كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 27, 2021 - 606 Views

حكاية مدينتين في شارع الآثار بصالحجر

Rate this item
(1 Vote)

بقلم الآثاري / محمد أحمد ناصر

يوم 24 نوفمبر 1973 وبعد مرور شهر على وقف اطلاق النار واعلان انتصار اكتوبر بدأت حفائر صالحجر برئاسة الأثري الكبير لطفي محمد فريد والذي يعد مكتشف صالحجر الحديثة وذلك في الركن الجنوب شرقي من منطقة الأثار فيما يعرف بمنطقة الجميزة القديمة والتي أسفرت عن إكتشاف مقبرة مقبية من الطابوق (الطوب الأحمر) يتقدمها فناء صغير وبها ثلاثة هياكل عظمية وكذلك أرضية من الحجر الجيري لمبني قديم

ويأتي صيف 2015 حتي تشكلت بعثة حفائر مصرية تشرفت برئاستها تحت إشراف صديقي الأثري سعيد العسال وعضوية الأثريين سامح الشامي و أميرة الذهبي وتلخصت مهمة البعثة كحفائر إنقاذ تبدأ من الموقع المشار اليه سلفا وبطول شارع الاثار في الإتجاه الغربي ويعد هذا الشارع فاصلا بين مساكن القرية وبطول 140 متر تقريبا مما تعد فرصة مميزة للكشف عن ترابط الطبقات الأثرية وتبيان التعايش الحضاري وبالفعل قد كان .

نستطيع أن نفرق بين ثلاثة مراحل أولها منطقة بقايا بناء من الحجر الجيري والثانية منطقة المدينتين والمرحلة الثالثة المدينة القديمة والمرحلة الرابعة بقايا مبني روماني من الطابوق ينحدر شمالا .

علي عمق 50سم تقريبا من سطح الأرض ظهرت قطع من الحجر الجيري تم تسويتها من الأعلي وتثبيتها علي الأرض بملاط جيري ما يعني أنه إتبع اسلوبا حديثا نوعيا في البناء متخطيا الأساليب القديمة مثل الرص والتفريغ وتلاحظ سمك البلاط القليل مما يعني ارتفاع تكاليف المادة الخام وأري أن تلك الأحجار تم نقلها وإعادة استخدامها من المبني الأقدم والأكبر شمالا حيث وجدت لاحقا بقايا تكسير وإعادة تشكيل للكتل الجيرية القديمة ويمكن تمييز تطور أدوات الصقل من الأثر المتروك علي الأسطح المشذبة ونرى أيضا أنه إستخدم فتات نشر الحجر الجيري كملاط لتثبيت البلاطات حيث وجدت به بعض القطع الكبيرة نسبيا .

وجدت بقايا معمارية متصلة افقيا بالبلاط من الطابوق ذو الحجم الكبير تم ربطها بالطمي الغريني مما يشير مره أخرى لتواضع الحالة المادية.

لم يتم تعقب بقايا المبنى بالشكل الذي يتيح لنا تصور أبعاده وامتداداته المعمارية حيث تم الوصول له مسبقا علي يد الأثري لطفي محمد فريد والذي ترك ملاحظته بعد التعمق تحت الأرضية بعد تدمير بعض أجزاءها ولم يجد سوى الرديم لذلك أرى أنه عند الشروع في تشييد هذا الكيان المعماري تم جلب الرديم لإقامته علي مكان مرتفع نسبيا وتم ذلك في فترة رومانية متأخرة والدفن الذي تم بجوار المبنى كان سببه التبرك الدينى وأتوقع وجود مقابر مشابهة ومماثلة لم يتم الكشف عنها بعد والبناء المرتفع نسبيا ساهم في بروز وتدمير المبنى في عصور لاحقة .

ومن الجدير بالذكر أنه تم العثور علي بلاطات مشابهه مفصوله ومتفرقة في الإتجاه الغربي من المبنى وقطع أخرى يدل شكلها أنها كانت مثبته علي بعض  الجدران وستم توضيح ذلك عند التطرق الي المكتشفات المنقولة لاحقا .

