كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 03, 2021 - 130 Views

معركة ميدواي 3 - 6 يونيو 1942م

Rate this item
(0 votes)

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

تعد معركة ميدواي واحدة من أهم المعارك البحرية في التاريخ رغم عدم كونها أكبر معركة بحرية في التاريخ. فهي المواجهة التي قضت علي الأسطول الياباني وكسرت شوكته تمامًا في المحيط الهادئ. معركة ميدواي الضربة القاضية التي وجهت من الفريسة الضعيفة، ولكنها أصبحت كمين قاتل للقوات البحرية اليابانية. في ربيع وصيف عام 1942م بدأت اليابان تشعر بأنها مهددة في حربها مع الولايات المتحدة الأمريكية علي السيطرة علي المحيط الهادئ. وفي بحثها عن ضربة قوية ضد البحرية الأمريكية، توجهت الأنظار اليابانية إلي جزر ميدواي.

 جزر ميدواي Med way عبارة عن حيد مرجاني في المحيط الهادئ، به جزيرتين مجموع مساحتهما 6 كيلو متر مربع. الجزيرة الشرقية المعروفة باسم " Eastern Island " والجزيرة الغربية الأكبر حجمًا المعروفة باسم " Sand Island ". ضمت الولايات المتحدة مدواي رسميًا عام 1867م،  وتركتها مهملة حتي وضعها الرئيس ثيودور روزفيلت تحت إدارة البحرية الأمريكية، ولم تظهر لها أي أهمية إستراتيجية إلا في الحرب العالمية الثانية، لأنها من تعتبر محطة هامة للغاية في المحيط الهادئ، بين الولايات المتحدة واليابان، حيث تقع في منتصف الطريق بينهما.

 بدأت البحرية الأمريكية في عام 1940م في إنشاء قاعدة كبيرة للطائرات والغواصات في ميدواي، وفي عام 1941م تم إنشاء ثلاث مدرجات للطائرات في الجزيرة الشرقية (إيستيرن أيلاند)، وأقاموا في الجزيرة الغربية (ساند أيلاند) هنجر لسرب من طائرات PBY Catalina (طائرات مائية)، ومحطة كهرباء ومحطة راديو.

حينها أدركت اليابان أن سيطرتها علي ميدواي ستصبح حيوية للغاية بالنسبة لخططها في المحيط الهادئ، لأنها إذا تمكنت من السيطرة عليها ستخسر الولايات المتحدة عتبة هامة في هذا الفراغ البحري العملاق، إضافة إلي أن الوجود العسكري الأمريكي في هاواي، التي تقع علي بعد 1800 كيلو متر، سيكون معرض لتهديد خطير. وكذلك خطوط الإمداد بين الولايات المتحدة وأستراليا سيكون من السهل ضربها، مما يدعم المسعي الياباني لضرب جنوب غرب المحيط الهادئ.

قبل يوم من الهجوم الياباني علي ميدواي، أرسل ياماموتو قوة بحرية صغيرة إلي جزر أليوشن، وهي مجموعة جزر طرفية تابعة لولاية ألاسكا، لتشتيت أنظار الأمريكيين عن وجهته الحقيقية ومسعاه نحو ميدواي، وتوقع أن الأسطول الأمريكي سيوجه سفنه لحماية تلك جزر أليوشن.

وقد قرر ياماموتو مهاجمة جزر ميدواي علي ثلاث مراحل، الأولي، القوة الضاربة المكونة من أربع حاملات للطائرات الثقيلة، يقودهم الأدميرال شويشي ناجومو، ومهاجمة ميدواي بالطائرات من جهة الشمال. أما المرحلة الثانية، فقرر ياماموتو أن يدفع بقوة الغزو بقيادة نائب الأدميرال نوبوتاكي كوندو من ناحية الجنوب الغرب، وتكلفوا بإنزال 5000 جندي ياباني علي جزر ميدواي مهمتهم القضاء علي ما تبقي من الوجود الأمريكي علي الجزر. المرحلة الثالثة، توقع ياماموتو أن الأمريكيون سوف يرسلون تعزيزات من جزر هاواي، وقد جهز لمقابلاتها طائرات البحرية اليابانية من قوة الأدميرال ناجومو، ومعها القوة المتحركة التي يقودها ياماموتو شخصيًا ومعها حاملتي طائرات، وعشرات السفن الحربية، والمدمرات، والغواصات، التي تقف علي مسافة ألف كيلو متر غربًا.

توقع ياماموتو أن تفاجئ خطته القوات الأمريكية، وتقضي علي معظم قوته البحرية، كما ستعزز من الوجود الياباني في المحيط الهادئ. لكن ذاك الهجوم لم يكن مفاجئًا للأمريكيين، فقد تمكنت المخابرات المركزية الأمريكية بعد معاناة كبيرة من فك شفرة البحرية اليابانية، وكشفت نوايا الأدميرال ياماموتو. فقد أنشأت المخابرات الأمريكية فريق لفك الشفرة بقيادة جوزيف روتشفورت، وهم فريق من الموسيقيين السابقين، علي أساس أن الموسيقيين هم أقدر الناس علي قراءة الإيقاع، وبالتالي التنبؤ بمعاني الشفرات، وبالفعل علم هذا الفريق أن هناك هجوم ياباني كبير يتم التجهيز له، وتمكن روتشفورت أن يؤكد بنسبة كبيرة أن هذا الهجوم سيكون علي ميدواي.

