كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 07, 2021 - 173 Views

دور المرأة البيزنطية في العمل العام

Rate this item
(0 votes)

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

     ساد اعتقاد عام في المجتمع البيزنطي بضرورة خضوع المرأة للرجل نظرًا لضعفها الجسدي والطبيعة هي التي فرضت هذه الحماية، حيث اعتبر ذاك المجتمع من المجتمعات الذكورية الأبوية التي تعتمد بشكل أساسي علي الرجال في كل شئ، بينما وضع إطار عام ومحدد لدور المرأة في المجتمع، وغالبًا ما تقولب هذا الدور وتمحور حول وضعها داخل الأسرة، كأم وزوجة وأخت وابنة، مستشهدين بالرأي الكنسي الموجِب بحماية الرجل للمرأة، وأنه مبتدأ المرأة ومنتهاها. إلا أنه من الملاحظ أن هناك العديد من المهن التي مارستها المرأة في المجتمع البيزنطي بعضها كانت مهن شريفة، والبعض الآخر منها كانت غير أخلاقية.

    ارتبطت الوظائف التي يشغلها الإنسان بالتعليم الذي يتلقاه، وبما أن المرأة لم تنل إلا في النادر تعليمها الابتدائي، لذا لم يكن من السهل حصولها علي وظيفة في دوائر الدولة. وكانت مهام نساء الطبقة العليا للإمبراطورية مقتصرة علي إدارة شئون منازلهن، من توجيه وتربية أطفالهن، والإشراف علي الخدم وملاحظتهم وتوجيههم ليؤدوا مهامهم علي أكمل وجه. بينما اضطرت العديد من نساء الطبقة الدنيا، ولأسباب معيشية أن تعملن لتؤمن لأنفسهن مصدر دخل شريف، فعملن في معظم الوظائف التي توفرت لهن، من التصنيع والأشغال اليدوية كالغزل والنسيج والمنسوجات الحريرية، والقابلات والطبيبات علي أن يعملن في التخصصات التي تخدم النساء فقط، وكذلك الخبازات والطباخات، وحارسات للحمامات العامة الخاصة بالنساء، وكما هو الحال مع الرجال الذين كانوا يتوارثون مهنهم عن آبائهم، كان الحال نفسه مع المرأة التي ترث مهنتها عن عائلتها جيل من بعد جيل.

    سيطر الحرفيون والمهنيون علي الصناعة في الدولة البيزنطية، وقد كان للنساء دور وإسهام في هذه الصناعات والأعمال اليدوية. وتلقت المرأة تدريبها علي هذه المهن لتنمية مهاراتها واكتساب لخبرات اللازمة مثل الرجال، ورغم ذلك فقد كان عدد المتدربات بطبيعة الحال وفق لهذا العصر أقل بكثير من عدد المتدربين.

    كان مجتمع الصناع والحرفيين هرميًا يتكون غالبًا من 3 طبقات، أولًا " المبتدئ apprentice " وهو الشخص الذي يبدأ في التدرب علي حرفة جديدة، وأحيانًا قد تكون من الفتيات الصغيرات اللواتي بدأتن تتمرن علي هذه الحرفة، وكان يبدأ تدريبهن في سن الثانية عشر. ثانيًا " العامل المحترف journeyman " ، وأخيرًا " السيد master " وهو رئيس ورشة العمل. ولا يوجد ما يؤكد أو يثبت وصول المرأة إلي قمة هذا التسلسل الهرمي.

    شاركت النساء خاصة من سكان المدن مثل مدينة أنطاكيا في بعض الأعمال مثل الغزل والنسيج، وكانت تقوم بتزويد النقابات بما يحتاجون ويلزمهم. وعلي الرغم من أنه تقليديًا كان هذا العمل يخص النساء إلا أن بعض الرجال قد دخلوا للعمل في هذا المجال. فقد كان المغزل والخشبة التي يغزل عليها هي رمزًا للمرأة والأنوثة، مثلما كان الدرع والسيف والرمح رمزًا معروفًا للرجال والرجولة.

     ساعدت المرأة أيضًا زوجها في الأقاليم الزراعية في عمله، فكانت هي المسئولة عن الحدائق المزروعة التي كانت تمد الأسرة بما تحتاجه من الخضروات والفاكهة. وكانت تمد له يد المساعدة في وقت الزرع أو الحصاد، ففي حين يهتم الزوج بحرث الأرض وتجهيزها للزراعة كانت زوجته تقوم ببذر الحبوب، وتهتم كذلك بقطف الثمار في موسم الحصاد. كما كانت تقوم برعاية الحيوانات والطيور التي يربونها مثل الدجاج والأبقار، وغيرها من الحيوانات التي كانت يستفيدون من منتجاتها ببيعها في الأسواق.

    مارست النساء بعض المهن الأخري مثل السحر والخاطبة، ولم يكن هناك ما يمنع المرأة من تملك نُزُل أو محل تجاري لبيع سلعة محددة كالأدوات الكتابية، وحتي عملت بعض النسا كخطاطة Calligrapher، لمهاراتهن في الرسم والكتابة.

    عملت المرأة أيضًا بشكل مستقل كطبيبة أو قابلة Midwife أو مرضعة wet-nurse، فقد سمح للمرأة بامتهان الطب، وتلقت الطبيبات تعليمًا جيدًا وتدريبًا مماثلًا لما يتلقاه الأطباء. وانحصر تخصص الطبيبات في أمراض النساء Gynecology والولادة Obstetrics، أو أية أمراض أخري تصيب النساء، فكان عملهن عمومًا مرتبطًا بالنساء.

    تلقت الطبيبات خلال القرنين السادس والسابع للميلاد تدريبًا عمليًا مثل الأطباء بالقرب من أساتذة علم الطب. وعلي الرغم من ارتباط الطبيبات بأمراض النساء والتوليد، إلا أنهن بمرور الوقت مارسن عملهن في تخصصات أخري، لكنها ظلت جميعها مرتبطة بالإناث وأمراضهن المختلفة.

    مارست الطبيبات عملهن كما هو الحال في وقتنا الحالي، إما من خلال العمل في المستشفيات، أو عملن لحسابهن الشخصي. ومن خلال عمل الطبيبة في إحدي المستشفيات كانت تستطيع أن تترقي في المناصب الإدراية في الأقسام الخاصة بالمرضي الإناث، وبإمكانها أن تكون مديرة لهذا القسم، أو حتي مديرة مستشفي النساء.

    لم يميز القانون بين حقوق الأطباء والطبيبات، بل كان يمنحهن الحق في المطالبة بالحصول علي أجر نظير عملهن ، لكن المصادر المعاصرة والأعمال الأدبية لم تفدنا بخصوص ما إذا كانت الطبيبة تنال أجرًا مساويًا لأجر الطبيب أو أقل منه. ولكن تخبرنا بعض من تلك المصادر، بأن الطبيبات في المستشفي الملحقة بأحد الأديرة قد حصلن علي أجر يساوي نصف أجر الأطباء.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.