كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 01, 2021 - 74 Views

الصابئة (نشأه وعقيدة)

Rate this item
(0 votes)

                                  بقلم د :  ريهان نجدى

               دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

أحد الفرق الدينية المعروفة بعبادة الكواكب يجرون مجرى عبادة الأوثان، والتى تقول اننا نحتاج فى معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأحكامه الى متوسط هذا المتوسط يجب أن يكون روحانيا جسمانيا وذلك لذكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من الأرباب ، والجسمانى بشرمثلنا يأكل ويشرب فهو يماثلنا فى المادة والصورة .

والصابئة فى اللغة يقال صبأ الرجل أى مال وزاغ أو خرج من دين الى دين ، ويقال أيضا أن لفظة الصابئية معناها "من أدى بالحق والتجأ الى الوحدانية"، ويقال أنهم من ولد صاب بن خنوخ وكان من أهل الحكمة والفلسفة والعلم بالنجوم وهو أول من نزل ببابل وأتخذ بها هيكلا ثم أبتدع صنوف من الهياكل ونصب فيها أصناما ووقت لهم فى الصلوات أوقاتا .

أو هى كلمة مأخوذة من صابئ الآرامية ومعناها المغتسل ، وقد أختلف العلماء فى تفسير أصل هذه الطائفة فالبعض يقول أنها بمنزلة المجوس وقيل أيضا انهم أصحاب كل دين بعد الأسلام سوى اليهودية   والنصرانيه والمجوسية ، ولكن أغلب الفقهاء أعتبروهم اهل كتاب فقط لأنهم ذكروا فى القرآن مع بقية الديانات السابقة وهم يعتقدون بالله والآخرة ويتبعون تعاليم آدم الذى جاء بينهم يحي لينقيها مما علق بها من خرافات وأساطير ، وكتابهم يطلقون عليه "الكنزابرا" أى صحف آدم ، ويؤدون صلاتهم ثلاث مرات فى اليوم ويتوجهون الى النجم القطبى وتقتصر صلاتهم على الوقوف والركوع  والجلوس وهيئة صلاتهم أن يدخلوا الهيكل واضعين أيديهم على صدورهم ثم يستقبلون القبلة وعليهم لباس من صوف القرابين ثم يبسطون أيديهم ثم يستجدون برؤسهم قائمين مزمزمين ، ثم يمشون القهقرى خطى يسيره ويخرجون ويجمعون فى مواقيت صيامهم ومناسكهم بين الشهور الشمسية والقمرية ، وكانت بداية ظهور مذهبهم على عهد طهمورث ملك الفرس ، ويقول البعض أن دينهم دين النصارى وقبلتهم ناحية مهب الجنوب ويزعمون أنهم على دين نوح وهذا غير صحيح وينقسمون الى قسمين "المندائيين" و "صابئة حران.

والمصادر العربية لا تمدنا بالكثيرعن أخبار الصابئة وأحوالهم وذلك لأنهم دين مغلق محاط بالسرية خاص بهم لا يحيطون أحدا به إلا أن يكون منهم .

وقد أعتبرهم  الأسلام من أهل الذمة على أعتبار أنهم موحدون ولا يزال قوما منهم يسكنون أغوار مصب الفرات ولهم كتاب يسمى صحف شيت ولقد أطلق المؤرخون المسلمون أسم الصابئه على الطائفتين الحرانية  والمندائية  وذكروا ان الصابئة قسمان:

**احدهما القائل بالهياكل وهم عبدة النجوم ويزعمون أنهم يأخذون ذلك عن شيت النبى والآخر القائل بالأشخاص وهم عبدة الأصنام ويزعمون أن الأصنام  صور روحانيات الكواكب

وكان الصابئة المعروفون بالصابئة الحرانية  يسكنون مدينة حران ببلاد الشام وتوصف هذه المدينة أنها لا حسن فيها ولا طل لا يألف البرد ماؤها وهى مدينة عتيقة تنسب لنبى الله إبراهيم وأهله من الموصل لديار بكر وديار ربيعه الى الشام بينها وبين الرها يوم والرقة يومان وقيل أنها أول مدينة بنيت بعد الطوفان ونسبت لحران بن آذر أخو نبى الله ابراهيم وكان صابئة حران ينتمون للفكر الأفلاطونى وكانت أعمالها تقوم على التفسير والقراءة والترجمة ، ويتخذون اصناما على مثال الهياكل السبعة  وأنهم هاجروا من أرض كنعان بعد وفاة يحى عليه السلام بستين عاما الى شمال سوريا على أثر الحروب بينهم وبين اليهود فأستقروا بحران وقاموا ببناء معابد خاصة لهم

