كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 17, 2021 - 1223 Views

أم العرب المصرية "السيدة هاجر أم إسماعيل عليها السلام"

Rate this item
(0 votes)

بقلم ميرنا محمد

مرشدة سياحية

قليلة هي الكتابات التي تحدثنا عن تاريخ السيدة هاجر زوجه سيدنا إبراهيم وأم سيدنا إسماعيل عليهما السلام ورغم اختلاف الروايات إلا أن بعض العلماء يؤكدون أن السيدة هاجر كانت أميرة مصرية وتحديدا كانت شقيقة الملك المصري  وعندما أتى الهكسوس ليحتلوا مصر استحوذوا على بلاط الملك ومن فيه فقتلوا الرجال واستبقوا النساء.

وجيء بالسيدة هاجر إلى بلاط ملك مصر ولكنها كانت مستعصمة ذات شرف ومكانة حماها الله من صغرها فيقال إن الملك إن حاول النيل منها سرت فيه رجفة فابتعد عنها وعلم أن هناك قوة ما تحميها. والذي يرجح هذا القول هو تصرف هذا الملك الذي عرف بولعه الشديد بالنساء عندما حاول أن ينال من السيدة سارة زوج سيدنا إبراهيم شلت يده 3 مرات وكأن نفسه أدركت أن هناك صلة ما تربط بين السيدة التي أمامه وتلك التي يعرفها المستعصمة الأبية هاجر.فقرر هذا الملك إطلاق سراح السيدة سارة وليبعث معها هاجر تلك التي على نهجها نهج العفة والإيمان والاستعصام.

هاجر مابين النوبة والفرما**

اتفق المؤرخون حول مسقط رأس السيدة هاجر وأنها ولدت فى مصر، بمنطقة تل الفرما التى تبعد عن محافظة بورسعيد بعدة كيلو مترات وبحسب ابن هشام فى سيرته فإنها ولدت فى قرية الفرما، وهى مدينة مصرية فى أقصى الدلتا على مقربة من بحيرة تنيس، ويذكر العرب أن أبوابها المشهورة التى قال عنها نبى الله يعقوب "يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"، طبقاً لكتاب موسوعة 1000 مدينة إسلامية لعبد الحكيم العفيفى، وتعنى بالقبطية بيت آمون، وذكرت فى التوراة باسم "سين" أى قوة مصر، وأصبح اسمها الفرما وتعرضت لعدوان الروم البيزنطيين، وبنى فيها الخليفة العباسى المتوكل حصناً يطل على البحر ليحميها من تلك الهجمات عام 239 هجرية.

وقال ابن إسحاق، "حدثنى محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى، ثم السلمى حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما"، فقلت لمحمد بن مسلم الزهرى: ما الرحم التى ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم؟ فقال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم".

واختلفت الروايات التاريخية حول وضع السيدة هاجر الاجتماعى، حيث ذكر بعض اليهود أنها كانت جارية لدى فرعون، وجاء فى سفر التكوين "إصحاح 21" أنها كانت ابنة لفرعون مصر، وتنادى بعض الأصوات النوبية بأن مسقط رأسها فى بلاد النوبة، جنوبى مصر، مستندين إلى أصل التسمية وأن (ها) بالهيروغليفي معناها زهرة اللوتس، وكلمة (جر) معناها أرض جب بالمعنى التوراتى (مصر)، أى أن اسمها زهرة اللوتس وكنيتها المصرية، كما أن اسم هاجر يقابله نفس النطق بالنوبية كلمة هاقجر التى تعنى الجالس أو المتروك، فى إشارة إلى تركها وحيدة فى مكة، فضلاً عن أنه من الثابت أن السيدة هاجر كانت تلبس ثوباً طويلاً فضفاضاً ليخفى آثار أقدامها، وهذا الوصف ينطبق على "الجرجار" وهو اللباس النسائى النوبى المعروف المستخدم حتى اليوم.

 إلا أن ابن كثير روى فى "البداية والنهاية" أنها أميرة من العماليق، وقيل من الكنعانيين الذين حكموا مصر قبل الفراعنة، تبناها فرعون، وعندما أراد سوءا بـ"سارة"، زوجة نبى الله إبراهيم، فدعت الله فشلّت يده، ثم طلب منها الدعاء بالشفاء على أن لا يمسها بسوء، ففعلت فشفاه الله، فأهدى إليها الأميرة هاجر تكريماً لها، وليست خادمة كما يدعى اليهود.

