كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 18, 2021 - 209 Views

حي الظــاهــر مجمعًا للأديان

Rate this item
(0 votes)

بقلم : د. إيمان محمد العابد

دكتوراه في الآثار والفنون الإسلامية والقبطية

مفتش أثار ـ وزارة السياحة والآثار

يتعجب الكثيرون من كم التسامح الذي تعيشه مصر وروح الإخاء التي تكلل العلاقات بين أبنائها على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم . ولم لا ؟؟ ، ولم العجب إذن ؟!

إنها مصر يا سادة .. التي يتعانق في سمائها هلالها وصليبها ؛ فصيحات التهليل والتكبير التي تصدح في ربوع مصر كافة ، لتصل حتى عنان السماء والتي كثيرا ً ما تتزامن معها دقات أجراس أبراج كنائسها ؛ جعلت القاصي والداني شهودا ًعلى احتضان سماء مصر للأهلة والصلبان ولسان حالها يجسد قول الحق جل وعلا أن : } كونوا عباد الله إخوانا  {.

إنها أرض السلام والمحبة والإخاء .. التي لطالما احتضنت أعراقا ً وشعوبا ً مختلفة ومتنوعة ؛ فمثلما كانت مصر مهدا ً للحضارات الإنسانية ؛ شهدت أرضها مولد أعرق وأقدم الحضارات ممثلة ً في الحضارة الفرعونية .. فتحت مصر أبوابها استقبالا ً لأبناء نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ ؛ إخوة نبي الله يوسف الصديق ـ عليه السلام قادمين من أرض كنعان ،، كما كانت أرضها كذلك مهدا ً لبعض الديانات السماوية والرسالات الربانية ؛ إذ لا يخفى علينا أن اليهودية تنزلت على نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ بأرض مصر ؛التي شرفها الله ـ عز وجل ـ من عليائه باختيارها ؛ ليتجلى بها لنبيه موسى ـ عليه السلام ـ في سينائها .

كانت مصر كذلك الملاذ الآمن والملجأ الذي فرت إليه واحتمت به السيدة "مريم العذراء" ـ عليها السلام ـ ، عندما وطأت قدماها الشريفتان أرض مصر ؛ هربا ً من بطش الرومان بوليدها "السيد المسيح" ـ عليه السلام ـ ؛ فأضفت على تلك البقاع الكثير من الخير والبركات ، مثلما جاء على لسان المسيح عيسى بن مريم ـ عليه السلام : } مباركٌ شعب مصر {

وبالمثل فتحت مصر أحضانها للإسلام والعرب الفاتحين ، عندما قصدوها لنشر راية الإسلام واتساع رقعته ؛ فلم يجدوا من أهلها الأقباط أي معارضة أو مقاومة تذكر ؛ بل على العكس وجدوا منهم كل ترحاب وإكرام ؛ حيث وجد أقباط مصر في هؤلاء المسلمين الوافدين خير ناصر ومعين لهم للتخلص من الاستعمار الروماني الذي طالما كان يفت بعضدهم ويسلب خيرات بلادهم ويذيقهم ألوانا ً وصنوفا ً من التنكيل والعذاب .

فلا نعجب من تشريف اسم مصر بذكرها في التوراة والإنجيل والقرآن ، وفي مواضع عديدة يعرفها معظمنا ـ نحن المصريون ـ ونحفظها عن ظهر قلب ـ ؛ فقد شهدت أرضها أحداث جلل ووقائع عظمى ارتبطت بالعديد من أنبياء الله ـ عز وجل ـ 

ومثلما كانت مصر الكبرى مجمعا ً للديانات والرسالات الربانية ، جسدت الكثير من بقاعها هذه الرؤية وتلك الفكرة التي جرى تطبيقها ـ دون قصد ـ في مناطق كثيرة ومتنوعة من أرض مصر ؛ فهاهي أحدى بقاعها ممثلة في "حي الظاهر" ، واحدا ً من أقدم وأعرق أحياء مدينة القاهرة ، والذي يقع في قلب القاهرة العامر بالتنوع والاختلاف ، عاش فيه المسلمون جنبا ً إلى جنب بجوار المسيحيين واليهود ؛ حيث صنوف من البشر متنوعين بين طبقات راقية مثل باشاوات القرن الماضي وأخرى شعبية من أبناء مصر من الحرفيين والمهنيين والتجار وغيرهم  .

