كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 29, 2021 - 102 Views

حجر رشيد مفتاح الحضارة المصرية

Rate this item
(0 votes)

بقلم د. شهد البياع

مدير تطوير المواقع الأثرية بوادي النطرون  

    سمي حجر رشيد بهذا الاسم نسبة إلى مدينة رشيد التي عثر عليه فيها من قِبَل أحد جنود نابليون، وكان اسمه بيير فرانسوا بوشار، وذلك أثناء الحملة الفرنسيّة على مصر في عام 1799م ،وأنه قد أثار اهتمام الجمهور على نطاق واسع ، وأثار جدل كبير عن من له القدرة على فك هذه اللغة القديمة الغير مترجمة سابقا. حيث يعود تاريخ نقش هذا الحجر إلى عام 196 ق.م، وهو مرسوم ملكي صدر في مدينة منف  وقد أصدره الكهان كرسالة شكر لبطليموس الخامس لأنه رفع الضرائب عنهم، يظهر المرسوم في ثلاثة نصوص: النص العلوي هو اللغة المصرية القديمة بالخط الهيروغليفي ، والجزء الأوسط نص الهيراطيقية ، والجزء الأدنى اليونانية القديمة. وهو يقدما نفس النص في جميع النصوص الثلاثة (مع بعض الاختلافات البسيطة. وكان وقت اكتشافه لغزا لغويا لا يفسر منذ مئات السنين، لأن اللغات الثلاثة كانت وقتها من اللغات الميتة، حتى جاء العالم الفرنسي جيان فرانسوا شامبليون وفسر هذه اللغات بعد مضاهاتها بالنص اليوناني ونصوص هيروغليفية أخرى، وهذا يدل على أن هذه اللغات كانت سائدة إبان حكم البطالمة لمصر لأكثر من 150 عاما، وكانت الهيروغليفية اللغة الدينية المقدسة متداولة في المعابد، واللغة الديموطيقية كانت لغة الكتابة الشعبية (العامية المصرية)، واليونانية القديمة كانت لغة الحكام الإغريق، وكان قد ترجم إلى اللغة اليونانية لكي يفهموه. وكان محتوى الكتابة تمجيدا لفرعون مصر وإنجازاته الطيبة للكهنة وشعب مصر، وقد كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من كبار المصريين والطبقة الحاكمة. وكان العالم البريطاني توماس يانج قد اكتشف أن الكتابة الهيروغليفية تتكون من دلالات صوتية، وأن الأسماء الملكية مكتوبة داخل أشكال بيضاوية (خراطيش)، وهذا الاكتشاف أدى إلى أن فك العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون رموز الهيروغليفية، واستطاع شامبليون فك شفرة الهيروغليفية عام 1822 م، لأن النص اليوناني عبارة عن 54 سطرا وسهل القراءة مما جعله يميز أسماء الحكام البطالمة المكتوبة باللغة العامية المصرية. وبهذا الكشف فتح آفاق التعرف على حضارة قدماء المصريين وفك ألغازها، وترجمة علومها بعد إحياء لغتهم بعد موتها عبر القرون. وأصبحت الهيروغليفية وأبجديتها تدرس لكل من يريد دراسة علوم المصريات. والحجر أخذه البريطانيون من القوات الفرنسية، ووضعوه في المتحف البريطاني.

  • هل ...العرب .. سبقوا شامبليون في حل رموز حجر رشيد?

استطاع عالمان عربيان من علماء اللغات القديمة الكشف عن فك رموز اللغة المصرية القديمة والخط الهيروغليفي .... سبقوا العالم الفرنسي شامبليون بألف عام ، وذلك من خلال دراستين منفصلتين لهما بينا فيهما كيف كان للعرب الفاتحين في مصر  دور ريادي في نقل المعرفة واكتشاف طلاسمها من خلال دراستهم للغات القديمة التي تحدث بها الاقوام والامم التي تعاقبت على مصر ما مكنهم من فك رموز تلك اللغات وكيف ان العالم شامبليون قد استعان اثناء ترجمته لحجر الرشيد بتلك المصادر العربية.

والدراسة الاولى كانت عن مخطوطة (شوق المستهام في معرفة رموز الاقلام ) لابن وحشية النبطي والتي قام بها الباحث السوري يحيى مير علم الذي اكد ان العرب كانوا اول من فك رموز الهيروغليفية قبل عالم المصريات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون بما يقارب الالف عام .

