كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 13, 2019 - 86 Views

دراسات أكاديميـة وفنيــة فىتوثيق وترميم الأيقونات الأثرية

Rate this item
(0 votes)

 

كتب د. مجدى منصور  

دراسات أكاديميـة وفنيــة فى

توثيق وترميم الأيقونات الأثرية 

الأثار هي تاريخ وحضارة الأمة وذاكرة الشعوب، ولا يقتصر دورها على التعريف بحياة الأجداد وما حققوه من إنجازات، بل هي أيضاً مبعث فخر وإعتزاز للأحفاد أبناء الحاضر وصناع المستقبل، كما أنها وديعة بين أيديهم، عليهم الحفاظ عليها وصيانتها وتسليمها للأجيال القادمة.

قد يكون من الصعب إقتفاء أثر الخطوات الأولى التى خطاها الترميم كعلم وفن، وذلك بإعتبار أن المحاولات البدائية التى قام بها الإنسان فى العصور القديمة لإصلاح منزلة (سواء كان كهف أو خيمة) ومقتنياته الخاصة وحتى رتق ثيابه يمكن إدراجها إصطلاحاً تحت مسمى الصيانة، كما يذداد الأمر تعقيداً لعدم وجود ثبت توثيقي مدون لهذه المحاولات البدائية الأولى على درب الترميم والصيانة التى قام بها الإنسان الأول وذلك لعدم توصله لوسيلة مناسبة للتواصل وتسجيل ونقل المعلومات والأفكار فيما يعرف إصطلاحاً بالكتابة فى عصور ما قبل التاريخ.

أرسى المصريون القدماء دعائم حضارة مجيدة مازالت منجزاتها المعمارية ومكملاتها الجمالية تضئ جنبات وادي النيل من متحدية عوادي الزمن، تكون لها الغلبة تارة وتكون للزمن عليها تارة أخرى وحينما تكون الغلبة من نصيب عوادي الدهر تصبح تلك الروائع فى حاجة ماسة للعلاج والصيانة لحمايتها ووقايتها زاداً لها يعينها على البقاء شامخة تنير للأجيال معالم الطريق.

شهد القرن العشرين نهضة حقيقية في الإهتمام بعلوم وفنون الترميم في مصر والعالم كله للحفاظ على التراث الثقافي للشعوب، لذلك تم إنشاء وتأسيس عدد كبير من المدارس والمعاهد والكليات والهيئات والمؤسسات المتخصصة في الأثار وعلوم وفنون الترميم في معظم دول العالم. كما أقيمت مئات المؤتمرات والمنتديات العلمية الدولية لعرض الدراسات والأبحاث الحديثة والتقنيات العصرية التي تساهم في تطوير علوم وفنون ترميم الأثار بغرض صيانتها والحفاظ عليها.

 

بالإضافة إلى ذلك كان لإهتمام بعض رؤساء الدول والحكومات والوزارات إسهامات عظيمة في الحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي للشعوب من خلال القرارات والقوانين والتشريعات المحلية والإقليمية التى صدرت في هذا الشأن. كذلك كان للتكامل والتضامن بين الدول من خلال عضويتها في المنظمات الدولية وتوقيعها على المواثيق والأتفاقيات عظيم الأثر في الحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي[1].

 

إهتم المصريون منذ بداية القرن الرابع الميلادى برسم الأيقونات القبطية وبرعوا فى تصوير أحداث كثيرة من العهدين الجديد والقديم، وكذلك رسوم السيد المسيح  والسيدة العذراء والقديسين والشهداء وسير حياتهم. كما أقاموا العديد من المراسم بمختلف أنحاء مصر لرسم الأيقونات وتعليم الأجيال المتعاقبة وتدريبهم على هذا الفن الذى إستمر حتى اليوم. ومن أشهر المراسم التى ذكرتها المصادر التاريخية نذكر مرسم أبى سيفين بمنطقة مصر القديمة ومرسم كنيسة القديسة مارينا بحارة الروم ومرسم كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة.

