كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 20, 2022 - 77 Views

طريق الحرير ماضى أصبح حاضرًا

Rate this item
(0 votes)

بقلم الباحثة الشيماء كامل

قد يحاول أى رحالة على قدر كاف من الجرأة والتهور أن يقطعه فى الوقت الحالى حيث يبدأ من الصين مرورا بدول الاتحاد السوفيتى سابقا وإيران والعراق وسوريا وأفغانستان وتركيا وباكستان والهند ولبنان وفلسطين والأردن ومصر، وحتى فى حالة قدرة المرء على التسلل عبر الحدود المغلقة، وعبور تلك المناطق التى تشتعل فيها الحروب فإن المسافر سيمكنه رؤية جزء متواضع من طريق الحرير قياسا على ما كان عليه من عظمة فى تلك الأيام الخوالى. ولكن الجيد فى الأمر أن الصين قد أعادة إحياء هذا الطريق. تعالوا لنتعرف على قدر من المعلومات عن الطريق الذى كان جزء من ماضى، وأصبح حاضرا الأن بيننا. 

كان طريق الحرير من الطرق التجارية الهامة فى عالم العصور القديمة والوسطى، بالإضافة إلى كونه طريق الديانات، والحضارات، والثقافات، والفتوحات القديمة، إنه الطريق الذى سار عليه دعاة البوذية، والمسيحية، ونشر من خلاله التجار العرب الإسلام فى ربوع أسيا فى العصورالوسطى الإسلامية.

فقد عاش هذا الطريق  سنوات عز وازدهار، وأخرى من الكساد والانقطاع، أما أكثر أيامه ازدهارا فكانت عندما خضعت البلاد الواقع فيها الإمبراطوريات القوية كما حدث فى عهد الفرس والمغول، فى حين أدى ضعف الدولة التى يمر فيها وحدوث حروب صراعات فيما بينها إلى انقطاع الطريق .

سبب التسميه:

أشار الباحثون إلى أن أهل الإمبراطورية البيزنطية أطلقوا عليه هذا الاسم أى طريق الحرير،

) وفى القرن التاسع عشر أطلق المستكشف الألمانى فرديناند فون ريشتهوفن اسم Die Seidenstraße ( (أي طريق الحرير) على هذا الطريق الذى يقطع قارة أسيا، وقد احتفظت الصين بسر انتاج الحرير مدة لا تقل عن ألفى سنة، كانت خلالها المصدر الوحيد للأقمشة الرقيقة الفاخرة التي تصل للغرب حتى القرن السادس الميلادي. وكان الحرير أهم سلعة تنقل على هذا الطريق خاصة أن الصين ظلت زمنا طويلا تحتفظ بسر تربية دودة القز وصناعة الحرير وأدى هذا إلى نسج الحكايات والأساطير عن الحرير فى الغرب ، ووصل الأمر بالبعض إلى القول أن الحرير نبات، وكان أهل الغرب الأوروبى يعرفون الصين باسم سيريس وهو مشتق من الكلمة التى تعنى الحرير بلغة آسيا الصغرى.

الطريق واهميته :

على مر التاريخ كانت هناك مدن تظهر وأخرى تختفى تبعا لموقعها من طريق الحرير، تماما كما حدث مع تدمر والبتراء اللتين ازدهرتا بمرور تجارة الحريرعليهما ثم انهارتا وطواهما النسيان حين ابتعدا مسار الطريق عنها.

شهد طريق الحرير أنواعا شتى من التجارة، لعل أغربها ما عرف باسم التجارة الصامته حيث كان أحد الطرفين يترك بضاعته فى مكان متفق عليه، ثم يأتى الطرف الأخر بما يريد مقايضته بتلك البضاعة ويضعه ويغادر المكان. فإذا عاد الطرف الأول وأعجبه ما تركه الطرف التانى مقابل بضاعته أخذه وانصرف وإلا فإنه يغادر المكان دون أن يأخذ شيئا. وهنا يعود الطرف الأخر ويزيد المقابل ويغادر المكان، فإن قبل الطرف الأخر فى هذه المرة أخذ بضاعة الآخر وانصرف، وإلا استمرت هذه العملية إلى أن يرضى وتتم الصفقة، وطوال هذه الفترة لايرى أحد الطرفين الآخر أو يلتقى به.