والدراسة المذكورة تركزت على العالم العربي ( ابو بكر احمد بن علي بن قيس بن المختار- المعروف بابن وحشية النبطي والكلداني الذي يرجح العلماء ولادته في منتصف القرن الثالث الهجري في حين يرجح البعض ولادته في القرن الرابع الهجري . ويقول الباحث مير علم ان ابن وحشية كان اول من فك رموز اللغة المصرية القديمة وميز انواعها وان مخطوطة ( شوق المستهام ) تم نسخها في عام 341 هجري اي 861 ميلادية وكان اول من كشف عنها المستشرق النمساوي جوزيف همر وقام بطبعها بلندن عام 1806 وهذا ما دفع مير علم للتأكد من ان العالم الفرنسي شامبليون لابد وان يكون قد اطلع على هذه المخطوطة قبل قيامه بفك رموز حجر الرشيد الذي عثر عليه بالقرب من مدينة رشيد شمالي مصر على بعد 65 كيلو مترا شرق مدينة الاسكندرية والذي توجد عليه النصوص الهيروغليفية وما يقابلها من مضمون باللغة اليونانية القديمة المنقوشة عليه ايضا اضافة الى ان العالم شامبليون لم يترجم هذه النقوش سوى في عام .1822

كما يشير العالم والباحث السوري مير علم في بحثه الى ان ابن وحشية وضع في مخطوطته الاقلام القديمة وحروفها وما يقابلها من حروف باللغة العربية ومن بين هذه اللغات الى جانب الهيروغليفية اللغات المصرية القديمة مثل الديموطيقية والهيروطيقية والقبطية القديمة الى جانب الاشورية والكلدانية والنبطية.

وتقول امهات الكتب التاريخية ان ابن وحشية مولود في ضواحي الكوفة وورث عن والده ثروة كبيرة حرم منها وكان شديد الذكاء فاتجه الى العلوم ومنها علم اللغات القديمة وله العديد من الكتب ووصفه من جاء بعده مثل ابن النديم بالساحر لعلمه بالطلمسات والصفة كما كانت له اسهامات في عالم السحر والكيمياء والحروف القديمة وترك في ذلك ما يقرب الثلاثين مصنفا الى جانب ترجمة كتب عن الفلاحة النبطية الى جانب عشرات الكتب الاخرى في جوانب الحياة اما الدراسة الثانية التي يستند اليها بحثنا في تأكيد سبق المسلمين في فك رموز حجر الرشيد التي نسبت الى العالم الفرنسي شامبليون فهي الدراسة التي قدمها العالم المصري الدكتور عكاشة الدالي المحاضر بجامعة لندن والذي عمل لفترة بمتحف بنزي للأثار المصرية ويؤكد في دراسته ان العرب كانت لهم بعض المعرفة بحروف اللغة الهيروغليفية في القرن التاسع الميلادي خلافا للاعتقاد السائد بأنهم كانوا يعتبرون مصر القديمة حضارة وثنية لا تهمهم .

كما عثر عكاشة كما يقول في دراسته في مكتبات عدة في باريس واستنبول على مخطوطات تضم جداول تكشف المعادل الصوتي لحروف هيروغليفية لكن الاهم حسب رأيه هو انه عندما كان الاوروبيون يعتقدون ان الحروف الهيروغليفية ليست الا رموزا سحرية تمكن العلماء العرب من اكتشاف اثنين من المبادئ الاساسية في الموضوع الاول منها هو ان بعض الرموز تعبر عن اصوات والثاني ان الرموز الاخرى تعبر عن معنى الكلمة بطريقة تصويرية ويضيف الدكتور عكاشة في دراسته مشيرا الى ان العالم الصوفي المصري الشهير (ذا النون ) الذي ولد ونشأ في معبد اخميم في سوهاج في صعيد مصر في بداية القرن التاسع الميلادي معروف عنه انه كان يجيد الهيروغليفية المكتوبة على جدران المعابد في سوهاج وهو نفسه قال ذلك في بعض قصائده كما ان مؤلفاته تتحدث عن حل رموز ومغاليق كتابات قديمة وكثيرة جدا منها الهيروغليفية ووصفها بدقة سواء كانت  الديموطيقية او الهيراطيقية او القبطية ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تعداه الى دراسات في لغات اخرى وحضارات اخرى.

ويؤكد الباحث المصري الدالي في دراسته انه حصل على مخطوط يظهر ان ( ذا النون) كان يعرف القبطية وبعض الهيروغليفية وبعض الديموطيقية التي كانت اختزالا للهيروغليفية وقد استخدمها الكتاب الذين لم يكن لديهم وقت لكتابة الحروف كاملة كما انه يرى ان المشكلة في علم المصريات هو الافتراض الجائر بأن المعرفة باللغة المصرية القديمة اندثرت تماما بقدوم الاسلام الى مصر لكن ما يظهر ان هذه المعرفة باللغة الهيروغليفية كانت لا تزال حية عندما جاء المسلمون الى مصر ليقينهم ان مصر كانت ارض العلم والسحر والحكمة ولمعرفة ذلك لا بد ان يتعلموا الهيروغليفية للولوج بتلك العلوم وقد فعلوا ذلك, لكن الباحث المصري الدالي يتفق مع الرأي السائد بأنه في بداية العصر الحديث كان اغلب العرب والمسلمين لا يهتمون بالثقافات القديمة وذلك حتى القرن الثامن عشر وعزا هذه الفجوة المعرفية الى اقتصار كل من علماء المصريات والدراسات العربية على دراسة مجالات تخصصهم ويقول الباحث المصري الدالي في نهاية دراسته انه اول من فعل هذا ومنها اصدر دراسته بأن العرب سبقوا العالم شامبليون في حل رموز حجر الرشيد.

