كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 12, 2019 - 513 Views

صلبان ورموز مسيحية في عمائر القاهرة الإسلامية

Rate this item
(0 votes)

كتبت د. رضوى زكى

باحث أكاديمي أول بقطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية

 

من الثابت تاريخيًا أن المسلمون الأولون حين قطنوا البلاد التي فتحوها مع سكانها الأصليين وجدوا العديد من المنشآت الجديدة عليهم كالمعابد والكنائس، وحين بدأوا بتأسيس مساجد لهم، استخدموا من عناصر تلك الأبنية المهجورة والمهدمة ما وجدوه ملائمًا لمساجدهم. لذا، قام المعماري المسلم في بداية عهد الإسلام بتوظيف ما دعت إليه الحاجة من مواد البناء والأعمدة للمنشآت الجديدة، وشاعت إعادة استخدام الأعمدة القديمة أو تيجانها وقواعدها، المصنوعة من الرخام عوضًا عن البحث عن محاجر لنحت هذه الأعمدة.

وهناك نماذج متعددة من الأعمدة المنقولة مزخرفة برسوم مسيحية على هيئة صلبان أو طيور في عمائر القاهرة الإسلامية، وأن المسلمون كانوا يجلبون تلك الأعمدة من مباني خربة أو غير مستخدمة توفيرًا للوقت وإنجازًا لعملية البناء، بداية من جامع عمرو بن العاص مرورًا بالجامع الأزهر وغيره من المساجد التاريخية العريقة، لذا لم يكن بالغريب أن تظهر في تيجان أعمدة مساجد عريقة نماذج واضحة من المعمار القبطي المصري.

ولم أصادف نموذج طائر بمسجد يحمل فيه رأساً كاملاً أبدًا وأن الأمر حدث مع معظم نقوش الصلبان التي عُثر عليها غير كاملة ربما بسبب النقل وإعادة البناء، إلا أن بعضها ظلت خفية عن الأعين فنجت من هذا المصير وبقت حتى الآن.

ولم يكن هناك حساسيات في استعمال بقايا منشآت قبطية لبناء دور عبادة، لأن الفن الإسلامي ذو طابع مدني أكثر منه ديني، وإن كانت الشريعة الإسلامية الإطار الأبرز المحدد لتوجهاته، فإنها لم تكن الموجِّه الوحيد له.

وقد تميز المعماريون المسلمون الأوائل ببراعة بين ما هو ديني وما هو بشري، لذا كانت رؤيتهم في إعادة استخدام أبنية لصالح إنشاء أبنية أخرى اقتصادية بعيدًا عن أي فكر ديني لأن تحجير واستخراج الرخام كان أمرًا مكلفًا وغير مألوفًا في القرون الأربعة الأولى من الهجرة النبوية الشريفة، وخلال القرون التالية استخدم خام الرخام في أمور أخرى طالما وجدت الأعمدة القابلة لإعادة التدوير والتوظيف في منشآت أخرى، وهو أمر استمر مع العمارة الإسلامية حتى نهاية العصر الأيوبي، حينما بدأ النحّات المسلم في إتقان صناعة الأعمدة والتيجان "المقرنصة" (من أشهر نماذجه جامع السلطان حسن).

وإنّه من الخطأ الحكم على تصرفات العصور القديمة بمنظورنا نحن، فقديمًا لم تكن للآثار قدسية كبيرة كما هي الآن، فكانت الحضارات كثيرًا ما تأخذ من إنشاءات بعضها البعض، وهو أمر يظهر في بلد شهد كثيرًا من الحضارات كمصر، وهو ظاهرة بدأت من عهد ملوك مصر القديمة، فثقافة "محو آثار الأسلاف" متجذرة في المجتمع المصري منذ نشأته، وتتطور بأشكال مختلفة عبر العصور.

وقد قمت برصد الكثير من حالات بقاء صلبان تيجان أعمدتها حتى الآن وعلى سبيل المثال لا الحصر جامع "الصالح طلائع" الذي يحوي رواق قِبلته صليبًا كاملاً غير مكسور بالقرب من المحراب، وأيضاً جامع الناصر بن قلاوون الذي يحوي أحد أعمدته تاجًا به صليب كامل. وهي أمور تظهر مجددًا في مسجد أُلماس الحاجب الكائن بشارع الحلمية، وجامع السطان برسباي بالخانكاه، والتكية السليمانية المشيدة في العصر العثماني، وما تزال الدراسة قيد الاستكمال والبحث.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.