بادئ ذي بدء لابد لنا أن نعرف سبب تسمية هذه البقعة بهذا الاسم "حي الظاهر" ، ولا يخفى علينا أن الحي كان قد سمي على اسم جامع " الظاهر بيبرس البندقداري" ، الذي شيده السلطان الظاهر بيبرس البندقداري ـ أحد سلاطين دولة المماليك ـ الذي كان يحكم مصر ، وفي عام 1266 م، أُعيد فتح الجامع الأزهر لأداء صلاة الجمعة ليصبح ثالث مساجد القاهرة المسموح فيها فقط بأداء صلاة الجمعة ، وبعد مرور عام شرع السلطان الظاهر بيبرس في بناء جامع أخر لتقام فيه صلاة الجمعة ، وكان الموقع الذي تم اختياره للجامع الجديد ، وهو "جامع الظاهر بيبرس " بـميدان قراقوش" ، وهو مربع كبير شمالي المدينة كان بيبرس يلعب فيه لعبة البولو ؛ وقد انتهى البناء في عام 1269 م ؛ليشغل الجامع مساحة شاسعة قدرها 500.12م2

ظلت الشعائر الدينية مقامة بالجامع ، ولم تعطل حتى أوائل القرن الـ 16م مع دخول العثمانيين، وذلك لاتساعه وعجز الدولة عن الصرف عليه لذلك ساءت حالته ، ولحقت به العديد من مظاهر الخراب والدمار.؛ حيث بدأ العثمانيون بخرابه عند تحويلهم الجامع إلى مخزن للمهمات الحربية ، وفى عهد الحملة الفرنسية تحول إلى قلعة وخيمات للجنود ؛ أما في عهد محمد على تحول لمعسكر لطائفة من الجند ومخبز ثم استعمل بعد ذلك مصنعا للصابون ، فقد عاني الجامع كثيرا ً من الإهمال ومرت عليه عهودا ً طويلة من الخراب والهجر .

وحاليا ً يخضع الجامع كاملا ً لمشروع ترميم ضخم بتمويل من دولة كازاخستان ـ مسقط رأس السلطان الظاهر بيبرس ، وتحت إشراف قطاع المشروعات التابع لوزارة السياحة والآثار ؛ وذلك في محاولة لإحياء الجامع من جديد واستعادة الرونق المعماري والروح الجمالية له كما كان في أزهى عصوره ، بالاستعانة بالأوصاف والشروح التي ذكرها المؤرخون الذين عاصروا الجامع وأوردوه في كتاباتهم ، إلى جانب الاستعانة كلك بالرسوم التوضيحية والاسكتشات التي رسمها الرحالة الذين زاروا المنطقة وقاموا بعمل رسومات للجامع .

شهدت فترة القرن التاسع عشر الميلادي  بناء عدد من المباني الدينية المتنوعة بـ "حي الظاهر" ؛ ففي مواجهة جامع الظاهر وعلى بعد عدة أمتار من واجهته الجنوبية الغربية نشاهد المجمع الكنسي ـ المسيحي ـ ، المعروف باسم "دير طور سينا" ؛ الذي شيد في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، والذي يشتمل على سكن لإقامة الرهبان من دير سانت كاترين للروم الأرثوذكس وكنيسة مرفقة. وقد عرفت المنطقة المحيطة بمجمع الكنيسة باسم "طور سينا" أي [جبل سيناء] (حيث يقع الدير).

وفي الجهة الجنوبية الغربية من المجمع الكنسي قام "راهبات سيدة النجاة" بإنشاء مدرسة للفتيات عام 1893م لتعليم الأطفال في سن المدرسة على أيد الراهبات والرهبان الكاثوليك الناطقون بالفرنسية ، وبعد خمس سنوات حذا "رهبان المدارس المسيحية" حذوهن، وأقاموا مدرسة "كوليج دو لا سال" للصبيان .