وأيا كانت الآراء أو الاختلافات عن أصل السيدة هاجر إلا أن اختيار الله سبحانه وتعالى لمعيشة تلك الفتاة المؤمنة في بيت النبوة الإبراهيمية كان لتهيئتها لدور أكبر وتشريفها بمكانة عظمى وتأييدها بمعجزات عظيمة تظل تذكر إلى يوم الدين

كما هو معروف فإن السيدة سارة زوجة إبراهيم كانت لا تنجب وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام قد صار شيخا وابيض شعره من خلال عمر أنفقه في الدعوة إلى الله. وفكرت سارة أنها وإبراهيم وحيدان وهي لا تنجب فماذا لو قدمت إليه هاجر ويأتي منها بولد. وفي روايات أنها قالت لسيدنا إبراهيم «لو تزوجت هاجر رجوتها أن تنجب لك».

وكان عمر السيدة سارة وقتئذ ست أوسبع وسبعين عاما فيما كان عمر سيدنا إبراهيم ست أو سبع وثمانين عاما.

وظهرت علامات الحمل على السيدة هاجر وكانت فرحة لما وهبها الله في أحشائها وربما اختلطت مشاعر الفرح بالخوف أيضا من من أن الغيرة سوف تتحرك في قلب السيدة سارة نحوها وهنا تقول كتب التفاسير إن هذا قد حدث فعلا وشكت السيدة سارة لزوجها إبراهيم

وولدت السيدة هاجر أول ذرية سيدنا إبراهيم وقد جاء ذكر سيدنا إسماعيل في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة منها مواضع كثيرة تمدح في خلقه عليه السلام. ففي سورة مريم الآية 54 يقول المولى عز وجل «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا».

وقوله تعالى في سورة الأنبياء الآية 85 «وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين».

وفي سورة ص الآية 48 «واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار». ويا بشرى هاجر بولدها الذي مدحه الله تعالى وذكر اسمه في كتاب يتلى إلى يوم القيامة ومدح خلقه وأثنى عليه وليس ذلك فقط بل كان من نسله أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

فقد اشتدت غيرة السيدة سارة من هاجر أم إسماعيل بشكل كبير حتى يقال إن السيدة سارة أقسمت أن تقطع أحد أعضاء السيدة هاجر ولما هدأت نفسها قالت لسيدنا إبراهيم ماذا أفعل في قسمي هذا فقال لها اثقبي لها أذنيها تكوني قد أبررتي بقسمك فثقبت أذنيها وألبستها قرطا أي حلقاً فصارت أكثر جمالا فاشتدت غيرة السيدة سارة منها أكثر ويقال إن أول من ثقبت أذنيها من بنات حواء هي السيدة هاجر رضي الله عنها وأرضاها وتمر الأيام وتشتد الغيرة ولا احد يعتب أو يلوم إنها الفطرة البشرية وطبيعة النفس الإنسانية وتأتي اللحظة الفاصلة في حياة أم العرب ويخبرها زوجها إبراهيم أن أمامهم رحلة طويلة إلى بلاد بعيد

إلى بلاد بعيدة فتحضر زادا وزوادا وكان عبارة عن تمر وماء وتستعد لتلك الرحلة التي يمتحن فيها الله سبحانه وتعالى تلك الأم الحنون.

وكان إسماعيل ما زال رضيعا لم يفطم بعد وبدأت الرحلة ويسير سيدنا إبراهيم وسط أرض مزروعة تأتي بعد صحراء تأتي بعدها جبال حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية حيث لا زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا ماء ولا شراب وكان المكان يخلو تماما من علامات الحياة ونزل إبراهيم من فوق دابته وأنزل زوجته وولده وتركهما هناك مع جراب فيه بعض الطعام والماء ثم استدار تاركا إياهما ولنا أن نتخيل الموقف العصيب الذي يواجه السيدة هاجر ووليدها وهي ترى أن الأمر قد استقر بها إلى هذا المقام فتذهب وتلحق بزوجها إبراهيم وتسأله: أين تتركنا وتذهب في هذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟

تقول له ذلك مرارا ولا يرد عليها وسيدنا إبراهيم لا يرد على زوجه ليس استكبارا ولا قسوة حاشا الله فهو الذي يقول عنه ربه «إن إبراهيم لحليم أواه منيب» إنما كان ذلك امتثالا لأمر ربه ولأنها كانت لحظة قاسية على نفسه هو أيضا فهذا هو الطفل الذي تمناه من الله أتى إليه على كبر وهذه زوجه التي أنجبه منها كم يحبها.

