كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 10, 2021 - 199 Views

هوس سرقة الآثار المصرية

Rate this item
(0 votes)

بقلم – ميرنا محمد

مرشدة سياحية

إن القلب ليحزن وإن العين لتذرف دموعا دامية على تراث الأجداد والوطن، الذى هو جزء عزيز من شرف وكرامة هذا الوطن، وتاريخه وحاضره ومستقبله لم يكن أجدادنا منذ آلاف السنين يعلمون أن كل ما يتعلق بهم وبحضارتهم العظيمة وكل ما له علاقة بمعتقداتهم وحياتهم وحتى مماتهم سيتحول إلى هوس يسيطر على العقول والقلوب لكل من يعرف مصر فى هذه الأرض المقدسة على ضفاف النيل، فقد كانت حضارتنا عظيمة لدرجة أن التاريخ بدأ بها وكتب أول صفحاته عنها وعن إسهاماتها، لتصبح بلادنا مصر، «كمت»، «جبت» هى البلد الوحيد فى العالم الذى له علم يحمل اسمه ألا وهو علم المصريات «الإيجيبتولوجى».

ظهر أول لصوص الآثار عندما تولى المماليك حكم مصر باسم السلطان العثمانى وهو أسقف بريطانى اسمه «ريتشارد بوكوك» الذى زار مصر عام 1737، وعبر النيل إلى الأقصر وكان ينزل المقابر بسلم من الحبال ويأخذ منها ما يأخذ وكان المصريون فى ذلك الوقت يعتقدون أن الأوروبى يستطيع بسحره أن يعثر على الكنوز ويرحل بها وعندما تأكدوا من سرقاته هددوه بالقتل حتى اضطر إلى مغادرة البلاد.

وزادت سرقة الآثار المصرية ونهبها على نطاق واسع بقدوم الحملة الفرنسية إلى مصر وأعمالها التى دونت فى كتاب وصف مصر وما حواه من رسوم للصروح والمعابد الرائعة تصاعد اهتمام الأوروبيين بالآثار المصرية، واستنادا على ما جمعته الحملة طوال ثلاث سنوات من آثار ملأت سفينة كاملة،بعد أن أصدر العالم والرسام الفرنسى «دومينيك فيقان دينوف» كتابه «وصف مصر» فى 24 جزءا مما جعل العالم يهتم بمصر، وجذب إليها اللصوص من كل مكان  قام فيفيان دينون أحد باحثى ورسامى الحملة بتأسيس جناح الآثار المصرية فى متحف اللوفر واستمر الفرنسيون من بعده فى إمداد المتحف بالآثار المصرية منذ ذلك الحين بشرائها ونقلها من مصر، بعد ذلك وبتولى محمد على باشا حكم مصر دخلت عملية نهب الآثار المصرية مرحلة جديدة، فقد كان الباشا يتودد للأوروبيين ويسعى لإرضائهم بكافة السبل ولم تكن تلك آثار مصر تعنى له شيئا، فأخذ الدبلوماسيون والقناصل والمغامرون وتجار العاديات والسائحون الأوروبيون يجوبون البلاد للحصول على الآثار بكل السبل فى عصر محمد على بدأ عام 1805- الذى كان حائراً بين بريطانيا وفرنسا وخصومه فى الداخل وفتوحاته فى الخارج وحماية الآثار التى لم يبد اهتماما بها، حيث حرص على اجتذاب قنصل بريطانيا «سولت» وقنصل فرنسا «دروفيتى» وانتهز القنصلان الفرصة فأخذا يسرقان آثار مصر على نطاق واسع.

 وربما يكون محمد على قد عرف ما يفعله الرجلان فترك لهما سرقة الماضى، مقابل أن يتركا له الحاضر والمستقبل. وفى عام 1818 أرسل مجموعة ضخمة من الآثار المصرية إلى المتحف البريطانى مقابل 2000 جنيه، وهو ثمن يقل عن تكاليف الحفر والنقل، وظهر شخص يدعى «بلزونى» إيطالى الجنسية، جاء مع الحملة الفرنسية، لكن لم يعرف وقتئذ إنه سارق للآثار إلا بعد إصداره كتاب «حكاية» سنة 1820، وقال فيه أنه أول من دخل الهرم الثانى ونقل لمتحف «فيزوليم» بكامبردج جزءاً من تابوت ضخم لرمسيس الثالث ويحكى عن سرقته للمسلات، حيث إن أول مسلة سرقها ألقى بها فى النيل ظناً منه أن التيار سينقلها إلى الإسكندرية، لكنها غرقت وسرعان ما أخرجها وهربها برياً.