وفيما يتعلق بالمنشآت الدينية اليهودية ؛ فكان من بينها المعبد اليهودي "نيفي شالوم   " Neve Shalomـ أي ـ "واحة السلام"، الذي شيد عام 1890 م ، وظل معروفا ً بأنه المعبد الرئيسي لليهود في القاهرة ؛ حتى تم بناء معبد "شعار هاشامايم Chaar Hachamaïm" ـ أي ـ "بوابة السماء" في شارع عدلي بوسط البلد الذي يعد حاليا ً مقرا ً للطائفة اليهودية ، وقد كان معبد "نيفي شالوم" أو “الكنيس الكبير”، كما كان يُطلق عليه الأول فقط من عدة معابد تم بناؤها في المنطقة ؛ حيث تلاه معبد "نسيم أشكينازي "Nessim Eshkenazi ؛ الذي بني عام 1894م .
كما تأسست العديد من المباني والمؤسسات الجديدة اليهودية خلال العقود الأولى من القرن العشرين ؛ منها على سبيل المثال تأسيس معبدين آخرين إضافة إلى المعبدين سالفي الذكر ؛ وهما  معبد "عتص حاييم" Etz Haïm ـ أي ـ "شجرة الحياة" في عام 1900 م ، ومعبد "بحاد إسحاق" "Ishak – Pahad "قريب إسحاق" في 1925 م ، كما نشأت أيضاً في هذه الفترة كنائس تنتمي إلى الطوائف المسيحية المختلفة ؛ حيث أصبح هناك في هذا الوقت كنيستان من الكنائس الأرثوذكسية اليونانية ؛ الأولى التي في طور سينا وأخرى هي كنيسة رؤساء الملائكة في شارع الظاهر. بالقرب منها كانت توجد أيضاً كاتدرائية القيامة للروم الملكيين الكاثوليك والبطريركية  ، وقد شملت الكنائس الأخرى التي بُنيت كاتدرائية السريان الكاثوليك، وكاتدرائية القديس يوسف المارونية ، والكنيسة الأرمينية الرسولية للقديس غريغوريوس المنوِّر.

وبحلول عام 1936 م تم إنشاء العديد من المدارس في جميع أنحاء الحي. وهي تشمل ما يلي: سانت آن والقلب المقدس ومدرسة القديس يوسف والكلية الأمريكية للبنات ـ الآن كلية رمسيس للبنات ـ  ومدرسة سانت ميشيل.

كما اتسم "حي الظاهر" أيضا ً بتواجد العديد من المؤسسات المختلفة ؛ فإلى جانب المعابد الأربعة التي كانت قد تأسست بين 1890 ـ 1925 م ، كان هناك أيضا ً العديد من المدارس المجتمعية اليهودية في المنطقة ؛ ففي الفترة ما بين 1920 ـ 1936 م ، قام أثرياء اليهود من ذوي النفوذ بتأسيس ثلاث مدارس ؛ جميعها على مقربة من قصر السكاكيني باشا. ، وهي : مدرسة موسى قطاوي باشا ومدرسة ماري سوارس وبيتي ليسيه دي سكاكيني. وبالقرب من ميدان فاروق ـ الذي أصبح فيما بعد ميدان الجيش ـ ، عند تقاطع شارع سبيل الخازندار وشارع مصنع الطرابيشي كان يوجد مبنى بارز جداً، كان قد تأسس بواسطة الاتحاد الإسرائيلي العالمي لتوفير التعليم لغير الميسورين، وهي المدرسة اليهودية المجتمعية والتي لازالت تعرف باسم المدرسة الإسرائيلية .وقد ازداد التواجد اليهودي في الحي بسبب نقل مجتمع مستشفى القاهرة الإسرائيلي إلى حي الظاهر في عام 1924 م .

ومن عجائب القدر ، وما يجسد بالفعل روح التسامح والإخاء فيما بين المصريين ؛ أنه في الوقت الذي تم فيه إنشاء المعابد والكنائس الجديدة التي تستوعب المصلين من اليهود والمسيحيين الذين كانوا يعيشون في المنطقة وكان عددهم كبير، فإنه يبدو أن مسلمي "حي الظاهر" لم يكن لديهم مكان لكي يؤدوا فيه صلاة الجمعة. وفي كراساتها الصادرة خلال الفترة ما بين عامي  1920 ـ 1924 م تذكر لجنة حفظ الآثار العربية ـ التي أنشأها الخديوي توفيق عام 1881م ـ أن سكان حي الظاهر من المسيحيين واليهود كانوا قد طالبوا مرتين أن يتم ترميم جزء من جامع بيبرس بحيث يتمكن إخوانهم المسلمين من أداء صلاة الجمعة ، نظراً لأن عدد المسلمين في الحي كبير جداً ، كما أنه لا يوجد أي جامع آخر في المنطقة .

وختاما ً وبعد تلك الإطالة على "حي الظاهر" ؛ فقد تأكد لنا بما لا يدع مجالا ً للشك أن منطقة "حي الظاهر" تعد من المناطق الفريدة من نوعها بين أحياء القاهرة ، لكونها تجسد فكرة "المجمع الديني" مكتمل الأركان ؛ عاش فيه مسلموه إلى جوار إخوانهم الأقباط واليهود كل ٌ منهم يعبد ربه في محرابه وهيكله الخاص به ؛ دون أن يعتدي على حرية الآخر ؛ بل على العكس عاش الجميع على اختلاف مللهم ونحلهم إخوانا ً متحابين ، لا فرق بين أيا ً منهم ؛ فالجميع أبناء مصر المحروسة .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.