كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 22, 2021 - 146 Views

الدوافع الداخلية المحفزة للأحلام والكوابيس فى مصر القديمة وفقًا لنظرية فرويد

Rate this item
(0 votes)

بقلم – د. هبة ماهر محمود

أستاذ الآثار المصرية القديمة المساعد، كلية الآداب، جامعة المنصورة

لعبت قوة الأحلام بالإضافة إلى وظيفة الحلم أدوارًا رئيسية فى العديد من الثقافات القديمة، فعند النظر إلى الأحلام واستعارتها فى الأدب المصرى القديم نجد أنه قد تم توظيفها بما يخدم المعنى المنوط به حين؛ أكد بتاح حتب فى تعاليمه على كل ماهو سريع الزوال والغير جدير بالثقة، ثم جاء خطاب امنمحات الأول الذى ألقاه على ابنه سنوسرت بعد اغتياله على الأرجح فى صورة حلم أو رؤية، ثم بقصة القروى الفصيح للتأكيد على حديثه حين استصاغ النص بقوله: "الأكل هو الذى يتذوق، ومن يسأل هو الذى يجاب، والنائم هو الذى يرى الحلم".

كما صورت الأحلام فى مصر القديمة وبلاد النهرين على أنها رسائل من الآلهة؛ بسبب مكانتهم الفريدة خارج الحدود المعتادة للمكان والزمان. فالأحلام غالبا مايعتقد أنها تحوى رسائل وأسرار خفية من الألهة (نترو) بل ومن الموتى المبرئين والغير المبرئين(الآخو والميتو)؛ لذلك فالأحلام فى مصر القديمة تحتاج إلى تحليل آخر خارج عن النطاق المعتاد فى أغلب الدراسات التى طالما جاء التركيز بها على الاستخدام السياسى للأحلام وكذا تفسير كتاب الأحلام، بينما هناك مايستدعى التركيز عليه أكثر وهو الدوافع الداخلية التى سمحت للنائم فى مصر القديمة برؤية هذا الحلم برمته دون الآخر، وهنا تأتى نظرية سيجموند فرويد كإحدى نظريات علم نفس الحديث التى تفترض وجود دوافع محفزة وراء رؤية الأحلام والكوابيس والتى تقوم على ربط الحالم باللاوعى.

 قد تعود هذه الدوافع وفقًا لنظرية فرويد إلى احدى الرغبات المكبوته التى تخزن فى العقل الباطن لأن الظروف الاجتماعية على سبيل المثال تمنعها من الظهور فى الواقع، فلا تجد وسيلة سوى أن تشق طريقها أثناء النوم من اللاوعى الى الوعى وتكشف عن نفسها فى صورة حلم. أو قد تكون رغبة مختلفة عن حياة اليقظة؛ حيث بعض الأفكار التى قد تكون موجودة وتحتوى على دوافع متضاربة أثناء الوعى ثم حصولها على دعم من أحد العناصر العاطفية أثناء النوم؛ لذلك قد تخرج الأحلام من الهو أو الأنا.

كما يرى فرويد أن الحلم الواحد يحتوى على محتويين حتمًا حيث؛ المحتوى المرئى والمحتوى المخفى. وكلاهما يتم تقديمهما على أنهما وجهان لنفس الموضوع فى لغتين مختلفتين أو بشكل أكثر ملائمة فمحتوى الحلم هو؛ معنى لأفكار الحلم فى تعبير آخر. فى حين أن المحتوى الظاهر للأحلام يظهر نوع الاضطراب لدى الحالم، بينما المحتوى الباطن يعكس جذور الاضطراب الكامنة فى اللاوعى للحالم.

وبمنهجية فرويد فإنه يربط الحلم بالحياة النفسية اللاواعية حيث يقول: "اننا نحلم لأن اللاشعور يريد أن يخبرنا بشئ"،  كما توصل فرويد إلى أن الانسان يعيش استمرارية بين النوم واليقظة فى الحياة النفسية. فالحلم عند فرويد هو عارض مثل زلات اللسان التى تخرج فى حيز الوعى؛ حيث هذه المشاعر المكبوتة تعود للتعبير عن نفسها كحلم، وأن القوى التى تحرك الحياة الحلمية هى الرغبات اللاشعوية التى لا نريد لها أن تظهر ونحن مستيقظين والتى استبعدناها أثناء الوعى والشعور مثل؛ الرغبات الجنسية أو الحب والكره تجاه شخص معين أو صراع فى المجال المهنى أو غير ذلك.