وتصدرت جهود القنصل البريطانى هنرى سولت والفرنسى دروفيتى ولص الآثار الايطالى جيوفانى بيلزونى عمليات نهب وشراء ونقل الآثار إلى أوروبا، ونقلت فى عصر محمد على الآلاف من التماثيل والمومياوات والآثار وبتمويل وتشجيع من حكومات ومتاحف العديد من الدول الأوروبية التى أخذت تتنافس فيما بينها لتكوين مجموعاتها من الآثار المصرية دون أى اعتراض يذكر، فمحمد على نفسه كان يتودد إليها بسماحه بذلك، بل أنه أمر بإهداء عدد من المسلات إلى بريطانيا وفرنسا، أشهرها المسلة الموجودة حاليا فى ميدان الكونكورد فى باريس

وأخيرا وبعد النهب والدمار الشديدين اللذين عانت منهما الآثار المصرية، قام محمد على بناء على نصائح من شامبليون الذى كان فى زيارة لمصر بإصدار قانون الآثار الأول فى 15 أغسطس 1835 .

لكن هذا القانون على أرض الواقع لم يكن له تأثير يذكر، وفى عهد خلفاء محمد على وفى ظل ضعف الدولة وغياب الوعى بلغت عمليات نهب وتهريب الآثار المصرية أقصى مدى يمكن تخيله، فتمكن تشارلز هاريس من تهريب ونقل أعداد كبيرة من التماثيل والبرديات النادرة إلى بريطانيا، كما تمكن سيباستيان سولينيه وعصابة معه من نزع وسرقة النقش الشهير لدائرة الأبراج السماوية من سقف معبددندرة، وتمكن بريس دافين من قطع وسرقة قائمة الملوك من معبدالكرنك وتهريبها مع آثار أخرى إلى أوروبا وتمكن أرنست واليس بادج من شحن أربعة وعشرين صندوق ضخم تحوى أعداد كبيرة من القطع الأثرية على سفن الأسطول البريطانى وتمكن فيما بعد من سرقة وتهريب بردية آنى الشهيرة التى يبلغ طولها 78 قدم ونقلها إلى بريطانيا، وتمكن الألمانى كارل ليسبيوس من سرقة تمثال رأس الملكة نفرتيتى وتهريبه إلى برلين، وهذا كله غيض من فيض من آلاف عمليات نهب وتهريب الآثار التى حدثت فى تلك الفترة المظلمة من تاريخ مصر.

يفعل الزمن فعله وتتبدل الأيام من ازدهار إلى اندحار، فيجتاح البلاد الغزاة الطامعون، وفى غمرة الحقد والعداء لم يسع هؤلاء إلا أن يدمروا تلك الآثار تدميرا وحشيا همجيا يشهد عليه ما تبقى منها وتظهر عليه آثار معاول وفئوس هؤلاء الغزاة فى المعابد والتماثيل العظيمة التى نحتت من صخور الديوريت والكوارتزيت وأشد الصخور وأقساها، وليتأمل جيدا كل من يشاهد تمثال شامخ لأحد ملوك مصر وقد نكس من عليائه أو حطم تحطيما، ليدرك أن هذا ليس فعل الزلازل بل هو فعل الغزاة لتدمير تاريخ ومجد وعـزة هذه الأمة.

