كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين1 13, 2021 - 366 Views

نموذج نادر لإمرأة غير ملكية تكسر البيروقراطية فى مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

بقلم الدكتورة/  هبة ماهر محمود

أستاذ الآثار المصرية القديمة المساعد، كلية الآداب، جامعة المنصورة

تمثل الألقاب وماتشير إليه من أدوار ومكانة فى مصر القديمة اشكالية للباحث المعاصر، خاصة المرتبطة منها بالنساء والتى غالبا مايتم الإشارة إليها على أنها مجرد ألقاب شرفية واحتفالية لا تنطوى على أية مسئوليات حقيقية.

وكأحد أهم وأشهر المهن فى الحضارة المصرية القديمة تطل علينا مهنة الكاتب التى ارتبطت فى أذهان الجميع بالرجال دون النساء؛ لما تنطوى عليه هذه المهنة من رحلة شاقة فى تعلم القراءة والكتابة وصولاً الى تولي دورًا مركزيًا وحيويًا فى الإدارة المصرية القديمة.

ولكن وكعادة الحضارة المصرية القديمة، وكعادة النساء المصريات فى مصر القديمة؛ أن نجد ما يبهرنا حيث نجحت قلة قليلة فى كسر هذه القاعدة والخروج عن المألوف بحمل لقب الكاتبة. حيث يأتى المثال الأهم والأكثر جدلاً فى العصر المتأخر وتحديدًا فى الأسرة السادسة والعشرين حيث اكتشفت مقبرة ضخمة سنة 1820 تم تسجيلها سنة 1840 بمنطقة جنوب العساسيف الواقعة أمام الدير البحرى بالبر الغربى بالأقصر لسيدة تدعى "ارت ارو"     تحمل لقب الكاتبة  بأكثر من نقش داخل المقبرة، حيث أثار هذا اللقب من الجدل الكثير و طرح من التساؤلات  العديد عن هذه المرأة وهويتها فعلى سبيل المثال وليس الحصر:

  • كيف تلقت هذه السيدة أساسيات مهنة الكاتبة التى تبدو محالاً أن تمنح لحاملها شرفيًا؟!
  • كيف تقلدت هذه المهنة فى المؤسسة الالهية لزوجة أمون بطيبة؟!
  • هل تنطوى مهنتها على مسئوليات فعلية وحقيقية؟!
  • هل حُصلت على ما حُصل عليه الكاتب الذكر من امتيازات؟!

للاجابة على هذه التساؤلات يجب النظر بعمق للمجتمع المصرى القديم؛ فبالرغم من استبعاد النساء من الهيكل الحكومى؛ فإن هذا لم يكن يعنى عدم تعلمهم القراءة والكتابة فى المطلق؛ خاصة فى حالة الملكات والزوجات الالهيات اللاتى تولين أدوارًا سياسية، وكذلك الأميرات بالبلاط الملكى فضلاً عن الكاهنات، بل هناك مايدعم الحديث أكثر كون المعبود المعني بالكتابة فى مصر القديمة هى الأنثى "سيشات" قرينة المعبود "جحوتى" رب الحكمة والمعرفة فى مصر القديمة.

لذلك علينا افتراض تعلم "ارت ارو" للكتابة والقراءة، بل وأساسيات مهنة الكاتب، حتى وان كان بطريقة غير مباشرة من أحد أفراد أسرتها ممن ذهبوا إلى المدرسة لتلقى التعليم المباشر.

وعن التساؤل الثانى فالسيدة "ارت ارو" هى ابنة لأحد عائلات "ثنى" وقد جاء انتقالها وتقلدها للمنصب متزامنًا مع انتقال ابنة الملك "بسماتيك الأول" "نيت اقرت" لتباشر مهام مهنتها كابنة بالتبنى فى منصب الزوجة الالهية لـ"أمون" فى طيبة، ومن ثم توليها منصب الزوجة الإلهية لـ"أمون"، الأمر الذى يؤكد أن وقوع الاختيار على "ارت ارو" ليس الا لمهارات وقدرات "ارت ارو" فى تولى هذه المناصب الجديدة ككاتبة وخادمة رئيسية بالمؤسسة الإلهية فى طيبة، وأنه من غير المعقول أن تمنح "ارت ارو" هذه المنصب بصفة شرفية حتى وان لم نجد لها أى كتابات أو تمثيل بهيئة الكاتب ضمن نقوش مقبرتها؛ تلك الهيئة التى اعتدناها للكاتب الذكر والتى قد تبرر بأن هذه الجلسة للكاتب الذكر لا تليق للمرأة تمامًا.

وعن التساؤل الثالث فـ"ارت ارو" كانت امرأة ذات امتيازات كبيرة نابعة من توليها مناصب كبيرة وليست نابعة من كونها زوجة وزير وأم لوزير لأنه؛ حتى ولو كان الأمر كذلك لوجدناها قد دفنت مع زوجها أو ابنها وانما دفن زوجها فى مقبرة أسلافه بـ"أبيدوس" حيث موطنهم الأصلى، بينما حاول ابنها اغتصاب مقبرة الكاهن الأول "كاراخأمون" الملاصقة لمقبرة أمه لرغبته الشديدة فى أن يدفن بجوارها.

 أما عن صاحبة الامتياز نفسها فقد استقلت "ارت ارو" بمقبرة كبيرة وضخمة تحمل نقوشها، بل وتمثلها كشخصية رئيسية بالمقبرة وبهيئة الملوك والملكات الشبابية وبوضعيات منفردة. الأمر الذى يؤكد تمتع هذه السيدة بمكانة عظيمة تبدو وكأنها موازية لمكانة أهم منصب فى هذه المؤسسة فى ذلك الوقت وهو؛ منصب المدير العظيم لبيت الزوجة الالهية، وهو مايؤَكد من خلال اختيار مكان مقبرتها ضمن نطاق منطقة العساسيف حيث دفن المديرين العظام.

بعد الاجابة عن بعض التساؤلات ينبغى أن نؤكد على كون "ارت ارو" امرأة غير ملكية تمتعت بامتيازات ملكية، بل والأدهى هو كسرها لنمط البيروقراطية المصرية التى طالما اقتصرت على الرجال دون النساء، حتى وان لم يكن ذلك مقبولاً فى المجتمع المصرى، هذا الأمر الذى لم تنجو منه الملكات الحاكمات أمثال "سوبك نفرو" و"حاتشبسوت"، وعلى مايبدو أن تفسير تلك القوة المتزايدة للنساء، والنمو فى الاستقلال عن الأزواج والأبناء كان مرتبطًا قطعيًا بنمو قوة المؤسسة الالهية لزوجة "أمون" فى العصور المتأخرة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.