د.عبير المعداوى Written by  أيار 18, 2019 - 137 Views

نهر النيل في رحلة بيرو طافور

Rate this item
(2 votes)
كتب ؛ حماده عبد الحفيظ الرخ– باحث دكتوراه بآداب الزقازيق
نهر النيل في رحلة بيرو طافور

استغل بيرو طافور التوقف الحربي المؤقت بين مملكة غرناطة وقشتالة وبدأ رحلته إلى جنوب وشرق أوروبا إضافة إلى مصر وبلاد الشام مابين سنوات 1435 -1439م ، حيث كان طافور الذي من الراجح أنه قد ولد في أشبيلية سنة 1410م قد انخرط في سلك الخدمة العسكرية في "جيان" تحت لواء "لويز دي قزمان" وحارب معه فيما بين سنوات 1431-1432م.

قضى طافور هذه السنوات رحّالة وباحثاً وحاجاً وتاجراً. غير أن علاقته المميزة بملك قشتالة الذي كان أثيراً عنده، ناهيك عن وضعه في السلك العسكري إضافة لثقافته الواسعة وسرعة بديهته تجعلنا لا نستبعد أن يكون جاسوساً أيضاً واستخدمت رحلته في وصف الداخل المصري كتقرير مهم للكشف عن مصادر قوة المماليك ومنها تجارة المحيط الهنديوالبحر الأحمر وشرق المتوسط.

على أي حال زار طافور مصر وقت سلطنة الأشرف برسباي(825-841هـ/1421-1437م)، وأعجب بنهر النيل ووضح ذلك في قوله: "وماء النيل أحسن ماء في الدنيا وكأنه ماء الجنة..."

وقدصادف وصوله إلى دمياط وقت دخول شهر سبتمبر(أيلول) وهو الشهر الثاني من الموسم السنوي لفيضان نهر النيل الذي يحتفل المصريون بوفاءه في منتصف أغسطس (آب) من كل عام، وقد رأى المياه تعلو وتفيض لتغطي القطر بأكمله، وأول ما لاحظه مع ارتفاع الماء في النهر هودخول كميات ضخمة من السمك إلى دمياط، ويبدو أن لكثرة الأسماك فكانت تطفو على سطح الماء الفائض في البقاع خارج النهر، ولقد استفاد سكان البيوت المطلة على النهر من هذا بسبب وجود فتحات منزلية تشرف على النهر، وبالرغم من أن الهدف الرئيس من وجود تلك الفتحات هو التغلب على حرارة فصل الصيف الشديدة، غير أن ذلك لم يمنع من الإفادة من دخول طرح البحر من الأسماك إلى داخل المنازل وقت الفيضان، وهو مما يسهل من عملية الصيد.


وفي نهر النيل كان وجود التماسيح بطول النهر أمراً معتاداً، ولاحظ طافور أن خطورة هذه التماسيح تكمن في وجودها داخل النهر، على عكس الحال عندما تزحف خارج النهر لتنام تحت أشعة الشمس، ومن ثم يستطيع الصائدون النيل منها سواء بقتلها أو الصيد وإبقائها على قيد الحياة بغرض جمع الصدقات عليها، أما وجود التماسيح في الماء فيجعلها في غاية الخطورة فلا يستطيع إنسان ولا حيوان النجاة منها إذا ما وقع فريسة لها، يستثنى من ذلك حيوان الجاموس لرهبة التماسيح منها؛ فقد رأى طافور فقراء الناس يعمدون إلى امتطاء ظهور الجاموس وعبور النهر آمنين من كل خطر، عجزاً منهم على استئجار القوارب.

ولم تقف عملية الصيد على الأسماك والتماسيح فحسب، فوجد بالنهر ضروباً أخرى من الحيوانات وصفها طافور أنها في حجم الجياد، وأنها تخرج عن النهر طلباً للكلأ، فيحفر لها الناس الحفر ويغطونها فتسقط فيها ومن ثم تقتل رغم أن هذه الحيوانات لاتضر أحداً داخل النهر أو خارجه، ويبدو أن صيد هذه الحيوانات كان بغرض النفع من جلودها. كذلك تعلم الناس صيد طائر السمان بواسطة الكلاب.

على كل حال مضى طافور مغادراً دمياط قاصداً القاهرة، وذكر طافور أنه اضطر لتغيير السفينة التي جاء على ظهرها لعدم قدرتها على السير في النهر، وواقع الأمر أن دولة سلاطين المماليك(648-923هـ /1250 - 1517م) كانت لتمنع السفن الأجنبية من الدخول إلى نهر النيل سواء من فرع دمياط أو من خلال فرع رشيد، وهو الأمر الذي يتمم سياسة الدولة التي تقضيبمنع دخول الأجانب دون تصريح أو التجول داخل مدن وبلدان المعمور المصري دون مرافق، وفي نفس السياق لم يكن مسموح للسفن الأجنبية المرور إلى البحر الأحمر، وفي البحر المتوسط أيضاً كان للسفن الأجنبية ميناءً محدداً وليس لهم الحق في دخول غيره.

وينقل لنا طافور صورة واضحة عن الملاحة في نهر النيل وشكل سفن النقل النهري حينها، فمن حيث الطول قاربت هذه السفن من طول الأغربة الحربية، وهي مجهزة بالحجرات بطول السفينة على نحو يسمح بالإقامة فيها، وللسفن صنادل منبسطة لتتمكن السفينة من السير في المياة الضحلة، ورغم سيرها بالأشرعة والمجاديف كان لابد لهذه السفن من السير بعيداً عن التيار المائي وقت الفيضان، ولاحظ طافور وجود الطبول على ظهورها لإبعاد التماسيح عن طريقها، ومع ذلك لا يجرؤ من على ظهر السفن على أخذ الماء من النهر باليد، فكان يؤخذ الماء بوعاء مربوط برشاء طويل احترازاً من افتراس التماسيح.

وعند القاهرة انتهت رحلة طافور في نهر النيل ليقيم بعدها في القاهرة بعض الوقت قبل أن يأذن له السلطان برسباي باستكمال رحلته إلى سانت كاترين.


Tagged under
د.عبير المعداوى

رئيس مجلس إدارة مجموعة كاسل جورنال ورئيس التحرير

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.