وعلى الرغم من أن أهم  سلعة على هذا الطريق هى الحرير، وهى الأغلى ثمنا والأرقى، إلا أن الطريق عرف عليه تجارات أخرى متعددة منها الفواكه، والخضروات، والحبوب، وأيضا اليشب (وهو ذلك الحجر الكريم ذو المكانة عند الصينين) وهناك الذهب، والفضة، والزجاج وغيرهم. كذلك انتقلت صناعة من أهم الصناعات وهى الورق وهذا المنتج أحدث ثورة فى عالم الثقافة والمعرفة، وخاصة أن الصينين ابتكروا أيضا طريقة للطباعة بالقوالب الخشبية. وانتقلت هذه الطريقة إلى أوروبا على طريق الحرير، لتفتح الباب أمام جوتنبرج ليخترع طريقة الطباعة بالحروف المتحركة .

وأيضا ذكر المؤرخ  الثعالبى فى القرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى بقوله " إن كواغيد سمرقند عطلت قراطيس مصر، والجلود التى كان الأوائل يكتبون عليها؛ لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأوفق ولا تكون إلا بسمرقند والصين". فكان أجود أنواع الورق فى ذلك العصر  بمملكة الإسلام هو "الكاغد" والذى نقلت صناعته من الصين، ونال على أيدى المسلمن التغيير الهام الذى يعتبر تطورا فى تاريخ العالم، وقام المسلمون الفرس بتنقيته مما كان يستعمل فى صناعته من ورق التوت ومن الغاب الهندى .

تاريخ الطريق وفترات ازدهاره:

لقد أشارت المصادر إلى أن هذا الطريق ازدهرت عليه مدن تجارية عندما خضع إلى إمبراطوريات قوية كما حدث فى عهد الفرس والمغول، والحقيقة أن طريق الحرير لم يزدهر سوى فى فترات معينة أولهما فيما بين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، والثانية فيما بين القرنين السابع والثامن الهجريين، وجانب من القرن التاسع الهجرى، وجانب من القرن الخامس عشر الميلادى حيث تم تبادل السلام المغولى على طريق الحرير فى الفترة الأولى وهى عهد أسرة ينوان (يوان) المغولية فى الصين 658-770 ه  /1260- م1368 بعد ذلك حلت أسرة مينغ الصينية محل الخانات فى الصين 1368-1644م،  واستطاع خانات المغول من الأسرة الينوانية فرض السلام المغولى على طريق الحريرلمدة قرن من الزمان، فعمت السكينة تجارات المدن الصينية، ومدن آسيا الوسطى الواقعة على الطريق، وكان هذا قرن السلام والازدهار المغولى لطريق الحرير، ثم جاء التيموريون خاصة عهدى تيمور وابنه شاهرخ ميزرا (1370- 1447م)، فتم فرض سلام تيمورى - لم تتحدث عنه المصادر والدراسات المختلفة، حتى كتاب طريق الحرير ذاته – على طريق الحرير بعد أن أعاد تيمور بناء وتجديد ما تم تدميره من مدن على أيدى المغول وعلى يديه، خاصة مدن أسيا الوسطى فعاد الازدهار الثالث – ويتصل زمنيا بالازدهار الثانى- لطريق الحرير وتجارات أسيا الوسطى، ويرجع هذا إلى احتياج مغول الصين ثم أسرة منغ الصينية أل تيمور لإعادة الانتعاش لخزائنهم فعاد الإزدهار التجارى والثقافى للمدن الصينية ومدن آسيا الوسطى على الطريق الحريرى ، وظلت هكذا حتى انتهاء العصر التيمورى 1505م.

وقد يظن البعض أن طريق الحرير طريقا واحدا، ولكن فى الحقيقة هو شبكة من الطرق الفرعية التى تصب فى طرق أكبر أو بالأحرى فى طريقين كبيرين، حيث أشار بدر الدين الصينى إلى طريقين حيث يعرف أحد الطريقان فى المصادر الجغرافية الصينية باسم (نان لو) أى الطريق الجنوبى، والآخر باسم (بيلو) أى الطريق الشمالى، وكانت المحطة الابتدائية لكل واحد منها هى مدينة سى آن التجارية الصينية والمحطة النهائية هى مدينة خبوا التجارية الفارسية. وقد كانت المدينة التجارية الصينية شان شان (تشرتشن) أول وأكبر مدينة يستريح فيها التجار المسافرون على الطريق الجنوبى ويتزودون فيها بالمؤن ثم يتجهوا بعد ذلك إلى مدينة خوتان التجارية الصينية ، أما التجار المتجهون إلى الهند يسيرون فى بعض الأحيان عبر الجبال الواقعة خلف خوتان، وغالبا ما كانوا يمضون فى السير على الطريق الجنوبى. أما الطريق الشمالى الذى يسلكه التجار من تونهوانج فيتجه ناحية الشمال الغربى عبر صحراء كوبى حيث يجدون العديد من الواحات وكانت أولى تلك الواحات هى واحة هامى . والذي يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعاً هو أنها مسالك للقوافل المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب، لتمر في طريقها ببلدان ما لبثت أن ازدهرت مع ازدهار هذا الطريق التجاري الأكثر شهرة في العالم القديم.