كما تواجدت هذه الطائفة بأنطاكيه حيث كان لها هيكل معظم على جبل داخل المدينة ويحيط به أحد الأسوار ولكنه دمر عند مجئ المسلمين ولقد كان هناك جدلا واسعا حول وجود الصابئة ونشاتهم وهذا الجدل يأخذنا فى أتجاهين أساسيين:

أما أن نشأة الصابئة كانت بالعراق ثم أنتقلت  بعد ذلك الى الشام ، أو أن نشأتها كانت  فى غرب أو شرق نهر الاردن ببلاد الشام ثم انتقلت الى العراق ، مما يجعل بعض المؤرخون يجذم بان الصابئة لم يكن لهم وجود بحران ، ولم يذكر إسمهم فيها إلا فى عهد الخليفة المامون العباسى حيث مر الخليفة  المأمون فى آخر أيامه بديار مضر قاصدا غزو الروم  فتلقاه الناس يدعون وكان بينهم جماعة من الحرانيين  وكان ذيهم الأقبية وشعورهم طويلة فانكر المأمون عليهم ذيهم وسألهم عن ديانتهم يهود ام مجوس فجمجموا فى القول فقال لهم أنتم اذن الزنادقة عبده الأوثان وأنتم حلال دماؤكم ولا ذمة لكم فقالوا نحن نؤدى الجزية فقال أنما تؤخذ الجزية ممن خالف الأسلام من أهل الأديان الذين ورد ذكرهم  فى القرآن وخيرهم فى أن ينتحلوا الأسلام أو دينا من الأديان وإلا قاتلهم عن آخرهم وأمهلهم حتى عودته من سفره فخاف الحرانيون وقص بعضهم شعوه وأسلم البعض وعرضوا الأمر على شيخا من فقهاء حران فأشار عليهم عند عودة المأمون من الحرب أن يخبروه أنهم الصابئة فهذا أسم دين قديم ذكر فى القرآن لكن المأمون مات فى سفره هذا عام 128هـ، ومنذ ذلك الوقت انتحل الحرانيون هذا الأسم ، والبعض الآخر أيد وجودهم بالشام حيث ذكر الشهرستانى أن الحرانيين "هم جماعة من الصابئة" .

وشارك الشهرستانى المسعودى فى رأيه حيث ذكر أن " الصابئة من الحرانيين والكيماريين وهذا النوع من الصابئة مباينون للحرانيين فى نحلهم "كما ذكر"الصابئة الحرانيين دون ما خالفهم من الصابئة وهم الكيماريون" ، كما شاركه بن خلدون أيضا فى رأيه حيث ذكره فى عدة مواضع من كتابه العبر فى حديثه عن صخرة بيت المقدس فقال "ان الصابئة بنو على الصخرة هيكل الزهرة " فلعل ذلك أنها كانت مكانا للعبادة كما كانت الجاهلية تضع الأصنام والتماثيل حول الكعبة  وفى جوفها.

 والصابئة الذين بنوا هيكل الزهرة كانوا على عهد إبراهيم عليه السلام كما ذكر ان  بيت المقدس وهو المسجد الأقصى فكان أول أمره أيام الصابئة موضع الزهرة وكانوا يقربون اليه الزيت فيما يقربونه فيصبونه على الصخرة التى هناك ثم دثر ذلك الهيكل ، وكانت هياكل صابئة حران تسمى بأسماء الجواهر العقلية والكواكب مثل هيكل العلة الأولى وهيكل العقل وهيكل السلسلة وهيكل النفس وهيكل الصورة وهذه مدورات الشكل ، وهيكل زحل مسدس الشكل  ،والمشترى مثلث والمريخ مربع والشمش مربع وعطارد مثلث والزهرة مثلث فى جوف مربع مستطيل والقمر هيكله مثمن الشكل ، وهيكل الشمس ،  والهيكل المستدير وهيكل جوبتر، وينسب الى حران مجموعة من علماء الصابئة الذين اشتهروا فى ازمانهم.