لم يكتف هؤلاء الغزاة بذلك بل بادروا إلى نهب ما ضمته تلك المعابد والمقابر من كنوز وحليات وتحف فنية ومقتنيات ذهبية وفضية ثمينة

من جهة أخرى، لم يقصر كل غريب عن هذا البلد فى الإساءة لتلك الآثار العظيمة دون استثناء

ضعف النفوس وهوس الثراء السريع من الشعب

وانتهز كبار الموظفين الفرصة وصار الحراس متهاونين ووجد اللصوص الفرصة لسرقة المقابر التى بدأت مع نزول فرق الكشف عن الحفائر القديمة

وضمت مراحل نهب الآثار، جحافل من المغامرين واللصوص والمهربين والتجار، الذين وفدوا مع فرق التنقيب وتخفوا أحياناً تحت عباءة قناصل الدول وفى أحيان أخرى علماء الآثار، واتجه المغامرون من الشعب وأصحاب النفوذ الذي ليس لهم معرفة تاريخه بمقدرات  تاريخه للقضاء على آثار أجداده وتدميرها بعد نهبها جهل هؤلاء تاريخ أجدادهم هانت عليهم آثار هؤلاء الأجداد وباتوا يسهمون دون وعى فى نهبها والاتجار بها برخيص الثمن وأدناه.

فأشهر التجار المصريين في سرقة للآثار هو «محمد عبدالرسول» الذى ساعد العديد من الأجانب للوصول إلى مقابر لم تكتشف وظهر فى ذلك الوقت من هم يعيشون من كسب أرزاقهم على سرقة محتويات المقابر، وكان يتقاضى العامل ثلاثة قروش فى اليوم الواحد وبالطبع وقع هؤلاء الفلاحون فريسة لتجار الآثار الذين يستطيعون وحدهم الاتصال بالأجانب الراغبين فى الشراء.

 ان المومياوات المصرية القديمة وجدت سوقاً رائجة فى أوروبا، خاصة فى أوائل القرن الماضى بعد أن نقلها المغامرون عبر الحدود ولم يحتفظ بها الأوروبيون كآثار قديمة تحمل لهم عبق الحضارة والتاريخ، لكنهم استخدموها فى إنتاجية الأرض الزراعية كسماد، وكذا استخدموا الأكفان والكتان التى تلف بها المومياوات فى صناعة الورق.

وهذا الاكتشاف المثير توصل إليه الكاتب محسن محمد، فى كتابه «سرقة ملك مصر» سنة 1788، وقال: «إنه قبل خمس سنوات من هذا التاريخ أصبحت أولى الصادرات المصرية هى المومياوات إذ يصل منها عشرة آلاف طن سنوياً إلى الخارج وأغلبها إلى بريطانيا».

عرفت مصر إهدارا آخر للآثار، يزيد من نزيفها وهو الإهداء، حيث كانت توجد فى معبد الأقصر 13 مسلة، فأهدى محمد على، مسلة إلى فرنسا نقلت عام 1831، وتوجد الآن فى ميدان «الكونكورد» فى باريس، وأهدى مسلة أخرى إلى ملك بريطانيا «جورج الرابع» عام 1821 لكنها لم تصل إلا عام 1878 بعد رحلة طويلة وقد رحبت مجلة «التايمز» بوصولها فى مقال طويل بتاريخ 8 أكتوبر من ذلك العام، وتوجد مسلة ثالثة فى حديقة «سنترال بارك» فى نيويورك، وكل مسلة وزنها نحو مائتى طن ولا توجد فى معبد الكرنك الآن سوى 3 مسلات، أما التسع الباقية فيتوقع أنها هدمت أو سرقت كأخواتها.

وفى عام 1860 عثر الأهالى فى منطقة دراع أبوالنجا، بالأقصر على مومياء ملكة وعليها مجوهراتها وأبلغ النبأ إلى الخديو «سعيد باشا» و«مارييت باشا» مدير مصلحة الآثار وقتئذ، الذى أمر بحفظ الآثار، لكن مدير قنا نقلها إلى بيته ولما جاء مفتش الآثار لم يجد إلا قليلاً من الحلى بينها سلسلة من الذهب يزيد طولها على متر أهداها الخديو إلى إحدى نسائه، وليس الأجانب فقط السارقين للآثار .

وعندما توفى مارييت مدير مصلحة الآثار تولى «جاستون ماسبيرو» الإيطالى الجنسية منصب مدير مصلحة الآثار المصرية، وأمين المتحف المصرى قام «ماسبيرو» بنشاط كبير لمواجهة السرقات التى كانت تحدث للآثار المصرية القديمة بمساعدة العالم المصرى «أحد كمال بك» فنقل المئات من المومياوات والآثار المنهوبة إلى المتحف المصرى بالقاهرة، واستطاع أن يسن قانوناً جديداً عام 1912 ينص على ألا يسمح للأشخاص بالتنقيب ويقتصر التنقيب فقط على البعثات العلمية بعد الموافقة على مشروعها.