وتم الكشف عن العديد من كسرات الفخار لأاواني وأدوات عليها زخارف بيزنطية مثل الدوائر والخطوط المنحنية وعناقيد العنب و السلاسل والتزجيج الأخضر لاسيما أيضا التلوين الذي اشتهرت به تلك الحقبة الزمنية مثل الكريمي والاحمر والأسود وتم إعادة الكشف عن تجمع من الفخار أعتقد أنه المكان الذى استخدمه الأستاذ لطفي محمد فريد لتجميع الفخار ووجدت به العديد من أشكال الأكواب والتي ربما استخدمت أيضا لصناعة الخبز .

نأتي الأن الي المرحلة الثانية وأمكن تمييز الإنتقال الي هذه المرحلة حيث عثر علي بقايا من الطابوق متخللا الطبقات الأثرية بشكل عشوائي وجدت طبقة من الرديم المائل للون الأخضر بدرجاته وبفحص الطبقة جيدا وما يحيطها من ظواهر أمكن التأكيد أنها من تأثير بعض المخلفات العضوية المتحللة وبعض اثار الحريق وبعض العفن المتكون بعد جفاف مياه راكدة وتم التأكيد علي تلك الفرضية حين تم الكشف عن تتابع طبقي رسوبي شديد الميل شرقا ويقل ميلا في الإتجاه الشمال شرقي (مرفق صورة للقطاع الطولي الشمالي لإنحدار التتابع الطبقي) وبالعودة الي بقايا المبني من الحجر الجيري وبعد فحص الطبقات المحيطة يمكن القول أنه ترك فترة زمنية كبيرة ربما حدث ذلك إبان الفتح الإسلامي لمصر نظرا لكونه مركزا وثنيا ويمكن التأكيد علي تلك الفرضية حيث وجدت طبقات حرق سميكة تصل في بعض الأحيان الي 50سم تقريبا ولونها مائل للأسود في بعض وبعضها الآخر شديد السواد مما يشير أن التدمير بالحرق تم سريعا وتم تباعا ومتلاحقا ويدل علي ذلك أيضا كثافة طبقات الحرق المائلة للهشاشة وعدم تجانس مكوناتها وتم إلقاء بعض كسرات الطابوق متجانسة في الحجم والشكل مما يدل أن هذه الكسرات تم تدميرها عمدا في وقت واحد وتم إستخدامها لإخماد الحريق مرة واحدة لذلك تم فصل الحريق عن الأكسجين المساعد علي الإشتعال فلم تتم عملية الحرق بشكلها الكامل ولم تظهر طبقة الحرق باللون البرتقالي المعهود .

تغلب علي المرحلة الثانية من الحفائر وجود مباني متهدمة من الطابوق بتشكيلات واضحة أمكن تمييز سطحها العلوي بالتآكل الواضح فيها ربما كان من التأثير الزمني وعوامل التآكل الجوية تلاحظ  بعد ذلك السطح بعض تشكيلات الطوب البسيطة المتراصة بإسلوب معماري متواضع نسبيا بالمقارنة بالإسلوب الروماني المتقدم وأن مادة الربط الطمي الغريني أيضا ولم نستطيع معرفة ماهية إستخدام تلك المباني في حينه وإن غلب الظن أنها مساكن مدنية ولاشك أن الحفر شبه العشوائي لمشاريع الإستخدام الحديثة كالتليفونات والمياه والصرف والكهرباء طمس الكثير من المعالم التوضيحية لتلك الامتدادات المعمارية .