أتاح فك الشفرة اليابانية للأمريكيين الفرصة لتجهيز دفاعاتهم، وبمجرد اكتشاف الأمريكان للخط اليابانية، بدأ الأدميرال تشيستر نيمتز قائد البحرية الأمريكية في وضع خطته، وقرر أن يواجه الهجوم الياباني بشكل كامل بطيران البحرية من حاملات الطائرات الأمريكية، التي ستقف علي مسافة كبيرة من مرمي الأسطول الياباني. في هذا الوقت كان لدي الولايات المتحدة ثلاث حاملات للطائرات والقطع المعاونة لها، قسمهم نيمتز إلي قوتين، الأولي بقيادة الأدميرال فرانك جاك فليتشر القائد التكتيكي للمعركة كاملة، ومعه حاملة الطائرات يورك تاون York Town، كقطع رئيسية في مجموعته، والمجوعة الثانية تحوي حاملتي الطائرات أنتربرايز وهورنات، يقودهما الأدميرال ريموند سبروينس.

في الوقت الذي توقع به ياماموتو أنه سيفاجئ الأسطول الأمريكي، كانت الحقيقة أن نيمتز قد نصب كمين لقواته، ففي الثالث من يونيو، هاجم ياماموتو جزر أليوشن كما خطط من قبل، لكن نيمتز قد تجهز بقوة تدخل صغيرة تمكنت من صد الهجوم الياباني، وتمكن من توفير قواته الرئيسية لمواجهة ميدواي.

بدأت المعركة في الساعة 9:25 صباحًا يوم الثالث من يونيو، حينما رصدت طائرة استطلاع أمريكية طلائع الأسطول الياباني علي مسافة 800 كم غرب ميدواي. والتي كانت طلائع قوة الغزو اليابانية بقيادة الأدميرال كوندو ، وليست القوة الرئيسية للأسطول الياباني كما تصور الأمريكيون. وفي تمام الساعة 12:30م أقلعت تسع قاذفات P17 تابعة للقوات الجوية الأمريكية من ميدواي، ووجهت ضربة فاشلة علي أجزاء من قوة الضرب اليابانية التي أصبحت وقتها علي مساحة 350 كم جنوب غرب ميدواي. وأثبتت القذافات أنها غير فعالة في مواجهة الأهداف البحرية المتحركة.

ومع أول ضوء في نهار الرابع من يونيو، بدأ الطيران الياباني الهجوم علي ميدواي، كما كان مخططًا بعدد 108 طائرة من ضمنها مقاتلات وقاذفات قنابل، وقاذفات توربيد. وفي نفس الوقت، كانت القوات البحرية الأمريكية تتحرك للتصدي للأسطول الياباني بعدد ضخم من كان متأهبة للهجوم، وفي الساعة 6 صباحًا كانت كل الطائرات الموجودة في ميدواي أقلعت، وأصبحت في وضعية اشتباك مع الدفعة الأولي من الطائرات اليابانية علي مسافة أقل من 50 كيلو متر من ميدواي.

رغم المواجهة الأمريكية، تمكن الطيارون اليابانيون من قصف هناجر الطائرات والمستشفيات، ومخازن الوقود، وممرات الطائرات في ميدواي. ورغم نجاح تلك الهجمة الجوية، إلا أنها لم تكن كافية لتحييد كل القوات الأمريكية في ميدواي، وقبل أن يقرر الأدميرال ناجومو إذا كان سيرسل طلعة جوية أخري أم لا، كانت القاذفات الأمريكية خرجت من ميدواي ووصلت فوق قواته، وبدأت تمطر أسطوله بالقنابل والتوربيدات، وقبل أن يسستفيق من تلك الهجمة المفاجأة، كانت الغواصات الأمريكية بدأت في الظهور خلف الأسطول الياباني، ليكتشف ناجومو سقوطه في كمين أمريكي الصنع. ورغم ذلك، قرر ناجومو إعادة تسليح طائراته بالقنابل، لشن ضربة جوية ثانية علي ميدواي.