والسيدة سارة أيضا ماجت نفسها حسرات أنها لم تنجب وبلغت التسعين من عمرها فهل يضيع منها الزوج والأمل ولكنه الاختيار الإلهي لثلاثتهم الزوج الذي يفارق الابن الذي طالما انتظره والأم التي تواجه مصيرا مجهولا لا تعرف ماذا سيحدث لها والزوجة الأولى التي انقلبت لياليها واشتدت غيرتها وهي لا تملك من نفسها شيئا وهي التي زوجته إياها. وفي الحديث الشريف إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.

وينطلق سيدنا إبراهيم بعيدا فتسأله السيدة هاجر آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت.

إنها الزوجة المؤمنة العظيمة المصرية التي تملأ قلبها الثقة بالله عز وجل ويملأ نفسها الطاهرة الإيمان به وبأنه سبحانه وتعالى لن يضيعها أبدا.

ما أروع ما قالته وما أحسن ظنها بربها وما أعظم صبرها فها هي الساعات تمر وجعلت هاجر أم إسماعيل ترضع ولدها وتشرب من الماء حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من شدة العطش فابتعدت عنه وظنت أنه ميت فكرهت أن تراه وهو يموت وظلت تهرول نحو الصفا أقرب جبل إليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلا تجد فتهبط من جبل الصفا وتهرول مرة أخرى وتصل إلى الطرف الآخر عند جبل المروة وتستقبل قمته وتنظر هل من أحد هل من معين فلا تجد أحدا وتفعل ذلك مرة تلو الأخرى حتى بلغت سبعا وبلغ جهدها الذروة فسمعت صوتا حسبته نفسها فإذا هو صوت الفرج ومعجزة الله لأمته الصالحة وأم نبيه الصالح.

فقد بعث الله بشراه وملكه الأمين جبريل عليه السلام فضرب الأرض بجناحه لتخرج عين الماء نحوها فجعلت هاجر تغرف من مائها وتحاول جاهدة أن تنقذ طفلها وقلبها ينطق بحمد الله على نعمته لها فشربت السيدة العظيمة صاحبة المعجزة وأرضعت وليدها فقال لها الملك أو سمعت صوته يقول لها لا تخافي في الضيعة فإن ها هنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله. وصدق ظنها حين قالت لن نضيع ما دام الله معنا.

في ذاك الوقت كان سيدنا إبراهيم يسير في الطريق حتى إذا أخفاه جبل عن عن زوجته وولده وقف ورفع يده الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله كما جاء في القرآن الكريم «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ذرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» وما هي إلا أيام قلائل حتى هلت بعض القوافل بالقرب من الماء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على الماء وما كان هذا الماء من قبل فذهبوا ووجدوا أم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت نعم.

ويقول عبد الله بن عباس: قال النبي عليه الصلاة والسلام فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم وكان للسيدة هاجر بينهم مكانتها الكبيرة ومقامها الرفيع وكلما زاد العمران على المكان سعدت السيدة هاجر بذلك وشب إسماعيل وتعلم اللغة العربية من قبائل جرهم التي جاءت إلى المكان لتسكن وتستقر.

ولقد كرم الله سبحانه وتعالى السيدة هاجر بأن أبقى ذكراها عطرة خالدة وأمرنا أن نفعل مثلما فعلت فنهرول عند الصفا والمروة 7 مرات كما فعلت هي رضي الله عنها. ولعل من أسمائها أيضا «أم الذبيح» فكلنا يعرف قصة افتداء ولدها إسماعيل من الذبح بكبش عظيم نزل من السماء خصيصا ليفدي أبو العرب إسماعيل. وهكذا نلاحظ أن الاختبارات الإلهية لم تفارق هذه السيدة الصابرة وكانت كلما دخلت امتحانا نجحت فيه فيكافئها المولى عز وجل أليس هو القائل إن الله مع الصابرين.

كبر سيدنا إسماعيل وتزوج وكان بارا بأمه مطيعا لها حليما على نواكب الدهر ومصائبه وهي رضي الله عنها قد وفت رسالتها له ومنحته حياتها بأكملها فاستحقت بره ومحبته وطاعته.

ماتت السيدة هاجر عن تسعين عاما ودفنها إسماعيل عليه السلام بجانب بيت الله الحرام ماتت بعد أن تركت لنا مثالا رائعا للفتاة المؤمنة والزوجة المطيعة والأم الحانية والمؤمنة هذه هي اما العرب المصرية وقد وفاها الله وأجزل فضله عليها فعطر ذكرها وأعظم ذكراها ودفنها بجوار بيته وآنسها في وحشتها وآمنها في غياب زوجها ورزقها وطفلها من حيث لا تحتسب وجعل من ذريتها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأفضل خلق الله إلى يوم الدين. فرضي الله عنها وأرضاها وجعل لنا في سيرتها القدوة الحسنة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.