كل ما سبق توضيحه شكل حياة مدنيه في حقبة زمنية متأخرة من العصر الروماني المتأخر وتتوافق زمنيا ومعماريا مع بقايا البناء من الحجر الجيري إلا أنه بالتعمق أكثر في المرحلة الثانية ورفع قطع الطابوق تم الكشف عن بقايا مدينة أخرى تسبقها زمنيا لا يمكن الحديث عنها بشكل منفصل حيث قامت مدينة الطابوق العلوية علي أساسات معمارية قديمة لمدينة أخرى أسفل منها سنطلق عليها مجازا مدينة طوب اللبن  وتختلف عن الأولى في مظاهر عدة منها أن المادة الرئيسية للبناء والوحيدة هي الطوب اللبن وتم الكشف عن جدران تلك المدينة أسفل الأخري مباشرة وجدرانها أضخم وأكثر سماكة وتمتد هذه المدينة علي مساحة أكبر من الأولى ففي حين تتبع الجدران اللبنية في الإتجاه الغربي من الحفائر بدأت تختفي جدران الطابوق من فوقها وتتلاشى في حين إستمرار جدران الطوب اللبن وميلها للأعلى كلما إتجهنا غربا  مما يؤكد أن مدينة الطوب اللبن أكبر وأغنى ويعزز ذلك وجود بئر المياة المستخدم للسقاية والذي يتوسط مدينة الطابوق حيث بني من قوالب الطابوق ذات الأبعاد 32*32*5سم تقريبا واسلوب البناء ينم عن ارتقاء هندسي يفوق إسلوب بناء مدينة الطابوق وتلاحظ وجود بعض الاستكمالات المعمارية علي البئر ملحة به وتمثل ما يشبه المصطبة وبقايا حوض بالتأكيد كانت تستخدم لأعمال السقاية وحماية مياة البئر ما يعنينا هنا أن تلك الإستكمالات تم بنائها من نفس الطابوق المستخدم في مدينة الطابوق مما يعني استمرار استخدام نفس البئر للمدينتين تباعا .

بالكشف عن جدران اللبن سالفة الذكر وتتبعها بدأت تظهر حجرات متلاصقة أغلبها متوسط الحجم 2.6*2.6متر تقريبا وتميل في الإتجاه الشمال شرقي الي الجنوب غربي ويمكن القول أن مباني الطوب اللبني المكتشفة في الاتجاه الشمالي تعد إمتدادا لمدينة الطوب اللبن ومن المتوقع أيضا أن المدينة تمتد جنوبا تحت الكتلة السكنية الحالية بالقرية وجدير بالذكر أنه وجدت أمفورا من الطراز المصري بأحد جدران تلك الغرف من الناحية الشرقية كجزء ثابت منه ومقلوبة ولا يمكنني تفسير تلك الوضعية حتى كتابة تلك الكلمات ومن الدلائل الأخرى علي مظاهر تقدم مدينة طوب اللبن عن مدينة الطابوق تقنيا إكتشاف فرن لتجهيز الطعام تم بناءة بشكل قبوي مؤسس علي شكل ترس وتم استخدامه لفترة زمنية طويلة حيث تحولت بعض قوالبه من الطوب اللبن الي اللون الحمر والبرتقالي ومما يدل علي استخدامه لتجهيز الطعام وليس لشأن آخر وجود بقايا من الأطباق والأواني المستخدمة في تجهيز الطعام وبقايا من العظام الحيوانية كذلك ويجواره من الناحية الجنوبية تجمع كبير لأصداف الجاستربودا التي كانت أحد مكونات طعام المصري القديم ويدل ذلك أيضا أن أحد الأنشطة المهمة في مدينة الطوب اللبن هي الصيد .

وفي المجمل يمكن القول أنه تم الكشف عن مدينتين مختلفتين متتابعتين قامت إحداهمها علي أنقاض الاخرى وتمثلان حلقتين من سلسلة التتابع الحضاري بمدينة سايس القديمة (صالحجر) حينما بدأ يأفل نجمها

أما المرحلة الثالثة والأخيرة بالحفائر غلب عليها وجود بناء عريض من الطابوق تهدم بشكل منحدر نحو الشمال ولم تتبع تلك المباني لإحاطة الكتلة السكنية الحالية بها ونكتفي بهذا القدر الأن وفي الجزء القادم لإلقاء الضوء علي الجانب الحضاري لتلك الحقبة الزمنية الفاصلة بتاريخ صالحجر .......يتبع

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.