يرى فرويد أن جميعنا يحمل هذه الرغبات اللاشعورية التى كبتت ولكن مع عدم وجود قوة للتخلص منها، ومع تخفيف رقابة الوعى أثناء النوم تدب الحياة فى هذه الرغبات فتفصح عن نفسها فى صورة حلم.

على الصعيد الأهم هنا فالمصطلحات والكلمات فى اللغة المصرية القديمة لم تُعرف الحلم على أنه عمل يقوم به الانسان، وإنما نُظر للحلم على أنه ظاهر خارجة عن سيطرة الحالم مع تضمين الكلمات الدالة على الحلم فى مصر القديمة على عين مزينة مما يؤكد اعتبار الحلم مرتبط بحالة من الوعي والقدرة على الرؤية أثناء النوم، وهو وصف للتشابه الفسيولوجى للأحلام مع اليقظة رغم النوم؛ "فالشخص يرى الحلم ولا يفعله".

سمح هذا الحلم أيضًا فى حالة المصريون القدماء لحدود الشخص بالاختراق من قبل الآلهة والشياطين والعفاريت والأرواح المقيمة بالعالم الآخر، وكأن هذا الحلم هو سيلة للادراك ولاتصال الفرد بهذا العالم الغامض والقاطنين به. كما اعتبر المصرى القديم كل من النوم والموت نفس الشئ؛ فبكلتا الحالتين يتصل الشخص بعالم الآخرة وكأن الحلم يمثل منظر طبيعى لهذا العالم البعيد الذى يصعب رؤيته فى عالم الواقع الا فى حالة الموت، وينطبق كل ذلك على الصورة المخيفة للأحلام والتى نعرفها حاليا باسم الكوابيس حين يحدث تواصل مخيف أو غير مرغوب فيه ومايصحب ذلك من سيناريو مخيف وشحنة عاطفية ملئية بالخوف والرعب قوية ومحطمة للأنا.

اعتبر فرويد أن هناك عدد من المحفزات الداخلية للأحلام والتى سنحاول تطبيقها على نمطية الأحلام فى مصر القديمة للتعرف على مدى فعاليتها وتطابقها مع أحلام المصرى القديم.

أولاً محفز الذنب أو الرغبة:

بالعودة إلى خطاب من الدولة القديمة نجد أن كاتب الخطاب وهو شخص يدعى "حنى" قد عمد إلى كتابة هذا الخطاب لأبيه المتوفى ليطلب من والده فيه أن؛ يمنع خادمه المتوفى أيضًا من زيارته فى الحلم مع انكاره لاهانة الخادم أو تعنيفه أثناء حياته. وهنا يتضح أن حنى فى حالة من تأنيب الضمير التى تلازمه ولا يقوى على التخلص منها؛ حيث شعوره بالذنب تجاه هذا الخادم، الذى اعتاد أن يتسرب لديه من اللاوعي الى الوعى على شكل الحلم، وهنا يأتى تحليل فرويد لتلك الحالة فى التخلص تمامًا من الأفكار السائدة بأن الأحلام مجرد ظواهر لا معنى لها تأتى من لا مكان ولا تؤدى الى أي مكان، بل أن هناك صلة وثيقة بين الحلم وتفاصيل حياة الحالم أثناء اليقظة.

فى نفس المحفز يظهر لدينا رسالة أخرى تعبر عن قوة الأحلام ومدى ثقة الحالم بأنها تشبع احدى الرغبات الدفينة والملحة عليه أثناء اليقظة؛ ويمَثل ذلك فى خطاب لشخص آخر من الدولة القديمة يطلب فيه من زوجته المتوفاة أن تظهر له فى الحلم فى صورة روح من أجل عيناه، وفيما يبدو أن محفز الفقد والوحشة هنا هو المحرك الأساسى كما يعكس مدى ايمانه الذاتى بمدى قوة المحفز فى رؤية الحلم ذاته وتحقيق الرغبة.