  • وهل شامبليون هو من فك رموز حجر رشيد واللغة المصرية القديمة لوحده ام كان خلفه كاهن قبطي ليساعده في تعلم اللغة ومعرفة الخط القبطي لفك الرموز وذلك عن طريق ربط رموز الحجر بقواعد اللغة المصرية ؟

كتب التاريخ اهملت هذا الكاهن وركزت على شامبليون !!

الكاهن القبطي الذي ساعد فرانسوا شامبيليون في فك طلاسم حجر رشيد عام 1822هو القس يوحنا الشفتشى ..ولد القس يوحنا في القاهرة عمل مترجما فوريا بمنطقة الجيزة وكاتبا أول في محكمة الشئون التجارية كما عمل بناء علي توصية من العالم الرياضي فورييه مترجما لدي اللجنة التي شكلها كليبر لجمع مواد تاريخ الحملة الفرنسية وعندما خرج الفريق القبطي بقيادة المعلم يعقوب من مصر متوجها إلي فرنسا خرج معهم ثم عمل كاهنا مقيما بشارع سان روك بباريس عندما قصده الطالب شامبيلون ليأخذ منه دروسا خصوصية في نطق اللغة القبطية ،وظل راعيا للأقباط المهاجرين لفرنسا واقتنع شامبيلون بأهمية اللغة والخط القبطية وأنها التطور الطبيعي للغة المصرية القديمة والخط الهيروغلفي لذا أفترض أن معرفته للغة والخط القبطي سوف تساعده كثيرا في فك رموز اللغة الهيروغليفية

ولقد سجل هذه الحقيقة في مذكراته إذ كتب يقول :

سلمت نفسي بالكامل إلي اللغة القبطية ،لقد أصبحت قبطيا لدرجة أن تسليتي الوحيدة الآن هي ترجمة كل ما يخطر علي بالي إلي اللغة القبطية ثم إني أتحدث إلي نفسي بالقبطية وقد تمكنت من هذه اللغة إلي درجة أنني قادر أن أعلم قواعدها لأي شخص خلال يوم واحد و تتبعت تسلسل الروابط التركيبية لهذه اللغة ثم حللت كل شيء تحليلا كاملا وهو ما سيعطيني دون أدني شك المفتاح اللازم لحل اللغز وفك شفرة نظام العلامات الهيروغليفية ،وهو المفتاح الذي حتما سأعثر عليه ولقد ذكر شامبيلون فضل الكاهن القبطي يوحنا الشفتشي صراحة في مذكراته ،إذ أرسل خطابا إلي أخيه يقول له فيه إنني ذاهب إلي كاهن قبطي يسكن في سانت روش في شارع سانت هونوري وهذا الكاهن يعلمني الأسماء القبطية وكيفية نطق الحروف ، وإنني أكرس الآن نفسي كلية لتعلم اللغة المصرية بكل خطوطها القبطي والهيرغليفى وقواعدهم إذ أريد أن أتقن هذه اللغة مثلما أتقن الفرنسية وأن نجاحي في دراسة البرديات المصرية سيعتمد علي إتقاني لهذه اللغة كما ورد ذكر يوحنا الشفتشي أيضا ضمن مجموعة العلماء الذين ساعدوا في إعداد كتاب وصف مصر.

وعثر أخيرا علي تزكية  مؤرخة بتاريخ 6 أبريل 1816م تحمل توقيعات سبعة من أشهر العلماء الفرنسيين في القرن التاسع عشر يثنون فيها علي ثقافة يوحنا الشفتشي الواسعة مع الإشارة إلي زهده وتواضعه. حتي قرر أن يرحل في سنة 1825 إلي مرسيليا التماسا لمناخ أدفأ وأنسب لحالته الصحية وتوفي في نفس السنة تقريبا كما تذكر بعض المراجع

ويبقي  العلماء العرب ابن وحشية النبطي والكلداني والكاهن القبطي يوحنا الشفتشي هم الجندي المجهول وراء هذا الإنجاز التاريخي .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.