كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 04, 2021 - 202 Views

تلغراف الهنا

Rate this item
(0 votes)

بقلم د / قمرات السيد محمود

دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر

     لم يكد الخديو إسماعيل يتلقى نبأ وفاة عمه سعيد باشا في السابع عشر من يناير 1863م حتى طار فرحاً وتهللت أساريره لتبوئه عرش الديار المصرية، ثم ما لبث أن شرع في إقامة الزينات في مختلف أنحاء البلاد أستعداداً لأفراح وولائم دامت ثلاثة أيام بلياليها، ولقد بالغ في هذا الاحتفال مبالغةً شديدةً حيث قام بمنح العطايا والهبات إلى شتى الفئات، ويعد عامل التلغراف الذي زف إليه نبأ وفاة عمه سعيد باشا وإنفراده بولاية مصر من أشهر من أنعم عليهم إسماعيل في هذا الإحتفال حيث وهبه الأخير رتبة البكوية وصرة من العملات الذهبية.

    وكان لهذه الهبة قصةً شهيرةً تتلخص فحواها في أنه كان من عادة ذلك الزمان أن ينعم بلقب بك على أول من يحمل إلى والي البلاد الجديد خبر تقلده ولاية مصر، وإذا كان بيكا ينعم عليه بالباشوية، إضافة إلى صرة من العملات الذهبية، وكان بيسي بك مدير مكتب تلغراف القاهرة يعرف هذا التقليد جيدا وعليه ظل مرابطاً في مكتبه لا يغادره ليلا ولا نهاراً وبين الحين والآخر يتصل بزميله رئيس مكتب تلغراف الإسكندرية يستعجله خبر وفاة الوالي سعيد باشا، وظل بسي بك على هذا المنوال من العمل المتواصل عدة أيام بلياليها لم يخلد فيها إلى النوم إلى أن تملك منه التعب الشديد حتى كاد أن ينهار، فخطر بباله أن يستريح قليلاً من عناء العمل ويغفو لبضعة دقائق ينوب عنه فيها معاونه كي يستطيع أن يواصل ما بدأه ليفوز بمبتغاه، ويكون أول المبشرين بتولي إسماعيل باشا عرش مصر، وبالفعل استدعى الرجل معاونه وطلب منه أن يوقظه على الفور إذا ما وردت إشارة تفيد بوفاة الوالي، ووعده بخمسمائة فرنك هدية مقابل ذلك، وقبل المعاون العرض واستلقى بسي بك على الأريكة الكائنة بمكتبه وراح في سُبات عميق، وما هي إلا دقائق معدودة من ذلك حتى وردت الإشارة المبتغاه وتلقى المعاون نبأ وفاة الوالي، بيد أن هذا الموظف كان له من المكر والدهاء ما جعله يخلف وعده ويغير وجهته، فبدلا من أن يتجه بالإشاره إلى رئيسه حسبما تم الإتفاق عليه سابقا أسرع بها إلى قصر إسماعيل باشا الذي قرأها والسعادة تعلو وجهه فشكر الله وترحم على عمه، ثم نظر إلى الموظف الجاثي أمامه وقال له "أنهض يا بك" ومنحه نفحة من المال وأذن له بالإنصراف، ولكن هذا الموظف كان شديد الجشع فقد عاد بعد ذلك إلى إدارته، وأيقظ بسي بك من نومه، وقدم إليه البرقية وكأنه تلقاها على التو، ونهض الرجل وهو يهتز طربا وأخذ يشكر معاونه، وهم بالخروج قاصداً القلعة، لكن المعاون ذكره بالمكافأة، فأخرج الآخر كل ما في جيبه من نقود ودسها في جيب المعاون، ثم أنطلق إلى القلعة، فلما بلغ مشارفها سمع دوي المدافع إبتهاجاً بتولية إسماعيل باشا، فسأل أحد رجال البلاط يستفسره النبأ، فأبلغه بما حدث من معاونه، فصعق بسي بك من هول الخيانة وأدرك اللُعبة التي وقع ضحيتها وعاد يلعن موظفه الذي خدعه مرتين: مرة عندما أنفرد بصرة الذهب.. ومرة عندما سلب منه المكافأة التي لا يستحقها، فلما بلغ بسي بك المكتب وحاول تعنيف معاونه صاح فيه الأخير محذراً مغبة التطاول عليه قائلاً له:-" لقد أصبحت بيكا مثلك".

    وهكذا فقد تمكن هذا المعاون بدهائه من اقتناص تلك الفرصة الثمينة التي جاءته على طبق من ذهب دونما جهد منه متجاهلاً رد فعل سيده لأنه على يقين بالسعاده التي تنتظره ريثما استغلها.   

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.