أثناء التجهيز للقصف، رصدت طائرة يابانية عشرة سفن أمريكية في الطريق نحو قوة ناجومو، التي كانت طائراته مسلحة بالقنابل، وليس بالتوربيدات، لأنه كان يتوقع هجومًا بالطائرات وليس بالسفن، ولم يكن يعلم أن هذه السفن بها حاملات طائرات. فأمر ناجومو قواته بالتوقف عن تجهيز الطائرات بالقنابل، وأمر بخروج الطائرات الجاهزة بالتوربيدات لمهاجمة السفن الأمريكية. وفي القوت نفسه، أطلقت حاملات الطائرات الأمريكية الثلاثة المتربصة طائراتها تجاه أسطول ناجومو، لكن المقاتلات اليابانية أسقطت معظم القذافات الأمريكية. وحينما تأكد ناجومو من وجود حاملات طائرات في القوة البحرية الأمريكية، أخذ القرار الذي غير مسار حرب المحيط الهادئ بأكملها. فلم يخرج ناجومو قواته البحرية المستعدة بالتوربيدات لمواجهة حاملات الطائرات التي رصدها، وقرر انتظار عودة طائراته من هجومها علي ميدواي، ليجهزها بالتوربيدات لكي تخرج كل الطائرات اليابانية في هجوم قوي موحد، لتقضي علي الأسطول الأمريكي. وأبعد كل طائراته من علي سطح حاملات الطائرات، وبدأ في تجهيزها بالتوربيدات في عملية تستغرق وقت طويل للغاية.

وحينما كان يجهز ناجومو لتنفيذ قراره الخاطئ، كان هنا ثلاث أسراب من القاذفات الجوية الأمريكية خرجت من حاملات الطائرات، وتبحث في محاولة لتحديد موقع السفن اليابانية. ومع اقتراب نفاذ وقود الطائرات، قرر الكابتن ويد مكولسكي قائد أحد الأسراب الثلاثة، بدل من الرجوع بسربه إلي حاملة الطائرات، قرر يواصل البحث شمالًا حتي رصد مصادفة مدمرة يابانية وأغرقها. وسقطت معظم طائرات مكولسكي في هذا الهجوم، ولكن قراره كشف مكان الأسطول الياباني.

وصف الأدميرال نيمتز بعد المعركة قرار مكولسكي بمواصلة البحث واستهداف الأسطول الياباني بأنه تصرف قرر مصير القوات الأمريكية في ميدواي.

وبينما كان يعاد تجهيز الطائرات اليابانية، كان الطيران الأمريكي يقذف حاملات الطائرات في أسطول ناجومي، وتمكن من إغراق ثلاث حاملات من أصل أربعة، كان من ضمنهم الحاملة أكاجي التي كان ناجومو بداخلها، مما اضطره إلي النزول منها، ويقود باقي قواته من فوق ظهر الطراد الخفيف ناجارا. ومع إدراكه التام لهزيمة، وجه كل الطائرات علي حاملة الطائرات اليابانية الوحيدة المتبقية، وهي الحاملة هريو، لمهاجمة حاملة الطائرات الأمريكية يورك تاون.

ورغم خسائر الطائرات اليابانية في الطريق نتيجة للدفاع الأمريكي، تمكنت الطائرات اليابانية من إغراق الحاملة يورك تاون الساعة 7 صباح يوم السادس من يونيو، واضطر الأدميرال فليتشر النزول منها، وتسليم القيادة التكتيكية للأدميرال سبرونيس، الذي أمر جميع قاذفاته بقذف الحاملة هريو. وبعد موجتان من الضربات الجوية، تمكن الأمريكيون من إخراج هريو ن المعركة لتكتمل الهزيمة اليابانية في معركة ميدواي.

تكبدت اليابان خسائر هائلة في ميدواي، 4 حاملات للطائرات، إضافة إلي طراد ثقيل، وأكثر من 320 طائرة كان يقودها أفضل الطيارون اليابانيون. إضافة إلي خسائر بشرية تزيد علي 3000 ضابط وبحار. ولكن كانت الخسارة الأكبر هي خسارة اليابان جزء كبير من روحها المعنوية، خاصة وأن أمريكا أرسلت واحدًا من أفضل مخرجيها وهو جون فورد لتصوير المعركة، مما أدي إلي إنتاج وثائقي بعنوان " معركة ميدواي " وهو واحد من الوثائق النادرة جدًا بالألوان عن الحرب العالمية الثانية، وكان وسيلة عظيمة حينما صدر 1942م لدعم الروح المعنوية الأمريكية.

وكلف ذلك الانتصار الولايات المتحدة، حاملة الطائرات يورك تاون، ومدمرة، و150 طائرة، و317 قتيل ما بين طياريين وبحارة، وعناصر من مشاة البحرية الأمريكية.

وقد وصفت الرواية الرسمية للبحرية الأمريكية معركة ميدواي بأنها انتصار للذكاء، بدءًا من التمكن من فك الشفرة اليابانية، والتأكد من نية اليابانيين بمهاجمة ميدواي. فقد مثلت تلك المعركة نقطة تحول في الصراع العسكري الأمريكي - الياباني. وكانت أيضًا تلك المعركة هي الهزيمة البحرية الأكثر حسمًا التي تعرضت لها اليابان منذ عام 1592م حينما دمر الأدميرال الكوري إي سن شن أسطول الغزو الياباني بقيادة تويوتومي هيده - يوشي.

ومثلت معركة ميدواي لدول الحلفاء انتصار عظيم، لأن اليابانيين اضطروا للتراجع عن خططهم في التوسع في المحيط الهادئـ وتحول للدفاع حتي نهاية الحرب العالمية الثانية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.