كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 15, 2022 - 34 Views

سيداً أم عبداً؟

Rate this item
(0 votes)

كتبت: تقى عبدالله، ليسانس آداب؛ قسم تاريخ

عزيزي القارئ، هل فكرت يوماً كيف يتم تقيمنا نحن بنى البشر؟ ومن له الحق بذلك؟ أظن أنك يا عزيزي بالفعل تتذكر تلك الأفلام التي يصطلح على تسميتها عامياً "أفلام الأبيض والأسود". هل تتذكر من كان يقوم بدور السيد الإقطاعي صاحب الأرض؟ نعم بالفعل أنه رجل وقور، قوي، وماذا ايضاً؟ "أبيض" اللون أو ما نسميه "قمحاوي". والآن من يقوم بدور الخادم أو حارس الفيلا أو غيرها من المهن البسيطة؟ نعم بالفعل شخص بسيط لا يعرف سوا العمل اليدوي وماذا؟ بالضبط "أسود" اللون.

عزيزي هل فهمت الآن ما يحدث؟ لقد تم بالفعل تصنيف مجموعة كبيرة من البشر على أنهم أقل من باقي السلالات اعتماداً فقط على "لون البشر"!.

الغريب هنا يا عزيزي القارئ ليس هذا "التصنيف الغبي"، بل ما تعمدت تلك الأفلام وحتى الروايات بل وأصبح ثقافة موروثة في معتقداتنا أن هذا الجنس البشري خُلق ليكون عبداً، بل أن هذا الجنس البشري يرضي ويخضع بسهولة.

عزيزي لقد تم التلاعب بنا جيداً...استطاعت دول المستعمر أن تمحي نضال شعوب كاملة، لتضع هذا الفكر بداخل عقولنا وكأننا بُرمجنا على هذا.

ولكن ... يظل التاريخ حاضراً يا عزيزي. يظل شاهداً متكلماً يحكي الحقائق، لكي يعطي كل ذي حقاً حقه. بالرغم من أن "الحقائق المطلقة" ما هي إلا كذبة، ولكننا لانزال نملك بعض الحقائق؛ أظن بأنه قد حان بالفعل وقت عرضها.

كيف بدأ هذا كله؟!

لقد بدأ الأمر في عام (1415م)، عندما نزل "البرتغاليين" لسواحل "افريقيا الغربية". واحتلالهم لمدينة "سبتة" ومن بعدها الكثير من المدن الإفريقية حتى أنهم وصلوا "مصب نهر السنغال" (1441م)، و"مصب نهر الكونغو" (1484م). وبعدها بدأت اكتشافات "بارثلميو دياز" في "أقصى جنوب" القارة.

كان هدف "البرتغاليين" من كل هذه الاكتشافات هو "الذهب"؛ ذلك المعدن الذي كان ذا قيمة عالية جداً وقت أذ. ذلك لأهميته في عمليات التبادل التجاري بالطبع. ودعنا عزيزي القارئ لا نغفل عن أن "قوة الدول" في تلك الفترة كانت تقاس "بمقدار ما تملك من المعادن النفيسة" (كالذهب) بالطبع.

ولكن عندما وجد "البرتغاليين" أنهم لن يستطيعوا الحصول على "الذهب"، أتجهوا للحصول على "الرقيق"؛ لماذا؟ لأنهم عندما يبيعوه في بلادهم والبلاد الأخرى التي تعاني بالفعل من نقص في "العمالة البشرية"، سيحصلون على الذهب الذي يبحثون عنه بالفعل.

أقام بالفعل "البرتغاليون" الكثير من "المراكز" و"الحصون" على "سواحل إفريقيا"، وذلك لعدم مقدرتهم "البشرية" على التوغل في الداخل، إلى جانب خوفهم بالطبع من طباع سكان المنطقة.

كانت "تجارة الرقيق" رابحة جداً بالفعل، حتى أنه أصبح عدد "الرقيق" الذين يعملون في "البرتغال" أكبر بالفعل من عدد "سكانها البرتغاليين" أنفسهم.

وعندما أُذيع صيت هذه التجارة، بدأت باقي الدول الاستعمارية بالتدخل هي الأخرى لنيل نصيب من هذه التجارة الغنية.

فبدأت "اسبانيا" تنازع "البرتغال" في هذه التجارة. وقد حدث نزاع بينهما، حُسم بواسطة "البابا" في (روما)؛ عن طريق عقد معاهدة بينهم تحت إشراف "البابا" وهي معاهدة (ترودي سيلاس) وذلك عام (1494م).

بعد ذلك وفى القرن "السادس عشر" الميلادي، بدأت الدولتان – (اسبانيا) و(البرتغال)- يتعاونا في توريد "الرقيق" الى ممتلكات ومستعمرات "الاسبانية" في "العالم الجديد"، وذلك بعقد اتفاقية تنص على ذلك.

وأتي من بعد "البرتغاليين" و"الاسبان" ورثتهم المعتادين "الهولنديين" ومن بعدهم "الفرنسيين" وكذلك "الدنماركيين". وأستمر الأمر كذلك حتى دخول الدولة الأكبر والأقوى وهي "بريطانيا".

