من ظهور طبقة اجتماعية جديدة، وهي طبقة التجار، والتى نافست الطبقة الأرستقراطية القديمة. والعامل الأخر الذى ساعد أيضاً، في ظهور حكم الطغاة هو التطور في نظام الجيش. الذي لم يعد قاصراً علي أفراد الطبقة الأرستقراطية. بل بدأ يعتمد على أفراد الطبقة الوسطي والطبقات الفقيرة. ونلاحظ في بعض الأحيان كان ينحدر الطغاة من الأسر الأرستقراطية الناقمة علي الحكم الأرستقراطي نفسه. حيث لم يستطيعوا تحقيق أمالهم وحقوقهم في ظله. وكان بعضهم جمع رأس المال من العمل بالتجارة، وتمكنوا من تجنيد الطبقات الدنيا. وأيضا ظهر مجموعة من الطغاة العملاء الذين أقامهم الفرس حاميات عسكرية على مدن آسيا الصغري ليحكموا باسمهم، وذلك في أواخر القرن السادس قبل الميلاد.

انتشر حكم الطغاة في كافة المدن الأغريقية علي مدي عصورها، ومن أشهر طغاة هذا العصر طغاة مدينة كورنثا كوبسيلوس وابنه برياندر، وبسماتيخوس. وأيضا طغاة ميجارا وعلي رأسهم ثياجينيس، وأل بيزايستراتوس في أثينا يعتبرون من أهم الطغاة الذين أثروا في تاريخ الأغريق.

  • بيزايستراتوس طاغية أثينا:-

عاد الأنشقاق الاجتماعي مرة أخري في أثينا بعد تشريعات سولون، وظهر هذه  المرة في الصراع السياسي بين الأحزاب الثلاثة المتصارعة، وهي حزب السهل، (ملاك الأراضي السهلية الشاسعة)، وحزب الساحل (التجار)، وحزب الجبل (الراعاه). وانتهى هذا الصراع بانتصار حزب الجبل الذي كان يتزعمه الشاب بيزايستراتوس ، واستغل هذا النصر ونصب نفسه طاغياً (حاكم مطلق) علي أثينا عام 545 ق.م، وبهذا دخلت أثينا في مرحلة جديدة من مراحل الحكم، وهي  حكم الطغاة.

حكم بيزايستراتوس بمهارة عالية، إذ حاول كسب عطف الشعب بأكمله، وذلك بتنظيم الأحتفالات الدينية مثل احتفال الإله ديونيسيوس، كما كرم الربة أثينا حامية المدينة والمدافعة عنها. وسعي أيضاً أن تكون أثينا عاصمة بلاد اليونان فشجع الفنانين من المعمارين والنحاتين علي القيام ببعض المشروعات العمرانية لتجميلها.

لقد سار بيزايستراتوس على الحكم الفردي دون أن يمارس سلطة استبدادية بشكل مبالغ فيه؛ فعمل على أن يكون القانون هو وجهة للحكم، كما عمل على تحقيق بعض الازدهار للمجتمع الأثيني في بعض المجالات، فقام بمصادرة بعض أراضي الطبقة الأرستقراطية وتوزيعها على بعض أفراد الطبقة العامة كما اهتم بالنشاط التجاري فتحكم في مداخل البحر الأسود، والتي هي بوابة طريق قوافل السفن المحملة بالقمح اللازم لأثينا، وشجع علي أقام المستعمرات الأثينية وتوسيع حركة الانتشار والاستيطان.

ولم يكتفي بيزايستراتوس بذلك بل امتد اهتمامه بالفن والأدب فأقام المعابد، وكان ميلاد الفن المسرحي في عصره، فكان التعبير عن الرأي من خلال فن الكوميديا أحد مظاهر تلك الفترة، والتي كانت تحت رعاية حكم الطغاة، ومن ثم اكتسب النشاط السياسي في إطار حرية التعبير عن الرأي قيمة كبيرة في ظل هذا الحكم ليتشكل بذلك الوعي السياسي ويتطور نحو السعي إلى المطالبه بالحرية والعدالة.

كما يُنسب إلى عهد بيزايستراتوس تشجيعه على تدوين ملحمة الإلياذة والأوديسية بعد أن كانت الأشعار تتناقل شفاهة من جيل إلى أخر في ذلك الوقت. على أن مشوار بيزايستراتوس الإصلاحي توقف عند هذا الحد، حيث توفى وخلفه ابنه هيبياس وكان ضعيفاً في بداية حكمه، إلا أنه بعد مقتل أخيه هيبارخوس نتيجة مؤامرة نظمت خيوطها للقضاء على حكم الطغاة آنذاك جعلته أكثر دموية وقسوة وإرهاب للمحافظة على سلطانة وسيطرتة على الحكم ، ومن ثم تحول لفظ الطاغية إلى القسوة والاستبداد والعنف الدموي.

عوامل سقوط الطغاة :

يرجع سقوط حكم الطغاة في أثينا وحتى غيرها من بلاد اليونان إلى الأسباب التالية:

  1. تحول الطغاة من سياسة الاعتدال إلى الظلم والقوة والعنف.
  2. ضعف حلفاء الطغاة وانغماسهم في الترف والإسراف جعلهم مطمع لأعدائهم في سلطاتهم.
  3. قلة نفوذ الطغاة في الخارج وفقدانهم حلفائهم كما ضعفوا نتيجة انحسار دورهم ونفوذهم الاقتصادي والسياسي في الخارج وتزعزع وضعهم في الداخل.
  4. فقدان الدعامة الدينية التي استندا إليها الطغاة في إيجاد غطاء شرعي لتبرير أفعالهم واستبدادهم.
  5. المؤامرات والاغتيالات المستمرة التي تعرض لها الطغاة لنهاية حكمهم عن طريق الانقلاب أو القتل.
  6. نمو قوة جبهة المعارضة من المنفيين واستفحال خطرهم ففي بعض الأحيان كان الطغاة يقومون بطرد خصومهم من البلاد بذلك أنهم قد تخلصوا منهم ومن خطرهم في الداخل ولكن ما يلبث هؤلاء أن يوحدوا صفوفهم ويستجمعوا قوتهم وسيتجلبون المساعدات من الدول الأجنبية أو يحفزوا تلك الدول لغزو أوطانهم التي يحكمها الطغاة.
  7. يرى بعض المؤرخين أن حكم الطغاة جاء في الأساس لحل مشكلات المجتمع السياسية والاقتصادية وكسر شوكة الأرستقراطيين الجائرة؛ فإذا ما لم يتحقق ذلك فَقَدَ الطغاة مبرر وجودهم.

في حقيقة الأمر، كانت إصلاحات المشرعين(دراكون وسولون) أحد عوامل تطور المجتمع على الرغم من إخفاقاتها في بعض المراحل؛ فكان يستلزم ذلك تطوير هذه التشريعات في كل مرحلة من مراحل تطور تاريخ الفكر السياسي في أثينا، لينمي الوعي بالحريات والحقوق لكل مواطن. وبسقوط حكم الطغاة تدخل أثينا في مرحلة جديدة من مراحل هذا التطور وهي مرحلة الحكم الديمقراطي.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.