 **وقد ذكر المسعودى "وقد رتبت الصابئة من الحرانيين وهم عوام اليونانيين وحشوية الفلاسفة المتقدمين الكهنة فى هياكلها مراتب بترتيب الأفلاك السبعة" وهنا ميز المسعودى بين جماعتين من الحرانيين:

- - الحشويين: أى طبقة العوام وهؤلاء أتباع الديانة الوثنية وكان مكان تعبدهم يسمى بالمعبد ولا يوجد فى حران سوى معبد واحد يسمى ميلطية

- - الحكماء: وهم ورثة فلاسفة الروم ومكان تعبدهم يسمى المجمع وقد تم تخريب هذا المجمع عام 479هـ وهوما زاره المسعودى فالوصف الذى وصفة المسعودى عن المعبد يوحى بأنه مجمع الحكماء وليس معبد الحشويين وكانت الديانة الحرانية تؤخذ عن طريق الام فحرم على من ظأسلم من الحرانية الزواج بنساء حرانيات وكان ذلك سببا فى نقصان أعدادهم ، أما ما تبقى من هياكلهم حتى عام 332هـ بحران فهو معبد يعرف بمفليتيا وهو هيكل آزر أبى أبراهيم الخليل عليه السلام

**أما الفرقة الثانية من الصابئة  وتسمى بالمندائية وهم أتباع يوحنا المعمدان "يحى بن ذكريا" فقد نشأت فى فلسطين قبل ظهور النصرانية وسميت بالمغتسلة لأنهم يسكنون على ضفاف الأنهار لتسهيل التعميد فى الماء الجارى كما فى سنتهم

***اعياد الصابئة:

كانت مدارأاعياد الصابئة تتوقف على الكواكب، ونزول الكواكب الخمسة المتحيرة زحل والمشترى والمريخ وعطارد والزهرة فى بيوت شرفها وكانوا يقدسون يوم الأحد كالنصارى ويعطلون أعمالهم فيه لأعتقادهم أن أحد الثلاثمائة وستون قدسيا ويدعى "موشيه" سينزل فى هذا اليوم لذا يسمونه باسم القديس السماوى  فكان لهم بعض الأعياد الرسمية كان على رأسها:

- عيد الكبير"دهو ربه":أى عيد ملك الأنوار ومدته ستة وثلاثون ساعة تبدأ فى اليوم التاسع من شهر أغسطس ويعتبرون هذا اليوم هو اليوم التى غفرت فيه خطايا آدم وفيه يلزمون البيوت ويحتفظون بالماء مده تكفيهم ،كما يضعون بعض الفواكه فى اطباق لتناولها يوم العيد.

- عيد الصغير:ويبدأ فى الشهر الثامن عشرمن شهر أيارالصابئى ومدته ثلاثة أيام تقع بعد العيد الكبير بمائة وثمانية أيام ويعتقدون ان جبريل فى هذا العيد ان جبريل جمد فيه الأرض بعد ان كانت سائله .

- عيد البنجه"دهو برونايا": ومدة خمسة أيام واقعة بين الشهر الثامن والتاسع من أشهرهم ويتعمد العامة فى هذه الأيام ويقدمون الضحايا وهو بعد العيد الصغير بمائة وأثنين وثلاثون يوما .

- نيسان"عيد الأعتدال الربيعى": ويمتد للثلاثة أيام الاولى من شهر نيسان، ويدخلون فيهم بيوت الألهه جماعة جماعة وينحرون الذبائح وفى اليوم السادس يذبحون ثورا لآلهة القمر وفى اليوم الثامن يصومون ويفطرون على لحوم الخراف ويحتفلون فى هذا اليوم بعيد سبعة من آلهتهم ويكررون هذا طيلة الشهر الذى يعد بمثابة احتفالا لجميع الهتهم .

- أيار: ويحتفلون به أول ثلاثة ايام من شهر أيار فيشمون الورود ويملأون موائدهم بالأطعمة والفواكه

- حزيران:وفيه ينصبون يوم السابع والعشرين منه مائدة يجعلون عليها سبعة أقسام للسبعة الهه ، وياتون بخشب من حوران ويشعلون فيه النار ويكررون ذلك خمسة عشر مره

- البوقات:فى النصف من تموز والبوقات تعنى النساء المبكيات وهو عيد لأحد الهتهم ويدعى "تاوز" وفيه لا يأكلون أى شئ مطحون بل يتناولون الحنطة المبلولة وحمص وتمر وزبيب وما شابه ذلك ، وفى السابع والعشرين من الشهر يذبح الرجال تسعة خرفان فيأكلون ويشربون.