ولقد سار الرحالة أمثال ابن بطوطة وماركو بولوعلى هذا الطريق فى عصر ازدهاره، وكانوا شاهد عيان على ازدهار الطريق والمدن التجارية. وقد استخلصنا من كتابات الرحالة والجغرافيين والمؤرخين المعالم السياسية والحضارية لطريق الحرير ومدنه التجارية.

ويبلغ طول هذا الطريق يبلغ 8325 كيلو مترا تقريبا ، وكان يبدأ من سور الصين العظيم أو مدينة سى آن كما أشارنا من قبل ثم نصل إلى ممر كانسو مخترقا آسيا الصغرى مرورا بالهند وروسيا وإيران وأفغانستان حتى يصل إلى بغداد وحلب

ودمشق ثم إلى أنطاكية وأوروبا وهذا الطريق قد ربط شرق العالم بغربه، ومثلما كان هذا الطريق للتبادل التجارى أيضا كان طريقا للتبادل الثقافى وخاصة الصين وآسيا الوسطى، حيث نقلت الصين من آسيا فنون الأكروبات التى اشتهرت بها حاليا وأيضا انتقل اللاعبون مع أهل الفن والغناء والرقص وانتقلت أيضا موضة الملابس، وأغطية الرأس، وفنون المعيشة .

أما الوسيلة المستخدمة فى التنقل على هذا الطريق هى الجمال، وهى وسيلة الانتقال الأساسية وتختلف الجمال فى أسيا الوسطى عن الجمال فى الجزيرة العربية فى كونها ذات سنامين، وهى قادرة على تحمل برد الليل القارس وزمهرير الشتاء إلى جانب تحملها لحرارة الصحراء أثناء النهار، وهى قادرة على معرفة العواصف، حيث قال عنهم بى شى "عندما توشك هذه الرياح على الهبوب تكون الجمال وحدها هى القادرة على التنبوء بوجودها ففى الحال تجتمع كلها وتدفن أفواهها فى الرمال ". وهناك وسائل أخرى مثل الحمير والبغال، وأيضا شهد استئناس الحصان، وتوليد سلالات قوية من الخيل، حيث ظهرت أساطير عن الخيل أهمها أسطورة الخيول السماوية التى ولدت فى الماء وحملت الحكام الأسطوريين إلى السماء حيث يخلدون .

طريق الحريركأى طريق قديم ملىء بالمخاطر وخاصة أن التجارات عليه كانت تحمل كل غالى ونفيس، لذا وجد قطاع الطرق الذين كانوا ينتظرون الفرص لذلك، وأيضا وجدت مخاطر أخرى مثل العواصف الرملية ومشاكل فى الطعام والشراب، ولكن لم يكن هذا ما يواجهه المسافر فقط من مخاطر بل هناك جانب أخر وهو مانع جبال البامير الشرقية التى أطلق عليها الفرس سقف العالم بسبب ارتفاعها الشاهق الذى يصل إلى خمسة وعشرين ألف قدم نعم طريق الحرير من أعظم الطرق القديمة ولكن كان به الكثير من المخاطر التى يصعب تلاشيها جميعا.

مشروع الحزام والطريق:

لقد حصلت الصين على لقب مصنع العالم، ولكى تتمكن الصين من مواصلة هذا التوسع فإنها أطلقت مبادرة الحزام والطريق التى تساعدها على تعزيز علاقتها الإقتصادية مع العالم الخارجى، وتعتمد هذه المبادرة على استثمار فكرة طريق الحرير القديم، ذلك الطريق البرى الذى كان يربط الصين بمنطقة أسيا والبحر المتوسط منذ ألاف السنين، ولكن المبادرة الجديدة هى أوسع نطاقا من حيث المكون القطاعى فهى تتضمن إنشاء شبكة من الطرق البرية، وأخرى من الممرات البحرية، وثالثة من خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعى . حيث بدأ الاعلان عنها فى عهد الرئيس الصينى شى جين بينغ لأول مرة فى عام 2013 بعنوان حزام واحد وطريق واحد، وفى عام 2017 استخدمت المبادرة باسم الحزام والطريق، ونجحت الصين حتى يناير 2018 فى اجتذاب 75 دولة و35 منظمة دولية للانضمام للمبادرة وتعد هذه المبادرة أوسع نطاقا من الناحية الجغرافية مقارنة بطريق الحرير القديم.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.