كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 04, 2021 - 109 Views

أسواق المدن الإسلامية

Rate this item
(0 votes)

                 بقلم د :  ريهان نجدى

             دكتوراه  في التاريخ والحضارة الإسلامية

تمثل الأسواق المركز الحيوي للنشاط الاقتصادي و التجاري لأى مدينة من المدن ووسيلة الحصول على حاجات الناس حيث شكلت أهمية كبيرة  لرواج تجارة أي مدينة ، حيث أن هناك مدناً تمتلك تجارة رائجة ، إلا أنها تقف عاجزة عن تسويق هذه التجارة لعدم وجود أسواق لعرضها ، وقد إعتاد المسلمون عند بنائهم لأي مدينه ان توضع سوقه في وسط المدينة بجوار المسجد ، كما حرصوا علي توافر الطرق المؤدية  الي هذه الأسواق حتي يسهل الوصول اليها وتسهل حركه المرور كما كانت مزودة بأرصفة للمشاة وأرضية للركبان وحرس يطوفون بالليل لحراستها وحمايتها من اللصوص ، وموظفون يتولون الإشراف عليها واختيار المكاييل والموازين ومن هنا برزت وظيفة المحتسب الذى تولى هذه المهمة وقد يحل محله قاضى المدينة  في حالة عدم وجوده وقد ظهرت هذه الوظيفة عهد الخليفة المهدى "158-169هـ"حينما توسعت الأسواق وانتظمت أحوال المدن الإسلامية ، واصبح لكل سلعة سوق خاص بها وكان مأمور من الحاكم لملاحظة سير الأمور فى البلاد ، ومنها فحص النقود  وملاحظة صحة العيار، وضبط الميزان وأسعار البيع وبصفة عامة فقد أنصبت مهنته على مراقبة أمور الرعية ،  والنهى عن المنكر، وإعداد قوائم بأماكن الصناعات في الأسواق وترتيبها لسهولة الرجوع إليها ، وحل المشكلات التي تنشب بين  الصناع بالمعاونة  مع  القاضي لذا كان لزاماً أن يكون خيراً ، عالماً ،  غنياً، نبيلاً ، عارفاً بالأمور، محنكاً ، وفطناً ، لا يميل ولا يرتشى ، ولا يتولى خساس الناس ، ومن يريدون أكل أموالهم  بالباطل ، إلا انه فى بعض الأوقات قل الدور الذى قام به المحتسب كأواخر عهد الاخشيديين ولكنه ما لبث ان ظهر مرة أخرى عهد الفاطميين حيث أصبح في عهدهم في مكانه الأمراء وأصبح له ديوان خاص يعرف بديوان العرائف.

وكانت أسواق المدن الإسلامية بصورة عامة  اما في مكان واحد متسع وتكون متسعة الحوانيت والمخازن ، أو علي جانبي الطرق ، وكان منها أسواقا مسقوفه إما بالحجارة او المعدن او بالخشب كأسواق بلاد الشام مثل منبج وحلب ومعرة النعمان وبعض اسواق دمشق .

كما كان يتصل بالأسواق الكبيرة أسواقا فرعية متخصصة كأسواق الصفارين والعطارين والشماعين وغيرها ، وكانت فى مجملها أسواقا ضيقة غير مرصوفه وغير مستوية الاستقامة تغطيها الحصر او التراب او الأخشاب ، تصطف على جانبيها حوانيت حقيرة تستخدم للمبادلات وأعمال البيع والشراء ، ولكل سوق من الأسواق مراقب يتابع أحواله يعرف بصاحب السوق مهمته مراقبه البضائع وجودتها ومراقبه عمليه البيع والشراء كما كانت هذه الأسواق موزعة على حسب نوعية البضائع  والصناعات المباعة ، وكان يتم تامين كافه ما يلزم من خدمات للتجار وتجارتهم من خلال ما يعرف بالقيساريات  , وهي كلمه غير عربيه تعني مجموعه من الأبنية تقام مقام الأسواق ، وهي منشآت ومساكن للتجار القادمين من خارج المدينة او الدولة ، يبني فوق هذه المؤسسات  رباع فيها مساكن تؤجر للتجار او للسكن بشكل عام ، كما كان هناك سوقا خاصا لكل سلعه  حيث نظمت الأسواق على أساس التخصص فكان تخصص كل سوق مرتبط بالسلعة المعروض فيها ، وكان لكل تجارة شارع معلوم خاص بهذه التجارة ، إلا ان هذه الظاهرة كان لها مجموعة من العيوب أهمها ان الفرد اذا أراد شراء مجموعة من الأصناف وجب عليه ان يتجول فى المدينة كلها لشراء احتياجاته.