ثانيًا المحفز الإلهي:

عادة ما تم استخدام الأحلام فى مصر القديمة لاضفاء شرعية على الملوك كنوع من الادعاء بالقوة أو الحماية المقدسة ولكن فى حالة المواطن المصرى العادى والبسيط الذى منع من الاتصال المباشر بالآلهة لابد أن يجد بداخله من المحفزات ما يستدعى ويستحضر حلم يجمع بينه وبين المعبود لطلب الحماية أو اشباع لرغبات كثيرة لدية فى الوعي واللاوعي من الشعور بالقوة أو الحماية أو اثارة استجابة معبود لحد طلب الالهة نفسها بعمل تقي أو الورع والثناء أو التظاهر بالتقوى.

فلدينا قول لشخص يدعى ايبوى يوضح ذلك حين قال: "عندما رأيت سيدة الأرضين "حتحور" فى حلم أصبح قلبى مبتهجًا ثم انتعشت من طعامها"، وهو أمر محال حدوثه بعالم الواقع، كما أن هناك من الأمثلة بكتاب الأحلام بالدولة الحديثة مايشير لذلك فعلى سبيل المثال ربط الرزق الوفير برؤية اله أعلى فى الحلم لمواطن عادى، وهو أمر بديهى لتصوره لقدرات معبوداته التى طالما استقرت فى كينوته ولا يستطيع تلمسها فى الحقيقة فلا وسيلة أمامه سوى الأحلام.

ثالثًا المحفز الجسدى (العضوى):

فقد تكون الأحلام بمثابة منبه أو مؤشرات محتملة للحالة الصحية العامة للحالم أو كأدوات تشخصية فى حالة مرض الحالم، لذلك تباينت العديد من الآراء الطبية حول فائدة الأحلام بشكل كبير والتى تم استخدامها فى ثلاث مناهج مختلفة فى الطب المصرى القديم:

  • الأول: وهو الأكثر شيوعًا حيث اعتبرت الأحلام تأتى من داخل الجسد كامرآة عاكسة للحالة الجسدية.
  • الثانى: هو احتمالية أن الأحلام مرسلة من مصدر خارجى يتعلق بمخاوف جسدية.
  • الثالث: وهو حضانة الأحلام واستخدامها لاستحضار كائن مقدس يوفر المساعدة الطبية أثناء الحلم نفسه.

والجدير بالذكر أن هذه الأفكار قد افترضتها نظرية فرويد بعد آلاف السنين حيث يتغير الاحساس بالجسم، بل والتأثيرات الجسدية يزداد عمقها أثناء النوم، فمن الممكن أن تظهر بداية المرض أثناء الحلم قبل أن يلاحظ أي شئ فى حياة اليقظة بسبب التأثير المبالغ فيه الناتج عن انطباعات الأحلام، حتى أن الكتاب الطبيون البعيدون عن الايمان بالقوة الروحانية والنبؤية للأحلام لم يجادلوا فى أهميتها باعتبارها هاجس للمرض.

وبالعودة لأجدادنا المصريين نجد أنهم كانوا يسافرون للنوم طيلة ليلة فى سرير خاص بالأحلام فى معبد أو مقصورة لاستدعاء الأحلام بحثًا عن الراحة أو النصيحة من الاله أو الشفاء فيما يسمى بحضانة الأحلام. والجدير بالذكر أن هذه الحضانة مورست فيما بعد باليونان بمعبد أبوللو واسكلبيوس بمناسك مختلفة وعديدة لنفس الأغراض التى قام بها المصري القديم.

التطرق لهذه النظرية وربطها بالأحلام فى مصر القديمة يستدعى الكثير من التحليل والاستنتاج ولكن يبقى أن نشير اجمالاً أن تجربة الأحلام فى مصر القديمة لم تختلف عبر الزمان والمكان فبعد آلاف السنين تفترض نظريات الطب النفسي الحديث نفس الأفكار والأهداف التى كانت بها الأحلام فى مصر القديمة معنية، كما يتفقا فى كونها تجربة غريبة يتكامل بها قسمان من الحياة متواصلان ومتسقان مع بعضهما البعض، تقوم على ربط الأحلام بالحياة النفسية اللاواعية المرتبطة بالعقل الباطن والرغبات الدفينة التى تسخدم الحلم كوسيلة للاشباع والتنفيس بدلاً من القمع والتكبيت.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.