 

الأيقونات ثروة قومية يجب الحفاظ عليها لما لها من أهمية تاريخية وأثرية ودينية، فهى ليس فقط ملك الأقباط والمصريين ولكنها تراث عالمى ملك الأنسانية كلها.  وتذخر الكنائس والأديرة القبطية واليونانية وبعض المتاحف فى مصر بعشرات الألاف بل مئات الألاف من الأيقونات الأثرية. يقتنى دير سانت كاترين بسيناء 1500 أيقونة أثرية[2]. وبكنيسة السيدة العذراء والشهيدة دميانة المعروفة "بالكنيسة المعلقة" بمصر القديمة يوجد 110 أيقونة، وبكنيسة أبى سيفين الأثرية بمصر القديمة يوجد 175 أيقونة أثرية [3]، ويوجد بالمتحف القبطى أكثر من 185 أيقونة[4].

الواقع إننا لا نستطيع تتبع تاريخ ترميم الأيقونات فى مصر دون الإشارة إلى العلماء والباحثين اللذين أبرزوا الأهميـة التاريخية والفنية والدينية لها. ونخص بالذكر علماء الأثار القبطية ومؤرخو الفنون القبطية اللذين ساهموا فى هذا المجال مساهمة فعالة مهدت الطريق أمام علماء وأخصائيو الترميم المهتمون بالنواحى الأكاديمية والتطبيقية لترميم وصيانة الأيقونات.

ويعد مرقس سميكة باشا، مؤسس المتحف القبطى بالقاهرة وأول مدير له، أول من إهتم بتجميع بعض الأيقونات من الكنائس والمنازل فـــى بدايـة القـــرن العشرين( 1908 ـ 1910م)، ثم قام بأول محاولة لتصنيف وتبويب الأيقونات عند إصدار أول دليل لمقتنيات المتحف القبطى عام 1938م. وفـى عام 1965 م نشر الدكتور فيكتور جرجس دليل أخر عن بعض أيقونات المتحف القبطى. أما أكبر عدد من أيقونات المتحف القبطى نشر فى كتالوج خاص بالأيقونات قام بإعداده الدكتور رءوف حبيب عام 1967.

 

شهدت الأيقونات فى مصر خلال الثمانينات من القرن العشرين نهضة علمية حيث ساهمت بعض المؤسسات العلمية الهولندية المتخصصة فى القبطيات بإسهامات علمية  جديـرة بالإحترام والتقدير، حيث قام فريق القبطيات بجامعة لايدن الهولندية وعلى رأسهم الأستـاذ الدكتور بول فان مورسيل ومؤرخو الفنون القبطية كارل إنمى ولندا لانجن ومات إميرزيل وبمشاركة الدكتور جودت جبرة ـ مدير المتحف القبطى أنذاك ـ وباحثوا المعهد الهولندى للأثار المصرية والدراسات العربية قاموا بالدراسات التمهيدية لإعداد كتالوج شامل متكامل يضم جميع أيقونات المتحف القبطى عام 1994 بعنوان: Catalogue Generale du Musee Copte , The Icons”.

 

بدأت محاولات ترميم الأيقونات فى مصر منذ 1920م، حيث قام  بعض الرهبان بالأديرة الأثرية بإزالة طبقات الورنيش الداكنة من سطح بعض الأيقونات. ولم يكتب لهذه المحاولات أن تستمر كثيـراً. وفى السبعينات من القرن العشرين كانت هناك محاولات أخرى قام بها بعض فنيو الترميم بمصلحة الأثار لترميم عدد كبير من الأيقونات خاصة فى كنائس منطقة مصر القديمة، وكان ترميم الأيقونات فى هذا الوقت مجرد تطبيقات حرفية إجتهادية ليس لها سند علمى أو أكاديمى.