ولم يصبح من حق الحفارين الحصول على نصف ما يعثرون عليه، لكنهم يحصلون فقط على القطع التى لها مثيل مكرر بمتحف القاهرة ولا يمنح القائم على الحفائر تأشيرة خروج من مصر، إلا فى حالة تركه الموقع الأثرى فى صورة مرضية، مما أثار حقد المهربين الأجانب وتجار الآثار وكان له الفضل فى القبض على أشهر تجار الآثار «عائلة عبدالرسول»، وتكريماً لأعماله الجليلة سمى مبنى الإذاعة والتليفزيون على اسمه «ماسبيرو».

وأول سرقة منظمة للآثار المصرية تعرضت لها آثار الملك «توت عنخ أمون»، وقام بها مكتشفها اللورد «كارنافون» ومساعده «هوارد كارتر» عندما دخلا المقبرة بعد كشفها سراً مساء يوم 26 نوفمبر 1922، وسرقا كل محتوياتها، وتوجد هذه القطع الآن فى متحف «ميترو بوليتان» بنيويورك وذكر «توماس هوفنج» المدير السابق للمتحف، أن عدد القطع الأثرية المصرية الأصلية التى يضمها المتحف يبلغ حوالى 35 ألف قطعة.

واستمرت مصر تهدر آثارها فلم تكن الآثار تحت سيطرة الحكومة، وكان مدير الآثار المصرية هو «دريتون» الفرنسى الجنسية، وأول مدير مصرى هو مصطفى عامر، ولم يكن لهما أى صلاحية أو سلطة أمام سطو بعثات الحفر الأجنبية حتى إن المغامرين الأجانب كانوا يتعاملون مع المصريين باحتقار شديد وهم يكشفون أسرار المقابر أو يشترون منهم ما يسرقونه من الآثار، حيث كانوا يدفعون لهم 20 قرشاً مقابل جوال ممتلئ بالجعارين الأثرية. كانت مصلحة الآثار تتعامل مع المغامرين الوافدين للتنقيب، بطريقة القسمة، أى إعطائهم نصف ما يكتشفونه من آثار وظل هذا النظام سائداً طوال القرن التاسع عشر، حتى عام 1951 إلى أن ألغته الحكومة المصرية قبل الثورة.

وما سبق إن هو إلا تاريخ موجز للمرحلة الأولى لأكبر وأطول عملية نهب منظم فى التاريخ لآثار بلد ما، حيث نهب ما لا يعد ولا يحصى من الآثار والأحجار والتماثيل والمومياوات والتوابيت وأوراق البردى والأدوات والمعادن النفيسة والأحجار الكريمة، وبما يقدر قيمته بمئات المليارات من الدولارات، أقيمت بموجبها متاحف كاملة فى مختلف مدن العالم فى مقدمتها المتحف البريطانى واللوفر والمتروبوليتان ومتحف برلين وتورينو وغيرها من المتاحف التى تضم عشرات الآلاف من القطع الأثرية المصرية المنهوبة، هذا عدا آلاف المجموعات الأثرية التى يمتلكها الهواة من الأثرياء، بالإضافة إلى ما لم يفصح عنه من مهربات فى مخازن عصابات الجريمة الدولية المنظمة فى تجارة وتهريب الآثار، وفى مستودعات صالات المزادات العالمية.

 ويجدر بنا أن نتخذ من فورنا التدابير والقوانين اللازمة للحفاظ على كل أثر كبيرا كان أم صغيرا حتى لو غلظت عقوبة نهب وتهريب الآثار المصرية لتكون الإعدام، فهذا جزاء حق لمن يعبث بذلك التراث الوطنى لأنه خائن لوطنه وأجداده وتاريخه، وإن ظل الأمر على ما هو عليه من استمرار هذا الوضع، فسنكون بذلك غير جديرين بهذا الوطن العظيم وهؤلاء الأجداد الخالدين، فالحفاظ على آثارهم وتراثهم هو فرض وفريضة مقدسة واجبة علينا وعلى أولادنا وأجيالنا إلى أبد الدهر.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.