كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 04, 2021 - 31 Views

التوليب زهرة الحب ..

Rate this item
(0 votes)

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

عيد الحب .. عيد العشاق .. فالاتنين داي .. اختلفت المسميات ولكن الفعل وحده واحد، الحب هو رمز السعادة الأبدية، هو ما يسعي إليه البشر في كل يوم يمر عليهم، هو الهدية التي ينتظرونا إشراقها كإشراقة شمس الربيع مع كل يوم لتبدد برودة حياتهم ، وفي ذلك اليوم يتبادل المحبون والعاشقون الأصدقاء والأهل والمقربون الهدايا التي تتعدد وتختلف أشكالها، ولكن دومًا ما تكون الزهور والورود هي رمز الحب الأشهر والأكثر تميز، لنري اليوم حكاية واحدة من أشهر أنواع الزهور .. زهرة التوليب أو زهرة الحب ..

تعتبر زهور التوليب بألوانها وأشكالها المتنوعة من الأزهار الأكثر شعبية في الكثير من دول العالم، أما موطنها الأصلي فهو شرق تركيا وسهول آسيا الوسطي، حيث زرعها العثمانيون ونقلوها بعد ذلك إلي عاصمتهم استنبول، وتم تدشين الحدائق العامة التي اهتم السلطان محمد الفاتح في زراعتها وتنسيقها بشكل كبير، كما هو الحال بالنسبة للسلطان سليمان القانوني الذي جرى في عهده تطوير هذه الزهرة واستنساخها، ويُقال أن ما لفت أنظار الإمبراطورية العثمانية لهذه الزهرة، ليس جمالها فقط، وإنما لتشابه أحرفها العربية باسم الجلالة، فهي تعني بالتركية "لاليه"، فضلًا عن أن قراءتها بالمقلوب تعني "هلال" وهو شعار الدولة العثمانية. وكانت تزين قصور السلاطين وحدائق الصفوة.

وهكذا وجدت هذه الزهرة مكانتها العالية في الثقافة العثمانية، ما شجع السلطان سليم على إدخال أنواع جديدة من زهرة التوليب التابعة لعائلة الزنبقيات، فطلب 300 ألف نوعًا من البصيلات والشتلات المميزة والنادرة من مدينة فيودوسيا الأوكرانية، فزدادت قصور السلاطين جمالًا وازداد معها فضول الزوار الذين أتوا إلى إستنبول وتأثروا بجمال زهور التوليب.

أكد ذلك كتاب "سفريات" لرحالة العثماني، أوليا جلبي، حين وصف متعة التنزه والنظر إلى زهور التوليب في حدائق المنازل حول مضيق البوسفور، بالجانب إلى مذكرات طبيب فرنسي اسمه بيلون، زار إسطنبول في عام 1549 وذكر أن الكثير من الناس أتوا إلى إستنبول بالسفن للحصول على زهور التوليب التي تفنن الأتراك في التعبير عن جمالها في أشعارهم خلال القرن الخامس عشر، واستخدموا أشكالها في صناعة الزخارف والأقمشة والسجاد، خاصةً في مسجد السليمانية التي تظهر فيه ألوان وأنواع هذه الزهرة بوضوح.

فبالإضافة إلى الجمال والرمزية الدينية، فإن تعلق الأتراك بهذه الزهرة يرتبط بالفترة التي نشأت فيها والتي تميزت بالفن والذوق العالي، وذلك عقب توقيع معاهدة السلام مع الإمبراطورية النمساوية في عهد السلطان أحمد الثالث الذي أمر بإنشاء مجلس أعلى للزهور وشاع في عصره رسم زهرة التوليب في اللوحات الفنية والمجوهرات والحوائط والملابس، وذلك بعد سنوات طويلة من الحروب والركود.

كلمة توليب مأخوذة من كلمة " تولبنت " وهي تشير إلي عمامة السلطان العثماني التي تشبه في شكلها زهرة التوليب. حيث كان العثمانيين يضعون التوليب على عمائمهم، وعند سؤال الأوروبيين عن هذه الزهرة، اعتقد الرجل العثماني أن الأوروبي يسأله عن عمامته، فقال له "تولبنت" أي العمامة بالتركية، ومنذ ذاك الحين، شاعت باسم "توليبان" بين الهولنديين ثم ترجمها البريطانيون إلى "توليب".وفي القرن السادس عشر الميلادي اعتبر التوليب رمزًا للثراء، فكان بإمكان الأثرياء فقط الحصول عليها لندرة وجودها وارتفاع ثمنها.

انتقلت زهرة التوليب إلي هولندا من تركيا عام 1562م، وقد تعاظمت شعبيته في هولندا وأوروبا كلها، وانطلقت علية القوم في تنافس لامتلاك أكثر الأبصال ندرة، وتعاظمت المنافسة حتى وصلت الأسعار حدوداً عالية، مما أدي إلي حدوث أزمة اقتصادية كبيرة عرفت باسم " جنون التوليب " أو " الهوس الخزامي ". وقد أصبحت هولندا أول دولة منتجة لهذه الزهرة في العالم، حيث يصل إنتاجها إلي حوالي بليون زهرة سنويًا، تليها كولمبيا.

هناك العديد من الأساطير التي تحكي لنا قصة زهرة التوليب وسبب تسميتها بزهرة الحب، فيحكي أن شابًا من بلاد الفرس يدعي فرهد " فرحات" أغرم بفتاة تدعي شيرين لسنوات عديدة، وحين علم بخبر وفاتها امتطي صهوة جواده وقفز به من فوق جبل شاهق فلقي حتفه، وحين سالت الدماء منه نبت في موضع كل قطرة دم من دمائه زهرة التوليب وغدت رمز للعشق والإخلاص.

وفي بعض الأساطير تم تشبيه زهرة التوليب بالمرأة التي تبقي حبها سرًا داخل قلبها ولا تفصح عنه، وبالفعل نجد زهرة التوليب بأوراقها ملتفة ومغلقة.

وقصة التوليب في كندا تعود إلى عام 1945 قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية إذ استقبلت كندا في ذلك الوقت الملكة جوليا ملكة هولندا التي تركت بلدها إثر اندلاع الحرب واستقبلها الكنديون في بلادهم ومنحوها مساحة من الأرض لتكون أرضاً هولندية حتى تستطيع أن تنجب وليّ العهد في أرض هولندية كما ساهموا في تحرير هولندا. وعِرفاناً منها بجميلهم أرسلت لهم الملكة مائة ألف زهرة من زهور التوليب ليزرعوها في بلادهم وتحولت بالتالي إلى رمز عالمي للصداقة بين الشعبين.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.