كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 15, 2022 - 72 Views

بريطانيا واستعمارها لجنوب إفريقيا

Rate this item
(3 votes)

كتبت: سلمى إبراهيم لبيب- ليسانس آداب قسم تاريخ 

       من المعروف جيدا أن انجلترا أطلقت الشعارات من أجل نشر الحضارة فى أفريقيا وتهليلها بفضل الرجل الأبيض على شعوب القارة السمراء الغارقين فى الجهل - من وجهه نظرهم - وأنه  وقع على عاتقهم مهمة تحضرهم وانتشالهم من الجهل ولذلك وجهت حملاتها لتحضر تلك الشعوب الأفريقية واستغلال مواردهم، ولكن إن كنت تظن أن بريطانيا وجهت أنظارها لإستغلال موارد القارة السمراء منذ البداية ، فأنت مخطىء بالتأكيد . فحتى سنة 1880 لم تكن إفريقيا بحجمها الهائل وأراضيها الشاسعة فى نظر البريطانين سوى طريق يجعلها تصل إلى أهم أراضيها ألا وهى الهند درة التاج البريطانى ، بينما التجار الذين يعملون على الشواطئ الأفريقية لا يعيرون اهتمامهم إلا بالطرق التى حول القارة . لقد كان للتقدم الصناعى الذى أحرزته إنجلترا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر هو الذى وجه أنظار البريطانيين نحو الخارج ليصبح التوسع ضرورة مُلحه يتطلبها الواقع البريطانى .

لقد أغرت موارد القارة السمراء إنجلترا مثلما اغرت جيرانها الأوروبين من قبل لتبدأ موجه من النشاط الاستعمارى البريطانى فى محاولة للسيطرة على أكبر قدر من مناطقها و مواردها .

 فى عام 1795 قامت القوات البريطانية بمهاجمة مستعمرة الكيب وبالفعل تم الأستيلاء عليها، إلا أن انجلترا لم تمكث فيها طويلا ، فقد نقلت المستعمرة إلى جمهورية بتافيا التى تدعمت حكومتها فى الأراضى المنخفضة ، لتحمل جمهورية بتافيا على عاتقها مهمة إدارة المناطق التى كانت فى قبضة شركة الهند الشرقية الهولندية التى افلست فى عام 1794 . لم تستمر سيادة جمهورية بتافيا طويلا على تلك المناطق فقد اعدت القوات البريطانية عداتها وقامت فى عام1806 بمهاجمة مستعمرة الكيب واحتلالها وذلك من أجل منع كلا من فرنسا وهولندا من عرقلة التجارة البريطانية البحرية مع الهند لتقع هذه المهمة على عاتق "الجنرال بيرد" الذى تمكن من الأستيلاء على الكيب بسهولة فى عام 1806 إلا أن الكيب لم تضم فعليا للتاج البريطانى إلا فى 1814 وذلك خلال مباحثات مؤتمر فيينا . ولان بريطانيا كانت تخشى أن يحدث نزاع يتعلق بالحدود وهو الأمر الذى سوف يؤدى لمزيد من الاعباء على  الخزانه البريطانية لذلك وجهت انجلترا عطفها إلى البانتو أكثر من البوير فى ظل الصراع القائم بينهم . لقد وضعت بريطانيا على رأس أولوياتها حماية الموانى من أجل حماية مواصلاتها للهند وتوجيه
أنظارها نحو الجنوب الافريقى الذى تم اكتشاف الذهب فيه حديثا 

سيسل رودس

وفى عام 1870 وصل إلى جنوب أفريقيا سيسل رودس ذلك

الداهية الذى ساعد على توسع النفوذ البريطانى فى القارة السمراء عن طريق التغلغل الأقتصادى من أجل تحقيق الأطماع الاستعمارية

 -سواء أكانت أطماع شخصية تخدم نفوذه الشخصى أو تحقيق أطماع إنجلترا التوسيعية التى سوف تزيد من   تجاراتها وسيطرتها على أراضى أخرى فى خصم الصراع الاستعمارى