وبدأ قسم ترميم الأثار بجامعة القاهرة تدريس مادة ترميم وصيانة الأيقونات الأثرية فى منتصف الثمانينات تقريباً، وكانت هذه هى البداية الحقيقية لترميم وصيانة الأيقونات بشكل علمى. وبعدها بدأ بعض أخصائيو الترميم من خريجى هذا القسم الإنضمام إلى مجموعة ترميم الأيقونات بهيئة الأثار، ومن هذه اللحظة بدأ التأثير والتأثر وتبادل المعلومات والخبرات بين المجموعتين، وإسـتمر ترميم الأيقونات فى مصر بواسطة هذه المجموعات (الفنيين والأكاديميين) حتى عام 1989 حيث بدأ "المشروع المصرى الهولندى لدراسة وترميم الأيقونات الأثرية بمصر" برئاسة السيدة سوزانا سكالوفا وبتمويل من الخارجية الهولندية وبإشراف كل من المجلس الأعلـى للأثار وقسم التعاون والتنمية بالسفارة الهولندية بالقاهرة. وكانت بداية هـذا المشروع من وجهة نظر المؤلف نقطة تحول فى تاريخ ترميم وصيانة الأيقونات فى مصر.

وقد كان للأبحاث العلمية المنشورة بالمؤتمرات الدولية والمجلات والدوريات العلمية، وكذلك الرسائل العلمية التى قدمت لللجامعات المصرية أكبر الأثـر فى المساهمة العلمية فى دراسة التقنيات ومواد الترميم الحديثة والمختبرة، وهنا نذكر رسالة الدكتوراة[5] غير المنشورة التى قدمها المؤلف لجامعة القاهرة وأشرف عليها أساتذة أجلاء وقامات علمية مشهود لها فى مجتمع الأثار والترميم لذلك تم أقتباس أجزاء من الرسالة العلمية لتثرى هذا الكتاب وتعم الفائدة.

 

يتناول الكتاب فى فصولة الخمسة موضوعات كثيرة تلقى الضوء على الأيقونات وتاريخها وأصلها وتطورها الفنى والتقنى وكذلك أهميتها الفنية والدينية والتاريخية والتقنية، وأساليب توثيقها توثيقاً علمياً متكاملاً ودقيقاً. وكذلك مظاهر وأسباب وعوامل التلف التى تؤثر سلباً على الأيقونات الأثرية ومكوناتها خاصة الحامل الخشبى والكانفاس وطبقات التحضير والتصوير والورنيش.

 

ويقترن المنهج العلمى للترميم بعنصرين غاية فى الأهمية وهما التوثيق والنشر العلمى وذلك طبقاً لنصوص المعاهدات والمواثيق الدولية ... وبصفة خاصة ميثاق فينسيا الذى وقعت علية جمهورية مصر العربية عام 1964 بمدينة البندقية بأيطاليا...وقد تناولنا هذا الأمر بالتفصيل بالفصل الخاص بالتوثيق العلمى. ونلقى الضوء فى هذا الفصل على علوم الترميم ومناهجه ومراحله وما تناوله ميثاق فينسيا فى مادته التاسعة التى تنص على أن

 "عملية الترميم عملية على درجة عالية جداً من التخصص، والهدف منها حماية الأثر وكشف قيمة الجمالية والتاريخية، والتى تنبني على إحترام الأصالة المادية وأصالة الوثائق. ويجب أن تتوقف عملية الترميم في اللحظة التى يبدأ فيها التخمين. وإذا كان لابد من الإضافة في هذه الحالة، تكون ذات طابع معاصر، ولا يجب آن يتم أي ترميم دون أن تسبقه دراسة تاريخية وأثرية"[6].

 

وبالرغم من أن عمليات الترميم دقيقة ومعقدة وحساسة إلا أن الأدوات المستخدمة تعتبر بسيطة الى حد كبير تتمثل فى المشارط الطبية بمختلف أشكالها وأحجامها وأدوات جراحة العيون والفرش المستريك الدقيقة وميكروسكوب صغير محمول.  وفى هذا الكتاب نتناول بشىء من التفصيل والإحترافية أساليب وأدوات ومواد العلاج والترميم والتركيز على بعض حالات الدراسة التطبيقية مزودة بالصور والأشكال التوضيحية ليستفيد منها القارئ العزيز وبصفة خاصة المتخصصون فى توثيق وحفظ وترميم وصيانة الأيقونات لتكون منهجاً علمياً يستعينون به لتنفيذ مهمتهم.