وكانت أسواق المدن بصورة عامة شوارع متوازية تقفل عند إنتهاء البيع بأبواب موجودة على مداخلها ، وكانت هذه الشوارع متباينة المساحة ما بين المتسع والضيق الذى لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار مما عمل على إزدحام هذه الأسواق بصورة مستمرة ، وتكون الحوانيت الخاصة بالسلع مصطفى على هيئة صفوف لبيع سلعها جامعة لكل الصناعات والتجارات ، وكل هذه الأسواق مزودة بالحمامات والسقايات اللازمة لتزويد التجار والمشترين بالمياه ليس فقط في داخل السوق ولكن في كل الطرق المؤدية  اليه  وقد كانت هناك بعض المدن كمدينة قيسارية تشهد نوعا آخر من الأسواق حيث كانت السفن تدخل تحت سور المدينة حتى تصل الى الحوانيت فكان أهلها يبيعون ويشترون وهم  في سفنهم .

وكانت أشهر هذه  الأسواق  أسواق بلاد الشام كسوق الرملة وسوق طبرية وسوق دمشق وسوق بيت المقدس الذي كان له دورا هاما من خلال زواره علي رواج التجارة الشامية ، حيث حرص كل التجار علي التواجد بهذا السوق وكان يقام في شهر أيلول "سبتمبر" من كل عام ، وسوق عمان وأسواق الناصرة والرملة والقدس وصور وطرابلس ونابلس وغزه .... وكذا أسواق العراق وأهمها أسواق مدينة البصرة فقد كانت تمتلك ثلاث أسواق داخل المدينة نفسها، وهى سوق الكلاع ، وسوق الكبير، وسوق باب الجامع ، بالإضافة إلى أشهر أسواقها وهو سوق المربد الذى يقع غرب المدينة  وكان سوقاً كبيراً  ومن أشهر الأسواق التي شملها سوق البزازين وسوق الصفارين ، وسوق القصارين الخاص بغسل الثياب وتنظيفها بمطارق من الجلد  وكانت مباني الدباغين قد أعدت بجانبه  الشرقي وكذا سوق مدينة الأبله وكان من أشهر أسواقها وأروجها تجارة، فكان ثراء تجارها واضحاً ، نتيجة لازدياد النشاط التجاري بها، فكان يباع فيها الكتان الرفيعة، والقصب الميسانى  والحرير، وكان يقصدها تجار كثير من المدن مثل الهند والصين، وتقع أسواقها على الضفة الغربية من شط العرب ، وفى الجهة الجنوبية منها تكثر الحوانيت  التي اكتظت بها المدينة حتى قال عنها خالد بن صفوان "ما رأيت أرضاً مثل الأبلة مسافة ولا أغذى نقطة ، ولا أوطأ وطيه، ولا أربح لتاجر، ولا أحنى لعائد"، فكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها.

 

  وكان بعض التجار ينقلون تجاراتهم الى أماكن تجمع الناس في فترات النزهة كيوم السبت من كل أسبوع كما كانت هناك بعض الأسواق الريفية تقام في مواعيد اسبوعية محددة ، تقام على أطراف المدن الكبيرة  والقرى ، وكانت تسمى باسم الأيام التي تعقد فيها ، وكان بائعوها من أهل المناطق التي تبعد عنها مسيرة يوم واحد ،  وكانت هذه الأسواق تتميز بقذارتها لما يتواجد فيها من حيوانات عديدة كالخيل والجمال لذ كانت في غالبها أرضيتها ترابية ، كما كانت هناك بعض الأسواق الموسمية التي تقام في أوقات ورود بعض البضائع كالتوابل  والمنتجات الشرقية التي ترد من الهند فتكون مواعيدها محددة سنويا لا تتغير.

* كما كان لهذه الأسواق بالإضافة الى دورها التجاري دورا أخر سياسيا حيث كانت تتخذ معتركا في ثورات أهل المدن ، كما كانوا يجتمعون فيها لسماع أوامر السلطة الحاكمة وتنبيهاتها

* كما كان بعض الوعاظ والقصاص يتخذون  الأسواق والطرقات مكاناً للوعظ  فكانوا يمشون فيها واعظين  وآمرين بالمعروف  وناهين عن المنكر، مثل إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار، الذى كان يعظ في تجمعات بالسوق المساجد أو ليقصوا على الناس بعض الآيات والأحاديث وقصص السلف .

* كما كان لهذه الأسواق دورا ثقافيا حيث كانت تعقد في سوق المربد أو فى الحوانيت والساحات العامة  بالبصرة مجالس ثقافية ، وكانت تشهد أعلام الشعر والأدب واللغة للمناظرة بينهم والمناقشة ، وكانت تتدفق أعداداً كبيرة من البصريين محبى هذه الثقافة للاستمتاع بهذه المناقشات.

كما كانت تعقد بها بعض مجال الأحاديث  وهى مجموعة من المجالس البسيطة التي تجمع بين الأفراد والأصدقاء وأصحاب المهن الواحدة ، لتبادل أطراف الحديث في أي مكان والتي تعرف بالأندية ، فيتحدثون عن مهنهم وحياتهم ومتاعبهم وذلك للتخفيف من عناء العمل .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.