بينها وبين الدول الأوروبية الاخرى- فلجأ رودس إلى عقد مجموعة من المعاهدات مع الزعماء الافارقة وذلك من اجل ربطهم ببريطانيا . وبحلول عام 1880 تمكن رودس من تأسيس شركة "دى بيرز للتعدين" ولكن لم  يكتفى رودس بتأسيسة لتلك الشركة بل أخذ يحث إنجلترا على ضرورة تاسيس شركة جديدة  فى جنوب افريقيا  وتم له مراده ففى 1881 تم تأسيس " الشركة  البريطانية لجنوب  افريقيا " من أجل العمل فى مجال التعدين . ومن خلال تلك الشركة تمكن سيسل رودس من تحقيق أطماعه وتمكن من إقامة مستعمرة بريطانية فى جنوب افريقيا مستخدما حجة واهيه ألا وهى حماية الذين يعملون فى مجال التعدين ، ولينتهى الأمر بالسيطرة على معظم اراضى جنوب افريقيا التابعة للملك "لوبنجويلا"،لم يكتفى رودس بهذا التوسع وإنما حرص ان يكون للشركة اسطول تجارى  يشق طريقه بين جنوب افريقيا والهند درة التاج البريطانى . وعندما تم عقد مؤتمر برلين 1885 وتقرر فيه تحديد النفوذ البريطانى فى جنوب افريقيا كانت بريطانيا تمكنت من فرض سلطانها على جميع الاراضى الواقعة من( الترنسفال حتى بحيرة تنجانيقا شمالا وحتى مدينة الرأس جنوبا ). لم تقتصر سياسة بريطانيا على التوسع وشراء  الأراضى وإنشاء الشركات وإقامة المعاهدات ولكنها عزمت على فرض اللغة الانجليزية وإلغاء المحاكم الهولندية وقامت باستبدالها بالمحاكم البريطانية ، وأمام تلك السياسة الانجليزية شديدة التدخل فى الشأن الأفريقى لم يكن أمام الوطنين الأفارقة والبوير الهولنديين إلا الهجرة إلى المناطق الداخلية  وذلك هربا من ظلم الإدارة البريطانية فى منطقة الرأس ، لتعرف هذه الهجرة تاريخيا باسم "الزحف العظيم " وذلك فى عام 1830 متجهين صوب ناتال وتمكنوا من تكوين دولة الأورانج الحرة والترنسفال، إلا أن البريطانيين تمكنوا من تعقب المهاجرين بواسطة سيسل رودس وتمكنوا من السيطرة عليهم .