- اّب:ويطلقون عليه أسماءا كثيرة ويوافق الثامن من شهراب وفيه يعصرون الخمر ويضحون بأحد الأطفال حديثى الولاده وطبخه حتى يهرى ثم يخلطون لحمه بالسميذ ومجموعه من التوابل ويعمل منه أقراصا تسوى فى تنور جديد ولا يأكل منه عبد ولا أمراة ولا مجنون ويتم حرق ما تبقى من عظامه.

- ايلول"عيدالاعتدال الخريفى":وفى ثلاثة أيام منه يغلون مياه مضافة اليها شمع وصنوبر ويستحمون بها ويذبحون فى اليوم ثمانية خرفان للآلهه فيأكلون ويشربون بهد ذلك سبعة كؤوس من الخمر ويحرقون ثمانية فراريج ومثلهم ديوك وخرفان وفى الخامس والعشرين منه يسمى بالأعتدال الخريفى وفيه يدخل حكماء الحرانية الهيكل المبنى لذلك .

- تشرين الاول:وفى منتصف هذا الشهر يحضرون الكثير من الأطعمة ويطبخونها ويصنعون الحلواء ثم يحرقونها بالليل مع فخذ للجمل للموتى ثم يصوبن خمرا على النار للموتى أيضا .

- تشرين الثانى:ويصومون فى أحدى وعشرين يوما ويكون منهم آخر تسعة أيام وفيه يفتون الخبز اللين مع الشعير والآس الرطب كل ليلة وينثرونه بالمنازل.

- كانون الأول "المنقلب الشتوى": وفى اليوم الرابع منه ينصبون قبه يسمونها "الخدر" ويعلقون عليها أالفاكهه والرياحين ويذبحون من كل الحيوانات ما يقدرون عليه بين يدى هذه القبة، كما يحرقون الكثير من الحيوانات وفى اليوم السابع عشرمنه يسمى بيوم المنقلب الشتوى فيصومون فيه ويمتنعون عن شرب المياه بعد النوم لأنه يوم كآبه وحزن لهم ويمتنعون عن تناول اللحوم و الأترج "البرتقال"، وفى اليوم الثلاثين يجلس كبيرهم ويضرب كلا منهم ثلاثة أو أكثر بقضيب فى يده ، ثم يخطب فيهم ثم يتناولون الطعام والشراب بعد ذلك.

- كانون الثانى: فى الرابع والعشرين منه ميلاد أله القمر عندهم ، فيقومون بذبح الذبائح وحرق ثمانين حيوانا وتناول الأطعمة.

- شباط: يصومون فيه سبعة أيام أولها يوم التاسع منه ، ولا يأكلون فى هذه الأيام شيئا من الزفر ولا يتناولون الخمر

- آذار: يصومون اليوم الثامن منه ثلاثين يوما وفى اليوم العشرين يقسم رئيسهم خبز الشعير عليهم ويخرجون يوم السابع والعشرين من الشهر الى أحد الأديرة فيذبحون ويحرقون الكثير من الذبائح وفى اليوم الثامن والعشرين منه يذبحون الكثيرمن الذبائح ايضا.

بالأضافة الى ذلك فأنه كان هناك ثلاثة أيام قمريه فى كل شهر تعتبرمن أعيادهم الشهرية وهى عيد الهلال وليلة البدر وليلة الخامس والعشرين من كل شهر حيث يتطهرون فيها ويتوضأ ويخرج ليقف تحت نجم الجدى حتى زوال ثلثى الليل مع الدعاء بأدعية أفلاطونية وذلك أنعكاسا لعبادتهم للقمر،كما كانت ملوكهم تبنى الهياكل وتجعل لها أعيادا بحسب الكواكب التى بنيت على أسمها هذه الهياكل

وبصورة عامة فان الصابئة هى الفرقة الوحيدة التى لم تعرف عنها شيئا حتى أختفت وأندثرت آثارها ، وفى زمن الهجرة كانوا غير معروفين بصفتهم الصابئية خارج حدود شبة الجزيرة العربية ،فصابئة حران كانوا يتعبدون سرا ولهم أشارات التعارف من بينها النجمة المخمسة ، وقيل أن هذه الطائفة أسلمت كلها وهدم معبدها عام 479هـ.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.