 الكاتب

فى سـطور

       

ولد بالقاهرة عام 1965

حصل على ليسانس ترميم الأثار من كلية الأثار – جامعة القاهرة عام 1987 بتقدير عام جيد جداً

حصل على درجة الماجستير من جامعة القاهرة عام 1996 بتقدير ممتاز

حصل على درجة الدكتوراة من جامعة القاهرة عام 2001بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.

التحق بالعمل كأخصائي ترميم أثار بالمجلس الأعلى للأثار عام 1989

أسس أول قسم لترميم الأيقونات بالمجلس الأعلى للأثار عام 1994

أسس أول أدارة لترميم الأيقونات تحت أشراف أ.د. نادية لقمة المدير العام أنذاك عام 2004

باحث زائر بجامعة كاليفورنيا – معهد الفيزياء التطبيقية عام 2007

باحث زائر بجامعة كاليفورنيا – معهد النانو تكنولوجى  2014-2015

 

أسس أول إدارة لبحوث وترميم الأثار بالليزر بوزارة الأثار عام 2008

اشترك فى العديد من مشروعات الترميم الكبرى فى إطار التعاون المشترك بين المجلس الأعلى للآثار وبعض المؤسسات والجامعات المحلية والأوروبية والأمريكية.

شارك بالعديد من الأبحاث فى المؤتمرات الدولية داخل وخارج مصر.

عضو فى منظمة المتاحف الأمريكية (AAM)

عضو فى المجلس الدولي للمتاحف   (ICOM)

عضو فى اللجنة الدولية للترميم    (ICCROM)

عضو مجلس إدارة المتحف القبطي

عضو مجلس إدارة المتحف المصري

عضو مجلس إدارة متحف الفن الاسلامى

عضو مجلس إدارة قطاع المتاحف

عضو لجنة المعارض الدولية بالمجلس الأعلى للآثار.

الإشراف على العديد من رسائل الماجستيرو الدكتوراة

الاشتراك تقييم ومناقشة العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة

المناصب الحالية:

مدير عام الترميم بالمتحف القبطي

مدير عام بحوث وترميم الآثار بالليزر

أستاذ بقسم ترميم الآثار بمعهد الدراسات القبطية

 

[1] . مجدى منصور بدوى " دور المواثيـق والاتفاقيات الدولية والتشريعات الإقليمية  في حفظ وصيانة الأثار والمواقع الأثرية في مصـر" مقالة نشرت بالمؤتمر الدولي الثاني في الترميم  " الرؤيـة المستقبلية لترميـم وتأهيل المناطـق الأثرية"  كلية الفنــون الجميلة- جامعة المنيا 1-2 ابريل 2006.

[2] -Zuzana S. , Sobhi S. and Magdi M.,1996 , “ New Discovery of Coptic Icons through Restoration “ , Aujourdui L` Egypte , English edition , No. 34 , pp.71 - 97 .

[3] - Zuzana  S., 1990 ,“ Language of Icons “  Aujourdui L` Egypte , English edition , No. 14 , pp.84 -97

[4] - Paul V. M. and others , 1994, Catalogue Generale du Musee Copte , The Icons , Supreme Council of Antiquities , pp. 174 .

[5] . مجدى منصور بدوى ، علاج وترميم بعض  أيقونات التمبرا فى مصر طبقاً لأحدث الأساليب التطبيقية  رسالة دكتوراه (غير منشورة) أشراف أ.د. محمد عبد الهادى، أ.د. يحيى بدر، أ.د. وفيقة نصحى – كلية الآثار – جامعة القاهرة ، 2001.

[6] . The Venice Charter, UNESCO & ICOMOS, 1964, (article 19).

 

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.