مع دخول "بريطانيا" لهذه التجارة تغير الامر بالفعل، أصبح الأمر أكثر تنظيماً. بدأ دخول "بريطانيا" في هذه التجارة مع رحلات التاجر الإنجليزي "جون هوكنز" في عام (1562م). قام "جون هوكنز" بإنشاء (شركة) وكان مقرها في (لندن)، وذلك لنقل الرقيق من "إفريقيا" بمساعدة "شيوخ" و"رؤساء" القبائل الإفريقية. وذلك مقابل (المنسوجاتالسلع المصنعة - وشراب الروم "النبيذ") تلك المنتجات التي كانت تصل إليهم من ميناء "بلايموث" لإفريقيا، ثم نقل "الرقيق" الى "العالم الجديد" –"أمريكا"-، وفى المقابل تأخذ من "العالم الجديد" (السكرالتبغالقطن) إلى "بريطانيا". وهذا ما أُطلق عليه "التجارة المثلثة للرقيق".

    توضيح لسير عملية "التجارة المثلثة للرقيق"

 

حتى نستطيع تقدير حجم التجارة الأوروبية في هذه "التجارة الآدمية"، فقد أجمع أكثر المؤرخين أن الفترة ما بين (1790م) إلى (1808م)؛ قد دخل إلى "الولايات المتحدة الأمريكية" حوالي أكثر من (100.000 من الرقيق). وأصبح عدد "المحطات التجارية الأوروبية" والتي كانت تقع بالكامل في (شمال خط الأستواء) في هذه التجارة في "نهاية" القرن "الثامن عشر" الميلادي يقدر كالتالي:

 1- 14 محطة إنجليزية

2- 15 محطة هولندية

3- 4 محطات برتغالية

4- 4 محطات دنماركية

5- 3 محطات فرنسية

وقد سُميت هذه الرحلة لنقل "الرقيق" من "إفريقيا" إلى "العالم الجديد" بـ "رحلة العذاب". وذلك لأن نقل "الرقيق" كان يتم بطريقة "غير آدمية" بالمرة. كانت السُفن المحملة بالرقيق يتم تكديسها بشكل فظ بالرقيق. فقد كانوا يُضعوا فوق بعضهم بالبعض "كالأثاث". ومن ثم بعد وصولهم للمحطات الأوروبية ويتم دفع أثمان الرقيق للتجار، كانوا يقيضوا ويُضعوا في أماكن أشبه بـ "الزنزانات" المساجين أو أكثر بشاعة، فقد كانت الحراسة شديدة وويلاً للعاصي. 

ثم بعد ذلك يُخرِجون الرقيق من هذه "المحاجر" لكي يفحصهم المشترين وكأنهم سلع أو حيوانات، وكان يتم وسم العبد على صدره "بقضيب من حديد مشتعل" بوشوم مختلفة؛ لتميز الدولة التي قامت بشرائه.

ثم بعد ذلك يُشحنوا داخل السُفن إلى البلاد التي أشترتهم؛ وكان كثيراً منهم يلقوا حتفهم أثناء هذه الرحلة، إما بسبب "التكدس البشري" أو بسبب "قلة الغذاء". والبعض كان يُلقي بنفسه إلى البحر منتحراً؛ ولذلك كانوا يحيطون السفينة بـ "سياج عالي" لمنع هذه الحوادث من الحصول.

        توضيح لشكل "الرقيق" في محاجرهم. 

 

ومقابل هذا لم تقف هذه الشعوب صامته. بل ناضلت تلك الشعوب منذ البداية هذه البشاعة البشرية. وقد أُزهقت آلاف الأرواح الإنسانية في سبيل استرداد حُريتهم وحياتهم التي سُلبت منهم قهراً.

حريتهم التي سُلبت جراء قيام "الأوروبيون الأجانب" أو حتى "رؤساء قبائلهم المحلينباصطيادهم للاقتناء والبيع. وكأنهم عبارة عن "حيوانات برية" لا بشر من نفس الجنس مع مصطاديهم.

   توضيح لشكل "الرقيق" في القيود ونقلهم للسُفن

 

والآن عزيزي القارئ، وبعد معرفة كل ما مرت به هذه الشعوب من ظلم وقمع أستمر لسنوات. هل لازلت تعتقد أنه من الصحيح أن ننظر لمثل تلك المشاهد في الأفلام والمسلسلات التي تُظهر من هم من أصحاب البشرة "السمراء" على أنهم الأقل منزلة دائما؛ بأنه شيء من قبيل الصدفة؟! وهل لازلت تقتعد يا صديقي أنه من المُضحك إطلاق الألقاب الدارِجة عليهم مثل "شيكولاتة" و"بكار" وغيرها من الألقاب؟!

ألم تفكر ولو لمرة واحدة سيدي القارئ أنه "ماذا لو حدث العكس؟!"، "كيف كان سيصبح وجه عالمنا الآن لو تم استعباد أصحاب البشر "البيضاء" لا العكس؟!"

 أتمنى يا عزيزي أن تفكر مرة أخرى، وفى كل مرة ترى مشهداً كهذا؛ أو تسمع أحدهم يتنمر على شخصاً من ذو البشرة السمراء، أن تتذكر أنهم كانوا أسياداً لأغني قارة على الكرة الأرضية، وأنه لولا طمع البشر ولولا انقيادنا خلف المنتصر ذو المظهر البريء البراق؛ لما حدث كل ذلك من البداية.

وكما قال المناضل والزعيم الإفريقي الكبير "نيلسون مانديلا":

"الظلم يسلب كلاً من الظالم والمظلوم حريته، أنا لستُ حراً حقاً إذا أخذتُ حرية شخصاً آخر؛ المظلوم والظالم على حداً سواء قد جُرِدوا من إنسانيتهم."

المراجع المستخدمة:

1-الأوربيون وتجارة الرقيق بغرب إفريقيا، نورة حسني-مريم سليماني.

2-تاريخ إفريقيا الحديث، حمدنا الله مصطفى.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.