ولكن إذا توقفنا قليلا وفكرنا هل كانت تلك  الهجرات ذات خطر كبير يمكن أن يهدد الشأن البريطانى ذات القوة والنفوذ فى القارة أم أن هناك ما هو أهم من تعقب مجموعة من المهاجرين ! لم يكن الأمر مجرد تعقب مجموعة من المهاجرين لقد كان الأمر أكثر أهمية من ذلك ففى تلك الأثناء تم أكتشاف الذهب حول "جوهانسبرج" بالترنسفال، واكتشف الماس فى "كمبرلى" فى الصحراء الواقعة غرب الأورانج  تلك المعادن النفيسة التى كانت بريطانيا بحاجة ماسة لها . تمكنت بريطانيا من ضم ناتال للكيب فى عام 1844 ،  وكان لموانىء ناتال أهمية كبرى لدى البريطانيون ، وأمام ذلك الضم هاجر الافريكانز –الهولندين والفرنسين- بعبورهم نهر الفال وتمكنوا فى 1849 من إقامة جمهورية جنوب افريقيا و التى تعرف فيما بعد بجمهورية الترنسفال . وامام هذه الأملاك البريطانية الجديدة ذات الموارد الوفيرة أخذت الجماعات البريطانية أصحاب رءوس الأموال والاستثمارات بالهجرة إلى هناك ، وأ مام هذا الزحف البريطانى لم تقف حكومة الترنسفال مكتوفة الأيدى بل قاومت سيل الهجرة البريطانى . وأمام هذه المقاومة الترنسفالية لم تقف بريطانيا مكتوفة فعمدت بريطانيا أن تقف بجانب الافريقين الوطنيين"الزولو" فى نزاعهم مع البوير ، وفى تلك الأثناء كانت الترنسفال تعانى من أزمات مالية ورأى رجال حكومة الترنسفال ضرورة ضم بلادهم إلى الأملاك البريطانية و إذا رفضت بريطانيا  يكون من الأفضل الضم إلى أى قوة أوروبية أخرى ، استغلت حكومة الرأس ما وصلت إليه وأخذت تعمل على حث حكومة لندن من أجل الموافقة على ضم الترنسفال ، لقد كانت إنجلترا نفسها منقسمة حول ضم الترنسفال و فى النهاية تمكن جلادستون زعيم الاحرار بعد أن نجح فى تولى السلطة فى إنجلترا من رفض طلب ضم الترنسفال . وبقرار جلادستون بعدم الضم تسبب فى خيبه أمل كبرى للموالين البريطانيين فى الترنسفال . لم تهدأ الأمور بعد رفض قرار الضم أخذ العداء ضد حكومة الرأس يزداد لتنشب حرب البوير الأولى  و مُنيت القوات البريطانية بهزيمة ساحقة لينتهى الأمر بعقد صلح يعترف بإستقلال حكومة الترنسفال ، لكن الأمور لم تهدأ، كثيرا فكان نتيجة قرارات سيسل رودس بضرورة استعمار باقى المناطق التى حول مستعمرة الرأس وضرورة ضمها للتاج البريطانى أن اصطدم بقبائل الزولو الوطنية  وبالمغامر البريطانى "بول كروجر "الذى تمكن من السيطرة على جمهورية الأورانج وعمل على انشاء اتحاد مستقل عن بريطانيا يشمل كافة المناطق التى كانت تابعة للاستعمار الهولندى، ليقترن هذا الصراع بين المغامرين البريطانيين بمسألة معاملة المستوطنين البريطانيين فى الترنسفال والضرائب التى تفرض عليهم ، لذلك أعلن كروجر انفصاله عن السيادة البريطانية فى 1899 ليكون هذا الإنفصال بداية "لحرب البوير الثانية" والتى استمرت ثلاث سنوات ونتيجة لعدم تكافؤ الطرفين المتحاربين استسلم البوير واجبروا على توقيع اتفاقية بريتوريا فى عام 1902 والتى من خلالها تم إخضاع جمهوريتى الأورنج والترنسفال  للسيطرة البريطانية على أن تمنح


استقلالا داخليا .

حرب البوير الثانية 1899-1902

  وبعد أن انتهت حرب البوير الثانية تمكن الجنرال سمطس من الدخول مع بريطانيا فى مفاوضات استمرت حتى عام 1909 أسفرت عن إنشاء اتحاد جنوب إفريقيا العنصرى الذى تكون من ولايات (الاورانج ، الترنسفال، الرأس ، الناتال) ووعد البوير بأن تكن لهم حكومة مستقلة ووزارة وبرلمان ينتخب من مجلس لكنها تخضع لوارة المستعمرات البريطانية وأصبح هذا الاتحاد عضوا فى رابطة الكومنولث البريطانى ،إلا أن الامر استلزم إيجاد حكومة واحدة فأقر دستور جنوب أفريقيا قيام مثل هذه الحكومة وبدأ العمل به فى 30 سبتمبر 1910.  

وبذلك إن دققنا أنطارنا و أكسبنا عقولنا حق التفكير الصحيح سنرى أن بريطانيا كباقى الدول الأوروبية الأستعمارية أطلقت شعاراتها بهدف التحضر والمدنية لكنها فى الواقع جاء بهدف استغلال الموارد وسكان المناطق الأفريقية استغلالا مجحفا بل وعمدت على إقامة الحروب بين سكان تلك المناطق الأفريقية من أجل تعميق الفرقة والإنقسام بينهم حتى لا يكونوا قوة تهدد النفوذ البريطانى والتجارة البريطانية فى أفريقيا.

                                                                                        مراجع تم الاستعانه بها:

1.جديون.س.وير، تاريخ جنوب أفريقيا ،ت:عبدالله الشيخ،دار المريخ ،الرياض .

2.زاهر رياض ،استعمار افريقية ،الدار القومية للطباعة، القاهرة،1965.

3.شوقى الجمل و عبدالله عبد الرازق، تاريخ افريقيا الحديث والمعاصر، دار الزهراء ، الرياض،2002.

4.محمد القوزى،تاريخ افريقيا الحديث والمعاصر،دار النهضة ،بيروت، 2006.

ب5.يحيى بو عزيز،الاستعمار الاوروبى الحديث فى افريقيا، دار البصائر ، وهران، 1986.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.